باحث: تعطل مسار العدالة الانتقالية مرتبط بغياب الإرادة السياسية

رأى باحث أن الأسباب وراء تعطل إطلاق مسار حقيقي للعدالة الانتقالية في سوريا يرتبط بغياب الإرادة السياسية اللازمة لبناء عملية مستقلة وشاملة، وضعف استقلال القضاء، وتعدد مراكز القوة والسلاح، مشيراً إلى أن المشكلة الأساسية هي أن العدالة ما تزال تدار وفق حسابات السلطة والأمن، وليست عملية وطنية يشارك السوريون في صياغة أهدافها وضماناتها.

باحث: تعطل مسار العدالة الانتقالية مرتبط بغياب الإرادة السياسية
الجمعة 31 تموز, 2026   03:40
الحسكة
بوطان حسين

بعد مرور أكثر من عام ونصف على وصول الحكومة المؤقتة للحكم في دمشق مازال مسار العدالة الانتقالية معطل في سوريا، بالتزامن مع استمرار أعمال القتل والعنف وارتكاب الانتهاكات في سوريا بشكل شبه يومي، بالإضافة إلى ما ارتُكِب من مجازر بحق العلويين في الساحل، والدروز في السويداء، والكرد في شمال شرق سوريا.

وأعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان أن حصيلة أعمال العنف في سوريا بلغت 13,592 قتيلاً، منذ سقوط النظام البعثي أواخر عام 2024 وحتى اليوم، بينها 9,272 قتيلاً خلال عام 2025، و2,354 قتيلاً في الأسابيع الأخيرة من عام 2024، و1,966 قتيلاً منذ مطلع عام 2026، في مؤشر على استمرار التدهور الأمني.

وفي هذا السياق، رأى الباحث في مركز الفرات للدراسات لزكين إبراهيم أن أهم الأسباب وراء تعطل إطلاق مسار حقيقي للعدالة الانتقالية في سوريا يرتبط بغياب الإرادة السياسية اللازمة لبناء عملية مستقلة وشاملة، وأضاف أن ما أعلن حتى الآن لا يزال أقرب إلى خطوات تأسيسية محدودة.

وأشار إلى أن الحكومة المؤقتة لم تعتمد إطاراً قانونياً متكاملاً يحدد الجرائم المشمولة، والفترة الزمنية التي تغطيها العدالة، وصلاحيات الهيئات المختصة، وآليات التحقيق والمحاكمة وجبر الضرر.

وحذّر لزكين إبراهيم من مخاطر حصر المساءلة عن الانتهاكات بطرف واحد، معتبراً أن ذلك يثير مخاوف من تكريس عدالة انتقائية تُقسِّم الضحايا وفق هوية الجاني، بدلاً من الاعتراف بحقوق جميع السوريين الذين تعرضوا للقتل والاعتقال والاختفاء القسري والتهجير على أيدي مختلف أطراف النزاع.

وذكر أسباباً أخرى وراء تعثر المسار، أبرزها ضعف استقلال القضاء، وتعدد مراكز القوة والسلاح، واستمرار التسويات السياسية والأمنية مع شخصيات أو مجموعات تواجه اتهامات بارتكاب انتهاكات، وعدم حماية الأدلة والأرشيفات والمقابر الجماعية على نحوٍ كافٍ، إضافة إلى ضعف مشاركة عائلات المعتقلين والمفقودين والناجين، ومنظمات المجتمع المدني، في تصميم هذا المسار.

وأكد لزكين إبراهيم أن المشكلة الأساسية تتمثل في أن العدالة ما تزال تُدار من أعلى، وفق حسابات السلطة والأمن، وليست عملية وطنية يشارك السوريون في صياغة أهدافها وضماناتها، مشدداً على أن العدالة التي تُقرَّر من أعلى ستبقى محدودة الشرعية، وغير قادرة على بناء ثقة وطنية حقيقية.

انعكاس غياب العدالة الانتقالية

وحول انعكاسات غياب العدالة الانتقالية على المصالحة المجتمعية والتوافق الوطني وإعادة بناء الثقة، أوضح إبراهيم أن غياب العدالة يجعل الحديث عن المصالحة المجتمعية أقرب إلى خطاب سياسي منه إلى عملية واقعية.

وأضاف: "لا يمكن مطالبة الضحايا وذوي المفقودين والناجين من التعذيب والتهجير بفتح صفحة جديدة قبل الاعتراف بما تعرضوا له وكشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات".

ورأى أنه في حال بقيت الجرائم بلا تحقيق أو محاسبة، ستستمر كل جماعة سورية في حمل روايتها الخاصة ومخاوفها وشعورها بالمظلومية بما يرسخ الانقسام القومي والديني والمذهبي والمناطقي.

ونوه إلى أن ضعف العدالة يدفع بالمواطنين إلى البحث عن الحماية خارج مؤسسات الدولة، سواء عبر السلاح أو العشيرة أو الجماعة المحلية أو القوى السياسية والعسكرية. وهذا يضعف فرص التوافق الوطني ويجعل الثقة بين السوريين والسوريات رهينة موازين القوة، لا القانون والمواطنة.

وأكد على أن إعادة بناء الثقة تتطلب اعترافاً متساوياً بجميع الضحايا، ومحاسبة فردية تمنع العقاب الجماعي، وجبراً للأضرار، وإصلاحاً للمؤسسات التي شاركت في الانتهاكات أو تسترت عليها.

وأكد لزكين إبراهيم أنه لا يمكن تحقيق استقرار دائم في سوريا دون تحقيق العدالة الانتقالية، مشيراً إلى أن من الممكن فرض هدوء أمني مؤقت من دون عدالة انتقالية، لكنه لن يشكل استقراراً مستداماً. وقال: "قد تنجح السلطات في ضبط بعض المناطق أو عقد تسويات مع جماعات مسلحة أو احتواء احتجاجات ومطالب محلية".

وتابع إبراهيم: "إلا أن المظالم غير المعالجة ستبقى كامنة، ويمكن أن تتحول عند أول أزمة إلى مواجهات مسلحة أو أعمال انتقام وثأر جماعي. فالاستقرار الذي يقوم على الخوف أو الصمت أو التوازن بين القوى المسلحة هو تجميد للصراع وليس إنهاء لأسبابه".

ورأى إبراهيم أنه لا يوجد مفاضلة حقيقية بين العدالة والاستقرار، فالعدالة إحدى أهم أدوات بناء الاستقرار، فعندما يثق المواطن بأن القضاء قادر على التحقيق ومعاقبة المسؤولين وحماية الضحايا، تتراجع دوافع الانتقام وتزداد شرعية الدولة.

وأكد أن تأجيل العدالة بحجة أولوية الأمن، يمنح مرتكبي الانتهاكات مزيداً من الوقت والنفوذ، ويشجع على ارتكاب جرائم جديدة، ويجعل معالجة آثار الصراع أكثر تعقيداً وكلفة.

ولفت إلى أن غياب مسار موثوق للعدالة الانتقالية أدى إلى استمرار حالات القتل خارج القانون والاعتقالات التعسفية والانتقام والتهديد، كما شجع بعض الأطراف على تسوية الجرائم الكبرى عبر المصالحات المحلية أو الوساطات والصفقات السياسية.

وأكد أن غياب القضاء الفاعل، جعل الشارع والجماعات المسلحة والقوى المحلية يمارسون دور المحقق والقاضي والمنفذ، ما يضعف سلطة الدولة ويعمق الفوضى القانونية والأمنية.

وبين إبراهيم إلى أنه إضافة إلى تصاعد الشكوك بين السلطة والمكونات السورية المختلفة. فهناك مجتمعات ترى أن العدالة تُستخدم ضدها بصورة انتقائية، ومجتمعات أخرى ترى أن تضحياتها يجري تجاهلها أو مقايضتها بتسويات سياسية. ونتيجة لذلك، أصبح ملف الانتهاكات جزءاً من الصراع على السلطة والتمثيل والسلاح والإدارة المحلية، بدلاً من أن يكون مدخلاً وطنياً لإنهاء آثار الحرب وإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة المتساوية.

ونوه إلى أن الحاجة تزداد إلى العدالة الانتقالية كلما ارتفعت معدلات الفلتان الأمني؛ لأنها تنقل المجتمع من منطق الانتقام والعقاب الجماعي إلى منطق القانون والمسؤولية الفردية، وأكد أن العدالة هي الوسيلة الأساسية لحماية المكونات السورية من الاتهامات الجماعية. وقال: "التحقيق المهني يحدد من أصدر الأوامر ومن نفذها ومن تستر عليها بدلاً من تحميل طرف معين لذلك يجب أن تشمل العدالة جرائم النظام السابق والانتهاكات التي ارتكبتها الجماعات المسلحة والقوى المسيطرة والانتهاكات الجديدة خلال المرحلة الانتقالية".

وأشار إلى أن تجاهل الجرائم الجديدة يعني إعادة إنتاج الإفلات من العقاب تحت سلطة مختلفة.

الخطوات العملية

حول الخطوات العملية التي يجب البدء بها لإطلاق عملية عدالة انتقالية شاملة في سوريا، رأى لزكين أن الخطوة الأولى يجب أن تشمل إقرار قانون وطني شامل للعدالة الانتقالية، بعد مشاورات علنية مع الضحايا وذوي المفقودين والنساء والنازحين واللاجئين وممثلي المكونات القومية والدينية ومنظمات المجتمع المدني بمدة زمنية محددة، وضمان استقلال هيئة العدالة الانتقالية عن السلطة التنفيذية والعسكرية، ووضع آلية شفافة لاختيار أعضائها ومراقبة عملها ونشر تقاريرها.

أما الخطوة الثانية فهي إنشاء منظومة متكاملة لا تختزل العدالة في المحاكمات، والكشف عن المقابر الجماعية وأرشيفات السجون والأجهزة الأمنية ومنع العبث بها، وتجريم إتلاف الوثائق أو إخفائها، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة للمفقودين، وجمع عينات الحمض النووي، وتطوير قدرات الطب الشرعي، وإبلاغ العائلات دورياً بنتائج البحث، وإنشاء برنامج لحماية الشهود والناجين، لأن كثيرين لن يدلوا بشهاداتهم ما دام المتهمون أو الشبكات المرتبطة بهم يحتفظون بنفوذ أمني أو اجتماعي داخل الحكومة الجديدة.

كما أكد على ضرورة إنشاء دوائر قضائية متخصصة في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ويمكن أن تكون هذه الدوائر مختلطة تضم قضاة وخبراء سوريين ودوليين في المرحلة الأولى. إضافة إلى البدء بعملية تدقيق وظيفي داخل الجيش والأمن والقضاء والإدارة العامة، لاستبعاد من توجد أدلة جدية على تورطهم في الانتهاكات، مع رفض الاجتثاث الجماعي القائم على الانتماء الطائفي أو القومي أو مجرد العمل السابق في مؤسسات الدولة.

وفي المرحلة الأخيرة إطلاق برنامج وطني لجبر الضرر يشمل التعويضات، وإعادة الممتلكات، وتأهيل الناجين، ودعم عائلات المفقودين، وإعادة الخدمات إلى المناطق المتضررة، إلى جانب الاعتراف الرسمي بالضحايا وحفظ الذاكرة. وينبغي نشر خطة زمنية واضحة تبيّن أولويات التحقيق والمحاكمة وكشف مصير المفقودين والإصلاح المؤسسي.

الباحث في مركز الفرات للدراسات لزكين إبراهيم يرى أنه لا توجد تجربة دولية يمكن نقلها إلى سوريا بصورة حرفية؛ لأن الحالة السورية تتميز بطول مدة الصراع، وكثرة الأطراف، والتدخلات الخارجية، واتساع ملف المفقودين والمهجرين، والانقسام الجغرافي والمؤسسي. لذلك يجب التعامل مع التجارب الدولية بوصفها مجموعة من الأدوات والدروس، لا نماذج جاهزة.

وأن التجربة الأنسب لسوريا هي نموذج وطني مركب يجمع بين الحقيقة والمحاسبة والبحث عن المفقودين وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات، ويستفيد مؤقتاً من الخبرة الدولية، مع بقاء ملكية العملية في يد السوريين والسوريات.

(أ ب)

ANHA