مستقبل مناطق الحسكة بين اتفاق 29 كانون الثاني والترتيبات الجديدة

في ظل الجدل المتزايد حول مستقبل بعض مناطق الحسكة، تبرز تساؤلات حول ما إذا كانت الترتيبات المطروحة تنسجم مع اتفاق 29 كانون الثاني، أم أنها تعكس توجهاً جديداً لإعادة تشكيل الواقع الإداري والسياسي في المنطقة.

مستقبل مناطق الحسكة بين اتفاق 29 كانون الثاني والترتيبات الجديدة
الثلاثاء 9 حزيران, 2026   07:15
مركز الأخبار
دوغان جيهان

بعد الاتفاق الذي وُقّع في 29 كانون الثاني 2026 بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة في سوريا، برعاية الولايات المتحدة وفرنسا، بدأت رسمياً عملية "الاندماج الديمقراطي" بين دمشق والإدارة الذاتية.

دخل الاتفاق حيّز التنفيذ في 2 شباط العام، إلا أن التقدم خلال الأشهر الخمسة الماضية بقي بطيئاً، في ظل استمرار حالة عدم الثقة بين الطرفين، والتوترات السياسية، والعقبات المؤسساتية التي ما زالت تشكل السمة الأساسية للمفاوضات.

ورغم ذلك، لم تتوقف الاتصالات بين الجانبين، واستمرت المباحثات حول ملفات متعددة. غير أن بعض الخطوات الأخيرة للحكومة المؤقتة أثارت نقاشات جديدة حول مدى انسجامها مع روح اتفاق 29 كانون الثاني، وخاصة المقترحات المتعلقة بالبنية الإدارية لمحافظة الحسكة، من خلال استخدام مصطلح "المناطق العربية"، الأمر الذي فتح نقاشاً جديداً حول الهندسة السياسية والديموغرافية للمنطقة.

اتفاق 29 كانون الثاني ووضع المناطق الكردية

كان من أبرز بنود الاتفاق الحفاظ على البنية الإدارية والاجتماعية الخاصة بالمناطق الكردية في شمال وشرق سوريا. ووفقاً للاتفاق، كان من المقرر الدمج بين قوات سوريا الديمقراطية ومؤسسات الإدارة الذاتية ومؤسسات الدولة السورية من خلال نموذج "الاندماج الديمقراطي".

ومن أكثر البنود حساسية في الاتفاق وضع محافظة الحسكة، فبحسب الاتفاق، يفترض أن تحتفظ المنطقة ببنيتها المؤسسية وهويتها المحلية الكردية، وألا تتعرض البنية الإدارية والاقتصادية والاجتماعية القائمة لأي تدخل مباشر. كما جرى تحديد عفرين وكوباني كوحدتين إداريتين مرتبطتين بحلب، في حين عُدَّت كري سبي/ تل أبيض مرتبطة بمحافظة الرقة.

وتضم محافظة الحسكة العديد من المدن والبلدات مثل سري كانيه، وقامشلو، والدرباسية، وعامودا، وديريك، وكركي لكي، وجل آغا، وتربه سبيه، وتل تمر، والشدادي، والحسكة، والهول، وتل كوجر وغيرها. وتتركز الكثافة السكانية العربية بشكل خاص في مناطق مثل الشدادي، وتل براك، وتل حميس، وتل كوجر والهول، إلا أن هذه المناطق تُعدّ تاريخياً جزءاً من البنية الإدارية لمحافظة الحسكة.

مصطلح "المناطق العربية" ونقاشات إدارية جديدة

أدى استخدام مصطلح "المناطق العربية" خلال الأشهر الأخيرة من قبل بعض الأوساط في الحكومة المؤقتة إلى تعزيز النقاشات حول احتمال منح بعض المناطق داخل الحسكة وضعاً إدارياً منفصلاً.

وأثار هذا التوجه تكهنات بشأن إمكانية ربط مناطق مثل الشدادي وتل براك وتل حميس وتل كوجر، والهول بإدارة مستقلة تحت مسمى "المناطق العربية". وأثارت هذه الاحتمالات مخاوف من تفكيك البنية الإدارية الموحدة التي نص عليها اتفاق 29 كانون الثاني.

وتتمثل الاعتراضات الرئيسة في أن هذا التوجه لا يُنظر إليه بوصفه مجرد إجراء إداري، بل يُعدّ بداية محتملة لمسار قد يؤدي إلى إضعاف الوحدة الجغرافية والسياسية للمناطق الكردية. لذلك يُنظر إلى هذه القضية من قبل السوريين على أنها ملف استراتيجي يتجاوز مجرد إعادة ترسيم حدود إدارية.

هل عادت سياسة "الحزام العربي" إلى الواجهة؟

ترتبط هذه النقاشات أيضاً بسياسة "الحزام العربي" التي طُبقت خلال عهد نظام البعث، فقد هدفت هذه السياسة، التي بدأت في ستينيات القرن الماضي، إلى إنشاء شريط سكاني على طول الحدود الشمالية والشرقية لسوريا عبر توطين مجموعات عربية في مناطق ذات غالبية كردية، ما أدى إلى تغييرات ديموغرافية واسعة تعاني من نتاجاتها المنطقة حتى اللحظة.

ويرى بعض المراقبين أن الحديث الحالي عن "المناطق العربية" يمثل نسخة حديثة من تلك السياسة. ويُقال إن أي تقسيمات إدارية جديدة، خاصة في شمال وشرق الحسكة، قد تؤدي إلى إضعاف الوحدة الإدارية للمناطق الكردية.

وفي هذا السياق، لا يقتصر الجدل على الحدود الإدارية فحسب، بل يمتد إلى قضايا التمثيل السياسي والتوازن المجتمعي وشكل الإدارة المستقبلية للمناطق الكردية.

تعيين زياد العياش وربط دير الزور

ومن التطورات الدالة هي تعيين زياد العايش، الذي كُلّف بمتابعة تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني، محافظاً لدير الزور.

ويُعرف العايش بعلاقاته مع العشائر العربية، وخاصة في شرق سوريا، حيث بنى شبكة واسعة من العلاقات العشائرية. ولهذا السبب لا يُنظر إلى تعيينه على أنه مجرد تغيير إداري عادي.

وبحسب بعض التقديرات، فإن هذه الخطوة قد تعزز احتمالات ربط المناطق ذات الغالبية العربية في الحسكة مستقبلاً بإطار إداري تكون دير الزور مركزه، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاشات المتعلقة بسياسة "الحزام العربي".

الجدل حول الحسكة والشدادي

كما لفتت الانتباه الاجتماعات التي عقدها فريق الرئاسة في الشدادي مع ممثلين عن العشائر والأحزاب السياسية وشخصيات مستقلة وفعاليات متنوعة.

وأظهر حضور مسؤولين سياسيين في هذه الاجتماعات أن الأمر لا يقتصر على مشاورات محلية، بل إن إنشاء قنوات اتصال مباشرة مع الحكومة المركزية في الشدادي أثار تساؤلات حول إمكانية إنشاء مركز إداري بديل.

ورغم عدم صدور أي إعلان رسمي بشأن نقل صلاحيات من محافظة الحسكة، فإن هذه التحركات على الأرض عززت التفسيرات التي ترى أن عملية الاندماج قد تتجه نحو نموذج جديد من التنسيق الإداري.

عملية عالقة بين الاندماج والتنافس

وتعكس هذه التطورات مجتمعة، التحديات التي تواجه مسار عملية اندماج مؤسسات الإدارة الذاتية ومؤسسات الدولة السورية بموجب اتفاق 29 كانون الثاني، في ظل استمرار الخلافات حول شكل الإدارة المحلية ومستقبل بعض المناطق في محافظة الحسكة.

ويرى مراقبون أن الجدل الدائر حول إعادة تنظيم البنية الإدارية للمحافظة تجاوز الإطار الإداري، ليصبح جزءاً من النقاش الأوسع المتعلق بمستقبل المناطق الكردية في سوريا وطبيعة الترتيبات السياسية والإدارية في المرحلة المقبلة.

(أم)

ANHA