كالكان: بدون تواصل منظم مع إمرالي لن تسير عملية السلام بشكلٍ بناء

أوضح عضو أكاديمية عبد الله أوجلان للعلوم الاجتماعية إن عملية السلام والمجتمع الديمقراطي لا يمكن أن تسير بشكلٍ بناءٍ ما لم يكن هناك تواصل وتفاعل منتظم وشفاف مع إمرالي.

كالكان: بدون تواصل منظم مع إمرالي لن تسير عملية السلام بشكلٍ بناء
الثلاثاء 26 مايو, 2026   14:42
مركز الأخبار

تحدث عضو أكاديمية عبد الله أوجلان للعلوم الاجتماعية دوران كالكان لقناة مديا خبر (Medya Haber TV) حول عملية السلام في تركيا، ونص اللقاء كما نقلته وكالة فرات للأنباء (ANF) هي كالتالي:

* عُقد يوم 24 أيار اجتماع في إمرالي بعد انقطاع لفترة طويلة، وقد أثار هذا الاجتماع بعض النقاشات السلبية. في ظل هذا الوضع غير المستقر، ما الذي يمكن قوله عن الوضع الراهن في إمرالي؟

أولاً وقبل كل شيء، أحيي بكل احترام ضمانة وحدتنا وانتصارنا ومؤسس جيش شهدائنا القائد عبد الله أوجلان، في الواقع، لم يُعقد أي اجتماع منذ لقاء 27 آذار ولمدة طويلة، حيث فُرض عزل تام خلال تلك الفترة. أما اليوم، فقد استؤنف عقد الاجتماعات مجدداً. ومن المؤكد أن المشاركين سيطلعون الرأي العام على أسباب عدم انعقاد الاجتماعات حتى الآن، ونحن نؤيد بدورنا إعلان ذلك للرأي العام.

نعتقد أن العملية ستكون أكثر نزاهة وشفافية. ومع ذلك، لا يشاركنا الجميع هذا التصور، كما أن مستوى الانفتاح ليس واحدًا لدى جميع الأطراف. فهناك العديد ممن يتحركون عبر قنوات غير معلنة أو يقفون خلف حسابات خفية، الأمر الذي يجعل العملية تفتقر، إلى حد ما، إلى الشفافية. وفي هذا السياق، يمكننا القول إن ما فهمناه من اجتماع 27 آذار هو أنهُ سيتم، نتيجةً للمناقشات بين الأطراف المتنازعة، وضع خارطة طريق والتوصل إلى تفاهم مشترك بشأنها. إلا أن دولت بهجلي أعلن لاحقًا خارطة الطريق من تلقاء نفسه، وهو ما أثار لدينا شيئًا من الاستغراب. ففي الواقع، كانت خارطة الطريق قد تشكلت خلال اجتماع 27 آذار نتيجةً للنقاشات التي جرت بين القائد عبد الله أوجلان ومسؤولين حكوميين، وعلى أساس اتفاق مشترك.

مع ذلك، لم يُفعل أياً من هذه الخطوات. ووفقاً لما تم الاتفاق عليه، كان من المفترض إصدار مشروع القانون بحلول منتصف نيسان، على أن يتوجه المعنيون أولًا إلى إمرالي لمناقشته مع القائد عبد الله أوجلان ورفاقه هناك، ثم يُعرض المشروع علينا بعد استكمال تلك المناقشات. وكان من المفترض أيضاً أن تُجري إدارة حركتنا مناقشاتها الخاصة بشأن المشروع، وأن تنقل وجهة نظرها إلى إمرالي عبر ممثليها، ليتم اتخاذ قرار مشترك هناك، تمهيداً لإصدار بعض القوانين الأساسية بحلول نهاية نيسان، وقد وُضعت هذه الخطة بشكلٍ واضحٍ ومختصرٍ خلال اجتماع 27 آذار، وتم إبلاغنا بها مع الطلب منا الاستعداد وفق هذا الإطار. وبالفعل، أعدت إدارتنا نفسها على هذا الأساس فور وصول المشروع، إلا أننا، رغم الانتظار، لم نشهد أي خطوات عملية حتى الآن. انقضى منتصف نيسان، ثم نهايته، تلاه منتصف أيار، من دون حدوث أي تطور يُذكر، في وقت بدأت فيه تُطرح بعض الانتقادات حول هذا التأخير. كما بدأت وسائل الإعلام المعنية بشؤون الحرب تتساءل وتنتقد، بالقول إن "الحركة لا تقوم بهذه الخطوة أو تلك، وإن العملية لا تتقدم، ولا تُتخذ أي إجراءات".

بصراحة، فقد أثار هذا الوضع استغرابنا. فالأمور لا يمكن أن تسير بهذه الطريقة، إذ إن عدم تنفيذ حتى الخطط قصيرة الأمد يطرح تساؤلات جدية حول كيفية معالجة قضايا بهذا الحجم والخطورة. لذلك، من الضروري أن تتعامل جميع الأطراف مع هذه المرحلة بجدية ومسؤولية. والآن، ومع الوصول إلى نهاية أيار، عاد وفد حزب المساواة وديمقراطية الشعوب إلى الاجتماع مجدداً. وحتى هذه اللحظة، لا نعلم ما الذي جرى خلال الشهرين الماضيين، وما طبيعة النقاشات التي دارت، وكيف تم تفسير هذا الوضع، وخصوصاً من قبل الجهات التي أعدت مشروع القانون، ومن المنتظر أن يتضح ذلك في حال صدور بيان رسمي. كما يبقى حجم المعلومات التي سيتم الكشف عنها وعدد البيانات التي ستصدر موضع تساؤل ونقاش. لأن الوضع قائم فعلاً على هذا النحو، لا يمكن الحديث عن تواصل منتظم وفعال. صحيح أن هناك قناة اتصال قائمة ويتم الاستماع من خلالها، إلا أن المرحلة السابقة شهدت فرض عزلة تامة استمرت ما بين ثماني وعشر سنوات، بحيث لم نتلق، نحن كحركة، ولا الشعب، ولا الرأي العام العالمي، أي معلومات من إمرالي، أي انهُ لم يُنفذ أي إجراءات قانونية.

وفي الفترة الأخيرة، ومع طرح عملية السلام والمجتمع الديمقراطي، جرى تجاوز هذا الوضع جزئياً. وكان وفد إمرالي قد أشار سابقاً إلى إمكانية عقد اجتماعات شهرية، إلا أن بعض الأطراف انتقدت هذا الطرح، معتبرةً أن الاجتماعات الشهرية وحدها لا تكفي لمعالجة قضايا بهذا الحجم، وهو انتقاد يمكن اعتباره في محله، لكن حتى هذا المستوى من الاجتماعات لم يتحقق خلال الفترة الأخيرة، لذلك، تبرز تساؤلات حول أسباب طرح خطة العمل، وعدم تنفيذها، ثم استئناف الاجتماعات مجدداً عبر وفد حزب المساواة وديمقراطية الشعوب. والحقيقة أننا نحاول فهم ذلك أيضاً، ومن الضروري أن يسعى الجميع داخل المجتمع إلى فهم هذه التطورات، إذ إن غياب المعلومات يفتح المجال أمام تعدد التفسيرات والتقييمات. فالجميع يدلي بآرائه، وتُطرح تعليقات كثيرة بشأن هذا الملف. كما تُربط هذه القضية أحيانًا بسياسات إدارة حزب العدالة والتنمية في الشرق الأوسط ضمن سياق الحرب العالمية الثالثة، أو بالتطورات المتعلقة بحزب الشعب الجمهوري، ما يزيد المشهد تعقيداً وتشابكاً. ونحن نؤكد بوضوح أننا لسنا مسؤولين عن هذه الأوضاع أو الإشكاليات. فقد تم إبلاغنا بخطة محددة، وانتظرنا لفترة طويلة تنفيذها. ومن المؤكد أن الأمور لا ينبغي أن تسير بهذه الطريقة. فقد اتخذ القرار بعد دعوة القائد عبد الله أوجلان في 27 شباط، واستجابت حركتنا لهذه الدعوة عبر عقد المؤتمر الثاني عشر، حيث جرى اتخاذ قرارات جوهرية. ومن خلال تبني مسار "التغيير والتحول وإعادة البناء"، رسمنا لأنفسنا إطاراً سياسياً واضحاً، وأصبحنا ملتزمين بهذه القرارات ضمن سياق السلام والمجتمع الديمقراطي. ولإظهار مدى وضوح موقفنا وحزمنا والتزامنا بتنفيذ هذه القرارات، لجأنا إلى خطوات وصفناها بأنها غير مسبوقة، من بينها حرق الأسلحة وحل الحزب. من هذا المنطلق، أستطيع القول إن العديد من الأقاويل أُطلقت بحقنا من خلال قطع قنوات التواصل وشن حرب خاصة ممنهجة في الصحافة. كما بُذلت محاولة لتأليب الرأي العام في تركيا والعالم ضدنا عبر معلومات مضللة. وقبل كل شيء، هذا ليس نهجاً عادلاً، ولا يعود بأي نفع على أحد. لكن، فليشهد الرأي العام في تركيا والعالم، على وجه الخصوص، هذه الحقائق بوضوح. والمسؤولون عن ذلك معروفون، وليس لنا أي دور فيه.

* فيما يتعلق بالعملية، تحدث دولت بهجلي في الخامس من أيار عن الوضع الراهن، وبعد ذلك نُشر تقرير مطول فُسر على أنهُ تراجع. وبما أنهُ كان قد تحدث سابقاً عن "حق الأمل"، ودعا القائد عبد الله أوجلان إلى الحضور إلى البرلمان وإلقاء كلمة، كيف تفسرون ذلك؟

نعم، لقد تابعنا هذه العملية بالطريقة التي أوضحتها. فقد جرى تزويدنا بخطة عمل، وواصلنا متابعة التطورات أثناء استعدادنا على هذا الأساس. كما أصدرت إدارتنا بياناً في الخامس من أيار، بمناسبة الذكرى السنوية الثانية عشرة للمؤتمر، أوضحت فيه للرأي العام الوضع الذي سبق انعقاد المؤتمر، والظروف التي أوصلتنا إليه، وما جرى خلال العام الماضي بعده، وما قمنا به أو لم نقم به، بالإضافةً إلى طبيعة مسؤولياتنا. وقد حرصنا على توضيح كل ذلك للرأي العام انطلاقاً من إحساسنا بالمسؤولية، لأننا أردنا أن تكون النساء والشباب والشعب، وكذلك الرأي العام التركي وسائر المتابعين، على اطلاع مباشر على الحقائق والتطورات. كما نرغب في أن يشارك الجميع في هذه العملية، وألا يُستبعد أي طرفٍ منها أو يبقى بعيداً عن تفاصيلها، لأن عملية السلام والمجتمع الديمقراطي ليست مساراً يخص فئة أو حزباً أو شعباً بعينه، بل هي عملية تشمل جميع شعوب تركيا، وتمتد آثارها لتطال منطقة الشرق الأوسط أيضاً. وبهذا المعنى، فإن الحديث لا يدور عن عملية بسيطة أو محدودة، بل عن مسار واسع لا يمكن أن ينجح إلا من خلال مشاركة المجتمع بأكمله فيه. ينبغي على الجميع المشاركة بفعالية أكبر في هذه العملية، واطلاعهم على ما يجري، فقد أردنا أن يعرف الجميع الحقيقة من خلال كلماتنا، وكانت هذه مسؤولية. وفي اليوم نفسه، أدلى رئيس حزب الحركة القومية، دولت بهجلي، بتصريح بالغ الأهمية. كان دولت بهجلي قد بدأ هذه العملية بالفعل، وكان يدلي بتصريحات مثيرةٍ للاهتمام بين الحين والآخر. لم يتوقع أحد هذا التصريح من دولت بهجلي، وقد أثار دهشة الكثيرين. واجهنا تصريحاً مشابهاً في الخامس من أيار، وعندما أصدرنا بياناً مفصلاً للصحافة، أدلى دولت بهجلي بتصريح مماثل، مما يدل على جدية العملية. قيمنا الأمر على هذا النحو. كان بيان الخامس من أيار بالغ الأهمية، إذ كان تعريف "السلام وتنسيق العملية السياسية" تعريفاً مهماً. أدركنا أنهُ قد تم التفكير فيه ودراسته والبت فيه، ولم يكن من الممكن قول كلمة واحدة فجأة. هذا ما جعل العمل أكثر أهمية، فقد كانت العملية تقترب أكثر من الحقيقة. كان هذا متوافقاً مع مقترحات القائد عبد الله أوجلان، الذي كان يطرح حلاً منذ بداية العام الجديد، أي منذ شباط الماضي. فقد دعا إلى تحرك سياسي وإدارة هذه المسألة، مصرحاً بأنهُ يجب عليه ممارسة السياسة، وأن على قادة الحزب تحمل المسؤولية. وقال: "في ظل الظروف الراهنة، هذا كل ما أستطيع فعله، ومن الآن فصاعداً، إذا طُلب مني العمل من أجل السلام، فيجب تهيئة مكان عملي. لا يمكن القيام بذلك في هذا المكان، في ظل هذه الظروف. يجب تهيئة الظروف والشروط اللازمة لهذه الأعمال". كحركة وشعب، دافعنا عن هذا أيضاً. ولكي يتمكن القائد عبد الله أوجلان من تحقيق شروط الحياة الحرة والعمل بحرية، نهضنا كشعب. في أجزاء كردستان الأربعة، وفي جميع أنحاء العالم، تحرك شعبنا وأصدقاؤنا والنساء وشبابنا وقدمُوا مطالبهم. وبعبارة أخرى، كانت أحداث الخامس من أيار متوافقة مع هذا الوضع. لكن في ذلك اليوم، أعتقد أنهُ كان في الثامن عشر من أيار، طرح بعض الأشخاص خارطة باسم "دولت بهجلي"، يُفترض أنها تتألف من سبع مواد. هذا الموضوع قيد النقاش أيضاً، وقد بحثنا فيه ونقوم بتقييمه.

بيان الخامس من أيار وخارطة الطريق المؤلفة من سبع نقاط لا ينسجمان مع بعضهما، فهما ليسا متطابقين. فبعد صدور بيان الخامس من أيار، سارع المتحدثون باسم حزب العدالة والتنمية إلى إبداء اعتراضاتهم، معتبرين أن الأمر لا ينبغي أن يُطرح بهذه الصيغة، وأن هناك خللاً ما، ما أدى إلى حالة من الارتباك والجدل. ومن الطبيعي وجود تدخلات مختلفة، لكن لا يمكن تصور أن يكون بهجلي متناقضاً إلى هذا الحد، لأن حجم التناقضات المطروحة كبير للغاية. ولو لم تكن هناك تدخلات متعددة، لما ظهر هذا القدر من التباين. لقد جرى التوصل، بحسب ما قيل، إلى تفاهم مشترك، وكان بهجلي نفسه قد أعلن ذلك. لذلك، يصعب القبول بوجود هذا الكم من التناقضات، لأن استمرارها من شأنه أن يقوض الثقة القائمة. فالرأي العام بات يقول إن بهجلي يطلق تصريحات إيجابية، لكن شيئاً مما يقوله لا يُنفذ على أرض الواقع، في حين يُقال اليوم إن تصريحاته ليست متناقضة. فعلى سبيل المثال، كان بهجلي قد دعا في 22 تشرين الأول 2024، من داخل البرلمان، إلى تطبيق "حق الأمل". إلا أن هذا الحق لم يرد إطلاقاً في خارطة الطريق الجديدة. كما كان قد دعا إلى انتهاج سياسة ديمقراطية، وأشار إلى ضرورة حضور القائد عبد الله أوجلان إلى البرلمان، والتحدث فيه، وقيادة كتلة حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، والمشاركة في الحياة السياسية الديمقراطية. أما الآن، فلا يظهر أي حديث عن دور سياسي ديمقراطي للقائد. وعند التدقيق في مضمون الطرح الحالي، يتضح أنهُ يقوم على فكرة الإبقاء على الوضع السابق حتى بعد حل حزب العمال الكردستاني، أي استمرار العزلة والسجن بالصيغة ذاتها. كما أن بهجلي كان يتحدث باستمرار عن أخوة الكرد والأتراك، غير أن هذا المفهوم لا يظهر في النص الحالي، باستثناء إشارات محدودة جاءت في سياق سلبي. وفي المقابل، يستمر الخطاب القائم على مفهوم "الأمة التركية الواحدة"، مع تكرار تعبيرات من قبيل "الأمة التركية بأكملها"، وهو ما اعتُبر محاولة للتضليل. وبناءً على ذلك، فإن هذا الطرح لا يبدو مقبولاً، بل يحمل في مضمونه لغة تهديد واضحة. تُصدر إدارتنا بياناتها، القائد عبد الله أوجلان هو محاورنا الرئيسي، وكل ما يجري يخضع للتقييم والمتابعة. لكن ما نرفضه هو توجيه التهديدات إلينا بشكلٍ غير مباشر أو من وراء الستار. فنحن نبذل جهوداً كبيرة لإقناع رفاقنا الشباب بالمشاركة في هذه العملية، ومع ذلك لم يتضح بعد إلى أي مدى اقتنعوا بها. وقد قلنا بوضوح إننا لا نستطيع إقناعهم بمفردنا، وإن القائد عبد الله أوجلان وحده قادر على القيام بذلك. وفي المقابل، يُطرحُ خطاب يقول: "سنصدر قانوناً، ومن يريد أن يأتي فليأت، ومن لا يريد سنقضي عليه". فماذا يعني ذلك؟ إنهُ يعني التصفية. وما الذي يُراد فعله فعلياً؟ يبدو وكأن بهجلي يُحضر للحرب، رغم كل الحديث المتكرر عن السلام. أما نحن، فماضون بجدية وإصرار في عملية السلام والمجتمع الديمقراطي. وكحركة، ما زلنا ملتزمين بنداء السلام والمجتمع الديمقراطي وبيانه، وقد تعاملنا معه بجدية كاملة وقبلناه بوضوح. ومهما كانت مواقف الآخرين، سنواصل السير في هذا الطريق بعزم. لكن أسلوب التهديد المستخدم لا ينسجم مطلقاً مع روح هذه العملية. وأقول هنا إن بإمكان الآخرين مناقشة تفاصيل هذه المسألة بشكلٍ أوسع، لكن إذا كانت المطروحة مجرد خارطة طريق، فلا مبرر لكل هذا الجدل. وإذا كانت هناك بالفعل نية حقيقية لإرساء الديمقراطية في تركيا، وأن يصبح الشعب الكردي وسائر الشعوب مواطنين متساوين في هذه الدولة، فلا حاجة إلى كل هذا التعقيد. فالمسألة في جوهرها واضحة، وتتعلق بالقدرة على تنفيذ خارطة الطريق المطروحة. لقد كان القائد عبد الله أوجلان هو من أطلق هذه الدعوة. وقيل حينها إن ذلك يمثل المرحلة الأولى. وفي المرحلة الثانية، قمنا نحن، كحركة وقيادة، بتنفيذ ما كان مطلوباً منا. لكن المطلوب الآن هو إقرار القوانين الديمقراطية، وفي مقدمتها القوانين المتعلقة بالحريات، وخاصةً ما يرتبط بالقائد. فالقائد بحاجة إلى وضع قانوني يتيح له العمل بحرية، وكان من المفترض أن يتحقق ذلك منذ نيسان. دعوا القائد يظهر إلى العلن ويبدأ نشاطه السياسي، وافتحوا الطريق أمام السياسة الديمقراطية، ودعوه يطلق حركة سياسية. عندها، سيتجه الجميع نحوه، سواءً من الجبال أو من أوروبا، ولن تبقى هناك حاجة للجدل حول من سيأتي ومن لن يأتي. فلا داعي لاستنزاف الجهود والطاقة في نقاشات كهذه. سنرى حينها ما إذا كانوا سيأتون أم لا. هذه هي خارطة طريقنا، ومن دون ذلك لن يكون هناك أي تقدم حقيقي. فإذا كان المقصود هو الاندماج الديمقراطي، فيجب أن يبدأ أولًا مع القائد عبد الله أوجلان. ولو كانت هناك نية فعلية لتطبيق السياسة الديمقراطية، لكان الطريق قد فُتح أمامها منذ البداية. فنحن لم نكتف بوقف الكفاح المسلح، بل أنهينا أيضاً استراتيجية الكفاح المسلح، واعتمدنا بدلاً منها استراتيجية السياسة الديمقراطية. وأعلنا بوضوح أننا، كحركة تناضل من أجل حرية الشعب الكردي والديمقراطية، سنتبع من الآن فصاعداً نهج السياسة الديمقراطية. ولم نقل يوماً إننا توقفنا عن النضال أو تخلينا عن قضيتنا أو انسحبنا ورحلنا.

أما الحديث عن "عودتهم إلى منازلهم"، فهو خطاب يحمل طابعاً مهيناً. فالرفاق لم يصعدوا إلى الجبال لكي يعودوا منها فرادى إلى بيوتهم. هذا أمر غير ممكن. صحيح أنهم يتحدثون عن إنهاء الكفاح المسلح، لكنهم في المقابل لا يضعون السياسة الديمقراطية في موقعها الأساسي. وإذا لم تكن هناك سياسة ديمقراطية، فكيف يمكن حل هذه القضية؟ هل سيجري حلها من خلال ما يُسمى بـ "خارطة طريق القضاء على الإرهاب"؟ هذه ليست الطريقة الصحيحة. لذلك، يجب فتح المجال أمام السياسة الديمقراطية بشكل فعلي. لكن الواقع اليوم يُظهر أن الساحة السياسية نفسها تعيش حالة من الفوضى والاضطراب. ويكفي أن نشير إلى أن المقر الرئيسي للحزب الذي أسس الجمهورية تعرض للاقتحام والهجوم، في مؤشر يعكس حجم التوتر القائم.

* الجميع يتساءل اليوم عن قرار "عدم الأهلية المطلقة" ضد حزب الشعب الجمهوري (CHP). فإذا كنتم تتحدثون عن الديمقراطية، فكيف يمكن تفسير هذا القرار؟ وما الهدف الذي يسعى إليه حزب العدالة والتنمية (AKP)، وما تأثيره على مسار العملية السياسية؟

في الحقيقة، ما يجري بات لافتاً للغاية. في السابق لم تكن هناك أي لقاءات أو تفاهمات، أما اليوم فيُقال إن قنوات التواصل بدأت تُفتح، ولهذا السبب أصبح حزب الشعب الجمهوري هدفاً مباشراً أيضاً. ما يحدث يعكس نهجاً مناهضاً للديمقراطية قائماً على القمع والإقصاء. وكما ينبغي ألا تكون هناك وصاية عسكرية على السياسة، فلا يجوز أيضًا أن تكون هناك وصاية قضائية عليها. حزب العدالة والتنمية لا يكتفي بإساءة استخدام أجهزة الشرطة والاستخبارات، بل يذهب أبعد من ذلك في توظيف القضاء سياسياً. الأمر تجاوز حدود التسييس التقليدي، بل تجاوز حتى منطق الصراع السياسي المعتاد.

في الماضي كانت الانقلابات تُخطط داخل الثكنات العسكرية ومقار القيادة العامة، وينفذها أصحاب البزات العسكرية. أما اليوم، فإن ما يشبه الانقلابات يُصاغ داخل أروقة المحاكم، وفي الغرف التي تُرتدى فيها العباءات القضائية، ويُنفذُ بأيدي القضاة أنفسهم.

ورغم أن وزير العدل يؤكد أن كل ما يجري يتم وفق القانون، فإن المشكلة أن القانون نفسه أصبح قابلاً للتأويل والتطويع بما يخدم السلطة، حتى فقد معناه الثابت. أتذكر جيداً عندما فُرض الحظر السياسي على رجب طيب أردوغان وسُجن أربعة أشهر؛ حينها كان أول من يرفض الوصاية القضائية على السياسة، وكان يقول إن "الديمقراطية لا يمكن أن تُدار بهذه الطريقة". أما اليوم، وبعد أن أصبحت أدوات القضاء بيد السلطة، فالجميع يرى كيف تُستخدم لتصفية الخصوم السياسيين، ليس فقط ضد المنافسين الحاليين، بل ضد كل من قد يتحول إلى منافس في المستقبل، والعالم يدرك تماماً الرسالة التي تحملها هذه الممارسات.

لا شك أن ما يحدث مرتبط بصراع حزب العدالة والتنمية على البقاء في السلطة، وبالأساليب التي يعتمدها لإدارة هذا الصراع. إنها معركة سلطة مستمرة، تتخذ طابعاً أكثر حدة يوماً بعد يوم. ومن يدخل الحياة السياسية، وخاصةً من يتبوأ مواقع الدولة، فكأنهُ يدخلها وهو مستعد لدفع أثمان باهظة. التاريخ التركي مليء بالأمثلة على ما جرى للرؤساء ورؤساء الحكومات نتيجة هذا الصراع. لكن المسألة لا تتعلق فقط بالصراع على السلطة، بل ترتبط أيضاً بعقلية سلطوية معادية للديمقراطية، وبطبيعة النظام السياسي نفسه. فمنذ سبعينيات القرن الماضي كان السؤال مطروحاً بوضوح هل ستتحول تركيا إلى نظام فاشي أوليغارشي، أم إلى جمهورية ديمقراطية؟ الذين ناضلوا آنذاك كانُوا يطالبون بجمهورية ديمقراطية، وحتى أمام المحاكم وعلى أعواد المشانق ظلوا يرددون هذا المطلب، لكنهم تعرضوا للسحق والإقصاء. ولهذا يجب تسمية الأمور بأسمائها "ما يجري اليوم ليس مجرد تجاوزات، بل ممارسات فاشية معادية للديمقراطية بشكلٍ صريحٍ".

أما النقطة الجوهرية، فهي أن جذور هذه الأزمة مرتبطة بالقضية الكردية. فلو أصبحت تركيا دولة ديمقراطية فعلاً، فإن الكرد سيطالبون بحقوقهم الطبيعية وسيحصلون عليها. ومن هنا يتحول القمع المفروض على الكرد إلى بنية استبداد تمتد إلى عموم تركيا. فحرية الكرد وديمقراطية تركيا مترابطتان بشكلٍ لا يمكن فصله، كما أن القمع الواقع على الكرد والاستبداد داخل تركيا وجهان لحقيقة سياسية واحدة. وفي السياق الحالي، أصبح حزب الشعب الجمهوري يمثل بديلاً محتملاً للسلطة، ولذلك يتعرض لهذا النوع من الاستهداف. ويمكن فهم ما يحدث باعتباره جزءًا من معركة السلطة التي يخوضها حزب العدالة والتنمية ضد الحزب وضد أوزغور أوزيل تحديداً. وما نشهده اليوم من وضع عدم الأهلية المطلقة، واقتحامات تنفذها الشرطة بالقوة، يمثل مشهداً مخجلاً لا يمت بصلة إلى السياسة الديمقراطية.

القائد عبد الله أوجلان كان يعرف السياسة بأنها قدرة المجتمع على اتخاذ قراراته الحياتية بشكلٍ جماعي وتنفيذها. ونحن أيضاً كنا نفهم السياسة بهذا المعنى، لكن ما نراه اليوم يكشف فجوة كبيرة بين المبادئ والممارسة. من جهة أخرى، يرتبط هذا المسار أيضاً بالقضية الكردية مباشرة، فأوزغور أوزيل تحدث عن "الشعب الكردي" و"حقوق الكرد"، وهو ما أثار رد فعل سريعاً وغاضباً من دولت بهجلي، الذي رفض حتى الاعتراف بهذا الخطاب. وفي الوثائق السياسية الأخيرة لا يظهر اسم الكرد أصلاً، بل يجري اختزال الجميع ضمن مفهوم "الأمة التركية"، وكأن أي اعتراف بالتعددية أمر غير مقبول. ويبدو أن أوزغور أوزيل بدأ يدرك أبعاد هذه المسألة. فنحن نعرف ما حدث لتورغوت أوزال، وما جرى لنجم الدين أربكان، وغيرهما ممن حاولوا الاقتراب من حل القضية الكردية بطريقة مختلفة، واليوم يتكرر المشهد نفسه مع أوزغور أوزيل. لذلك فإن استمرار موقفه وعدم تراجعه يحمل أهمية كبيرة، لأن حضوره السياسي وقوته الحالية ارتبطا بهذا الخطاب تحديدا. وإذا استمر على هذا الأساس، فإن مقاومته ستُقرأ باعتبارها مقاومة ديمقراطية. لكن إذا جرى حرف القضية عن مسارها الحقيقي وتحويلها إلى مجرد صراع سلطة، فسيجري تجاهل جوهر الأزمة في تركيا. ولهذا ينبغي التعامل مع ما يحدث بوعي وحذر، وألا يتحول أحد إلى أداة في هذا الصراع. وفي النهاية، إذا كانت هذه الممارسات تُرتكبُ بحق الحزب الذي أسس الجمهورية ويُعرف بأنهُ حزب أتاتورك، فكيف يمكن الحديث عن ضمانات سياسية لبقية لقوى؟ وإذا كانت قيادة حزب الشعب الجمهوري نفسها تتعرض لهذا النوع من التدخلات، فما الذي يمكن أن يحدث لمن يطالب بالحرية أو بالهوية الكردية أو بالديمقراطية في تركيا؟ لهذا ينظر كثيرون إلى ما يحدث باعتباره محاولة لاستثمار المناخ السياسي الحالي من أجل تعزيز قبضة السلطة وترسيخها، لا من أجل توسيع المجال الديمقراطي. ومن هنا، فإن الصورة العامة لا تبدو مطمئنة على الإطلاق.

* بصراحة، عندما استمعنا إلى تقييماتكم، تبادر إلى أذهاننا هذا السؤال: ما هو دور حزب العدالة والتنمية في هذه العملية؟ لقد ذكرتُم أنه لا يوجد وضع ثابت، بل يوجد مسار فقط. فهل نرى هذه الجدية بالفعل؟

ما يقوم به حزب العدالة والتنمية لا يقتصر على استهداف خصومه السياسيين، بل يمتد إلى المجتمع الكردي عبر الانتهاكات بحق النساء والفتيات، والاعتداءات المنظمة، وسياسات القمع المستمرة. كما طالت هذه السياسات الطبيعة في كردستان والبحر الأسود وسائر تركيا، من خلال تدمير الجبال والغابات واستنزاف الموارد بحثًا عن الثروات، في نهج يقضي على مقومات الحياة. وفي الوقت نفسه، تكشف أوضاع السجون حجم هذا الظلم، إذ تجاوز الاكتظاظ كل الحدود، وما زال المعتقلون يعانون في ظروف قاسية حتى إن كثيرين لا يخرجون منها إلا جثثًا، وهو ما يعكس استمرار سياسة القمع والتدمير على مختلف المستويات. ومن جهة أخرى، ما يُمارس بحق المجتمع الكردي يُمارس بحقنا. وما زلنا نتحدث عن عملية السلام والمجتمع الديمقراطي، لكن هناك معتقلون مرضى لا يستطيعون البقاء في السجن، ولم يُفرج عن أي واحد منهم. لا توجد قبور لرفاقنا. كل المزارات دُمرت، وبُعثرت في كل مكان، ولم تعد عظامهم موجودة. ثم يقولون لنا: "تعالوا إلى أحضان الدولة الرحيمة، وليتحقق العدل عليكم". فليتحقق إذن، ولنر قليلاً من هذا العدل. لا يوجد شيء من ذلك. إنهم يجعلون من كل هذا ذريعة لما يسمونه "مكافحة الإرهاب"، ويدعون أنها ضرورة قانونية وحقوقية. لكن ما علاقة كل هذه الاعتداءات، والنهب، وتدمير الطبيعة، والقضاء على النساء، وسحق الإنسانية، والظلم والقمع بالقانون أو العدالة؟ في الحقيقة، هذا ما يسمى بالرأسمالية المتوحشة: القمع، النهب، تدمير المجتمع والطبيعة والإنسانية، وفوق كل ذلك عقلية الهيمنة الذكورية وما تمارسه من ظلم وضغط على النساء والسياسة، وكل هذا يتم باسم حماية حقوق المرأة. كيف يقترب حزب العدالة والتنمية، بوصفه سلطة حاكمة، من هذه العملية؟ إنهُ يقترب منها بمنطق السلطة. لسنا بحاجة للدخول في كثير من التفاصيل. إنهُ يحول كل شيء إلى أداة لترسيخ سلطته. حتى إنهُ يتصارع مع الدولة نفسها وقد استحوذ عليها. وفي صراعه مع حزب الشعب الجمهوري أيضاً يفعل الشيء ذاته. يحاول إنجاز هذه العملية عبر الهجمات على المعارضة، مستخدماً القوة التي يحصل عليها منها. نحن نفهم هذا جيداً ونراه بوضوح. كل شيء يفعله من أجل تثبيت سلطته، ولا شيء أكثر. قلتُ في برنامج سابق إن حزب العدالة والتنمية لا يتعامل مع العملية بمنظور استراتيجي، بينما نحن نتعامل معها استراتيجياً. هو يتعامل معها وفق مصالحه اليومية وسلطته. قلنا إنهُ يحولها إلى أداة للسلطة. وفي اليوم التالي قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إنهم يتعاملون معها استراتيجياً. إن كان ذلك صحيحاً فهو جيد، لكن ما نراه على الأرض لا يحمل لا استراتيجية ولا مقاربة استراتيجية. لا وجود حتى لاسم الكرد. مع من ستُبنى الديمقراطية إذن؟ ومع من سيُحل هذا الإشكال؟ كان ينبغي أن تكون كل القوى السياسية موحدة ومتكاتفة، وأن تُحل أعقد مشكلات تركيا، وأن يكون ذلك مدخلاً لجمهورية ثانية، تحرر ديمقراطي جديد. نحن نقول إن الجمهورية الديمقراطية يجب أن تُبنى، وهذا يتطلب تعاوناً وموقفاً موحداً، لكن حزب العدالة والتنمية لا يفعل ذلك، بل يسعى إلى تصفية كل البدائل ليجعل كل شيءٍ في خدمة بقائه في السلطة. إنها مقاربة نفعية للغاية، لا تخدم مستقبل تركيا ولا مصالحها، بل تخدم فقط سلطته ومصالح عائلته وحزبه. وعندما ننظر إلى تصريحات المتحدثين باسم السلطة، نرى أن كثيراً منها مجرد ديموغوجيا. رغم حديث أردوغان عن أن عملية السلام تسير بشكلٍ جيدٍ وبمقاربة استراتيجية، فإننا لا نرى ما يثبت ذلك على أرض الواقع، بل إن الإعلام الموالي للسلطة يناقض هذا الخطاب من خلال الهجوم المستمر على العملية، والتحريض والإساءة، وهو ما يجعل الحديث عن الجدية غير مقنع. فالإعلام والسياسة يحتاجان إلى قدر من المسؤولية والالتزام، لأن الاستمرار في هذا النهج يزيد التوتر ويعقد المشهد. كما أن تصريحات دولت بهجلي، خصوصاً في 5 و18 أيار، زادت من هذا الارتباك، خاصة عندما تُطرح أفكار تطالب بحل حزب العمال الكردستاني مع إبقاء القائد عبد الله أوجلان أسيراً، وكأن المجتمع الكردي يمكن أن يقبل بمثل هذه الطروحات. فهم يسيئون تقدير طبيعة هذا المجتمع الذي لم يرضخ يوماً للضغوط، وحتى وإن كنا نتعامل بحذر ونضبط خطابنا وتحركاتنا حرصاً على استمرار عملية السلام، فإن الاستفزازات المتكررة وتجاوز الحدود لن تكون مقبولة، ولو طُرحت هذه التصريحات منذ البداية لكان الرد الشعبي عليها أكثر حدة.

* إذا أردتم، فلنقيم الوضع الراهن في ضوء التطورات الخارجية. في تقييماتكم السابقة، ذكرتم مراراً أن تركيا محاصرة في سياق الحرب العالمية الثالثة. برأيكم، هل تغير هذا الوضع أم لا؟ فقد عقدت تركيا اجتماعات واتفاقات، لا سيما مع إنكلترا وألمانيا، وقد نُشر ذلك في الصحافة.

العلاقة مع انكلترا طُرحت مؤخراً، أما العلاقة مع ألمانيا فهي قديمة وممتدة، ومن الواضح أن هذه الدول تنظر إلى نفسها كقوى مؤثرة في توجيه تركيا. ومن هنا، فإن سعي السلطة الحالية إلى التقارب مع ألمانيا وبريطانيا لا يعكس استقلالاً سياسياً، بل محاولة للتموضع ضمن موازين القوى الدولية. في جوهر الأمر، تحاول تركيا الاصطفاف مع المحور الأميركي ـ الإسرائيلي، كما جرت عليه تقاليد النخب الحاكمة التركية التي دأبت على الانحياز إلى الطرف الأقوى عالمياً بدل مواجهته. لكن هذا الرهان، سواءً على الغرب أو على التطورات الجارية في إيران، هو رهان خاطئ. فتركيا تراهن على أن التحولات الإقليمية قد تمنحها فرصة لتحسين موقعها، بينما الواقع يشير إلى أن أي تحول حقيقي في إيران قد يفتح الباب أمام انفتاح ديمقراطي ينعكس على القضية الكردية ويخلق واقعاً سياسياً جديداً في المنطقة، وهو ما قد يفرض على تركيا مراجعة سياساتها بدل الاستفادة منه كما تتصور. أما التحالفات التي تحاول تركيا نسجها مع ألمانيا وبريطانيا أو التلويح بالتقارب مع روسيا والصين، فهي تُستخدم كورقة ضغط ومساومة، لكنها لن توفر لها حلاً فعلياً، فالتوازنات الدولية اليوم مختلفة، ولم يعد من الممكن فرض معادلات قديمة قائمة على الابتزاز السياسي بين المحاور. وإذا استمرت تركيا في هذا النهج، فقد تجد نفسها أكثر عزلة وتورطاً في صراعات إقليمية لا تخدم مصالحها. لذلك، فإن المخرج الحقيقي لا يكمن في المناورات الخارجية، بل في تبني تحول ديمقراطي داخلي حقيقي. فالحل الوحيد أمام تركيا هو الاستجابة لعملية الحل الديمقراطي ومعالجة القضية الكردية عبر تسوية سياسية شاملة. أي تأخير في ذلك لن يمنحها وقتاً إضافياً، بل سيزيد خسائرها ويضعف موقعها أكثر في الشرق الأوسط الذي يُعاد تشكيله اليوم على أسس جديدة.

مع بدء عملية السلام والمجتمع الديمقراطي، بدأ الكرد مساراً من النقد والنقد الذاتي، وقد أدلى شيناسي آتابي مؤخراً بتقييم لهذه القضية، وللأنشطة والتنظيمات. وقال إن من المفترض أن يقوموا بذلك هم من يدعون، وأن لغة الشكوى أصبحت مفرطة. ونحن أيضاً نرغب في المساهمة في هذا النقاش من هنا.

إن ما طُرح من نقد ومراجعات كان مهماً، لأنهُ يسلط الضوء على مشكلة أساسية تتمثل في غياب الانسجام بين القول والفعل. فالكثير مما يُطرح باسم النشاط أو الفعل السياسي بقي في حدود الخطاب والتصريحات، من دون أن يتحول إلى ممارسة مؤثرة وفاعلة داخل المجتمع. هناك ابتعاد واضح عن خط العمل الحقيقي، إذ إن بعض ما يُقدم على أنهُ نشاط لا يتجاوز كونه مجرد إعلان إعلامي لا يترك أثراً فعلياً، وهذا يعكس حالة من التراجع والابتعاد عن جوهر الفعل التنظيمي.

كما أن جزءاً من المسؤولية يقع على الإعلام، الذي بات ينشر كل ما يُقدم له دون تمييز بين ما يحمل قيمة حقيقية وما هو مجرد تكرار فارغ، ما ساهم في تكريس هذا النمط الشكلي. فالنشاط الحقيقي هو ما يترك أثراً، ويصل إلى الناس، ويخلق تغييراً أو تفاعلاً، ولن يقتصر على بيانات أو مواقف عابرة. وتبرز المشكلة أيضاً في تفريغ المفاهيم من مضمونها العملي، مثل الحديث عن "الكومون" أو "العمل المجتمعي" من دون ترجمة ذلك إلى بناء فعلي داخل المجتمع، أو مشاركة حقيقية، أو تنظيم وتثقيف وتفاعل مباشر مع الناس. فالمطلوب ليس ترديد المصطلحات، بل تجسيدها في الواقع. النقد هنا يدعو إلى العودة إلى خط العمل الحقيقي، القائم على البناء الإيجابي، والتنظيم، والممارسة المتواصلة، بدل الاكتفاء بالاحتجاجات الشكلية أو بيانات الإدانة التي تفقد تأثيرها مع التكرار. ويؤكد أن الشبيبة الوطنية، وخصوصاً الشبيبة الآبوجية، مطالبون باستخلاص الدروس من هذه التجارب، ومراجعة نتائج أعمالهم بصدق، وقياسها بمدى تأثيرها العملي. فالأساس هو أن يكون الفكر والعمل متكاملين؛ أن يتحول القول إلى فعل، وأن يكون الفعل نابعاً من وعي وتنظيم وممارسة حقيقية، وهذا هو النهج الثوري الصحيح، القائم على وحدة التفكير والممارسة، والمراجعة المستمرة لتصحيح المسار وتطوير الأداء.

عند الحديث عن المسار الصحيح للممارسة العملية، يتذكر الناس الشهداء. نحن في شهر الشهداء. فلنختتم برنامجنا بتقييم الشهداء في شخص قاسم أنكين وماسيرو.

لقد قال القائد عبد الله أوجلان إن الحياة الحقيقية هي حياة الشهداء، لأن الشهادة تعني الشهادة على الحقيقة والانتصار. فحين يكون هناك شهيد لقضية أو لهدف، فهذا يعني أن حقيقة هذه القضية ومشروعيتها وقوة انتصارها قد تجلت، ولهذا يلتحق الناس بها ويضحون من أجلها. ومن هنا وصف حزب العمال الكردستاني بأنهُ حزب الشهداء، وحتى بعد حل الحزب في مؤتمره الثاني عشر، بقيت قيم الشهداء أمانة لدى الشعب، باعتبارها الطريق الذي يهديه إلى الحقيقة ويحدد له مساره. وفي يوم الشهداء، الذي يصادف ذكرى استشهاد حقي قرار، نستذكر جميع الشهداء الذين قادوا مسيرة الحرية على مدى نصف قرن، ونؤكد أن وفاء الشعب لهم يكون بفهم خطهم والاقتراب من حقيقتهم عبر النقد الذاتي والتعلم من تجربتهم. فهذه الحركة هي حركة القائد والشهداء، وفهم نهجهم هو الطريق الصحيح لصون تضحياتهم والاستمرار على خطهم. ونستذكر أيضاً الشهداء الرائدين في الحركة الثورية الكردية والتركية، مثل دنيز كزميش ورفاقه، وإبراهيم كايباك كايا، وسنان جمكيل، إلى جانب قادة ومقاتلين من الحركة الكردية مثل جمشيد، وإيريش، وآندوك، وقاسم وماسيرو، الذين شكلوا نماذج للنضال والتضحية والقيادة، هؤلاء لم يكونوا مجرد مقاتلين، بل شخصيات صنعت وعياً وتجربة نضالية متكاملة ينبغي تعريف الأجيال الجديدة بها لتستلهم منها الدروس. إذ ترك الشهداء إرثاً حياً لا يمكن محوه، مهما حاولت القوى المعادية طمس أضرحتهم أو آثارهم، لأن ما صنعوه من وعي وتاريخ وذاكرة جماعية باقٍ في وجدان الشعب. ولهذا فإن كل مشاريع الإبادة أو التصفية محكوم عليها بالفشل، لأن الشهداء رسخوا حقيقة الحرية في الوعي الكردي، ولهذا الشهداء خالدون في قلوبنا، وسيظلون أحياءً في مسيرة النضال والذاكرة الجماعية".

(ي م)