في ذكرى انسحاب القوات السورية من لبنان.. هل تعود مجدداً؟

انسحبت القوات السورية من لبنان في 26 نيسان 2005 بعد وجود استمر قرابة ثلاثة عقود بدأ عام 1976، منهيةً مرحلة عسكرية ممتدة، ومطلقةً تحولاً سياسياً داخلياً أعاد تشكيل التوازنات اللبنانية. لكن مع التحول السياسي في سوريا بعد سقوط النظام البعثي، تجدد الحديث عن إمكانية دخول قوات الحكومة المؤقتة إلى لبنان.

في ذكرى انسحاب القوات السورية من لبنان.. هل تعود مجدداً؟
الأحد 26 نيسان, 2026   03:20
مركز الأخبار

في 26 نيسان 2005 انسحبت القوات السورية من لبنان بشكل كامل، بعد حضور امتد قرابة ثلاثة عقود بدأ عام 1976 في سياق الحرب الأهلية اللبنانية، ضمن ترتيبات إقليمية سعت إلى احتواء الصراع وضبط موازين القوى بين الأطراف المتنازعة.

ومع تعاقب السنوات، ترسّخ هذا الدور في البنية السياسية والأمنية، وتحوّل إلى عنصر فاعل في تشكيل المشهد اللبناني، متقدّماً من الإطار العسكري نحو تأثير مباشر في صناعة القرار السياسي.

من التوتر إلى الانفجار السياسي

شهد عام 2005 تصاعداً حاداً في التوترات الداخلية، بالتوازي مع تحولات إقليمية ودولية متسارعة، وشكّل اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في 14 شباط لحظة مفصلية، دفعت الشارع اللبناني إلى التعبير عن غضبه عبر احتجاجات واسعة عُرفت بـ "انتفاضة الاستقلال".

رفعت هذه الحركة الشعبية سقف المطالب السياسية، ودفعَت نحو إعادة صياغة العلاقة مع سوريا ضمن إطار السيادة الوطنية. وفي الوقت نفسه، تصاعدت الضغوط الدولية، خاصة عبر قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار رقم 1559 القاضي بانسحاب جميع القوات الأجنبية من لبنان، ما أضفى بعداً دولياً على الأزمة الداخلية.

مسار الانسحاب

انطلقت عملية الانسحاب السوري عبر مراحل متتابعة، بدأت بإعادة انتشار القوات من مناطق مختلفة داخل لبنان باتجاه البقاع تمهيداً للمغادرة النهائية. ترافقت هذه الخطوات مع مراقبة دولية مكثفة ومتابعة دقيقة لمسار التنفيذ. وفي 26 نيسان 2005 أُعلن اكتمال الانسحاب، ما أنهى فصلاً طويلاً من التاريخ اللبناني، وفتح مرحلة جديدة حملت ملامح مختلفة على المستويين السياسي والأمني.

بعد الانسحاب الذي شكّل تحوّلاً عميقاً في البنية السياسية اللبنانية وأعاد رسم خريطة القوى، انقسم المشهد السياسي بين تيارات تحمل رؤى متباينة حول طبيعة العلاقة مع سوريا ودور لبنان في محيطه الإقليمي، ما أتاح نشوء ديناميكيات سياسية مستجدة تجسدت في تحالفات متبدلة وصراعات على النفوذ ضمن مشهد مليء بالتوتر.

وبروز هذا الانقسام اتضح بشكل جليّ بعد اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط 2005، إذ تبلورت الساحة اللبنانية ضمن اصطفافين رئيسيين: الأول، قوى 14 شباط، التي تشكّلت عقب الاغتيال مباشرة ورفعت شعار انسحاب القوات السورية وكشف حقيقة الاغتيال، وضمّت أطرافاً بارزة مثل تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي وحلفاء آخرين في موقف معارض للنفوذ السوري في لبنان؛ والثاني، قوى 8 آذار، التي تبلورت كردّ سياسي على 14 شباط وعبرت عن موقف مؤيد أو متحالف مع سوريا في تلك المرحلة، وضمّت بشكل أساسي حزب الله وحركة أمل وحلفاء آخرين، ورفعت شعارات تتعلق بـ"الوفاء لسوريا" ومواجهة الضغوط الدولية، وهو الانقسام الذي شكّل الإطار السياسي الأبرز في لبنان لسنوات طويلة بعد الاغتيال وأعاد رسم التوازنات الداخلية على أساس الاصطفاف الإقليمي والدولي.

إعادة تشكيل التوازنات السياسية

ومع انتهاء الوجود العسكري السوري في لبنان، انتقلت العلاقات بين دمشق وبيروت إلى مرحلة جديدة تقوم على أسس دبلوماسية مباشرة، وبرزت الحاجة إلى تنظيمها ضمن إطار رسمي يعكس سيادة كل دولة مع الحفاظ على الروابط التاريخية والجغرافية التي تجمع البلدين، وشهدت السنوات اللاحقة خطوات في هذا الاتجاه تمثلت في تبادل التمثيل الدبلوماسي وتوقيع اتفاقيات تعاون في مسعى لبناء علاقة متوازنة تستند إلى المصالح المشتركة، كما أسهم هذا الانسحاب في إعادة صياغة موقع لبنان ضمن هذا السياق مع تنامي دور الفاعلين الدوليين في متابعة شؤونه، وعكس الحدث توجهاً عاماً نحو تعزيز مفهوم السيادة الوطنية في المنطقة في ظل تداخل المصالح الإقليمية والدولية.

عودة الحديث عن إمكانية التدخل السوري في لبنان

تزامن ارتفاع وتيرة الهجمات الإسرائيلية، المدعومة من الولايات المتحدة، ضد إيران وأطراف مدعومة منها في المنطقة، بما في ذلك حزب الله اللبناني، مع سقوط النظام البعثي الذي كان متحالفاً مع إيران وحزب الله. وهذا ما قد يمهّد لحالة أمنية وعسكرية وسياسية جديدة في المنطقة، تقوم على إمكانية نشوء تحالف بين الحكومة المؤقتة في سوريا، ذات الخلفية الدينية السنية، وإسرائيل والولايات المتحدة، في حال توفرت الظروف السياسية والعسكرية الملائمة، في مواجهة القوى المرتبطة بإيران في لبنان والعراق، وربما لاحقاً النظام الإيراني نفسه.

ضغوط تدفع للوصول إلى مرحلة الانزلاق السوري إلى الحرب

بالتأكيد، كما ذُكر سابقاً، يُطرح في بعض التحليلات أن الإدارة السورية الجديدة قد تنطلق من خلفيات سياسية ودينية معيّنة. غير أن ذلك لا يُعد عاملاً كافياً وحده، إذ تشير تقديرات أخرى إلى وجود ضغوط إسرائيلية وأميركية على الحكومة المؤقتة، قد تدفع باتجاه انخراطها في ترتيبات أمنية أو صراعات إقليمية، تشمل حزب الله في لبنان، وربما قوى مرتبطة بإيران في العراق لاحقاً.

وعملت واشنطن محاولات إغراء دمشق من خلال حديث المبعوث الأميركي توم باراك عن ضم لبنان إلى سوريا، بالإضافة إلى رفع العقوبات عن دمشق ودفع الدول العربية والغربية إلى تقوية العلاقات الدبلوماسية معها، لكن وعلى الرغم من حدوث بعض المناوشات الحدودية بين قوات الحكومة المؤقتة في سوريا وحزب الله إلا أن الصدام لم يتوسع.

إسرائيل بدورها، زادت من ضغوطها العسكرية والأمنية على دمشق من خلال تنفيذ غارات على عدة مناطق سورية، بالإضافة إلى إطلاق التهديدات والتصريحات بالتزامن مع عقد جولات من المحادثات الأمنية والعسكرية، ما يعني بأن تل أبيب تريد إنشاء تنسيق يصل إلى مرحلة دخول قوات الحكومة المؤقتة في الحرب ضد حزب الله.

دمشق من جانبها، لم تبدِ موقفاً حاسماً من هذا الموضوع، وعلى الرغم من أن رئيس الحكومة المؤقتة أحمد الشرع نفى نية قواته الدخول إلى لبنان، إلا أن قوات الحكومة كثفت خلال الأسابيع الماضية من إعلانها عن رصدها لتحركات وخلايا تابعة لحزب الله في سوريا، وهذا يمكن أن يمهد لحدوث هذا التدخل في المستقبل.

ضوابط تعيق التدخل السوري في لبنان

لدى الحكومة المؤقتة في سوريا حسابات عسكرية وأمنية واجتماعية عديدة تمنعها من الدخول عسكرياً في لبنان أو العراق؛ حيث لا تزال الأوضاع الداخلية غير مستقرة وبالتالي فإن هذه الخطوة ستُعدّ مغامرة يمكن أن تؤدي لإسقاط هذه الحكومة خاصة في ظل خبرات حزب الله العسكرية وقدرته على تحريك الأدوات والخلايا داخل الأراضي السورية.

كما أن هذه الحرب ستكون طائفية بامتياز أي بين السنة والشيعة، وهذا سيؤدي لتعاون بين القوى الشيعية في العراق ولبنان ضد الحكومة، كما أن ذلك قد يجرّ العلويين في سوريا إلى التحرك ضد دمشق.

ووفقاً لما يرصد، فإن الجانب الأساسي الذي يضبط الحكومة المؤقتة هو الموقف التركي الذي يشكل عاملاً حاسماً في التأثير على السياسات الخارجية للحكومة، حيث يجري الحديث عن تعاون أمني وعسكري بين تركيا وحزب الله وإيران، وتحدثت تقارير عديدة عن وصول أسلحة لحزب الله من إيران عبر تركيا، وهذا يمكن أن يتعزز في ذلك التنافس التركي – الإسرائيلي في المنطقة.

وتقف الحكومة المؤقتة في سوريا اليوم أمام خيارات حساسة؛ إما السير وفق السياسة التركية، بما قد يتطلب السماح بمرور أسلحة إلى حزب الله عبر الأراضي السورية، وهو ما بدأت إسرائيل التحذير منه، ملوّحة باستهداف منفذ المصنع الحدودي بين دمشق وبيروت، مع احتمال تنفيذ ذلك عبر بعض الفصائل والمجموعات المنضوية ضمن وزارة الدفاع السورية والمرتبطة بالاستخبارات التركية. أو الانخراط في المواجهة الإسرائيلية والأميركية ضد حزب الله والفصائل المرتبطة بإيران، بما قد ينطوي على مغامرة عسكرية وأمنية واجتماعية ذات أبعاد خطيرة.

(ع م–ي ح)

ANHA