ذكرى إبادة الأرمن و"سيفو" قرن من الألم والبحث عن العدالة في وجه الإنكار

يبقى 24 نيسان ذكرى الإبادة الجماعية للأرمن ومجازر السيفو عام 1915، مناسبةً سنوية حاضرة لتجديد الدعوة إلى الاعتراف بالضحايا وتعزيز قيم العدالة والحقوق، والعمل على ترسيخ أسس الديمقراطية والتعددية بما يسهم في حماية المكونات ومنع تكرار مثل هذه المآسي في المنطقة.

ذكرى إبادة الأرمن و"سيفو" قرن من الألم والبحث عن العدالة في وجه الإنكار
ذكرى إبادة الأرمن و"سيفو" قرن من الألم والبحث عن العدالة في وجه الإنكار
ذكرى إبادة الأرمن و"سيفو" قرن من الألم والبحث عن العدالة في وجه الإنكار
ذكرى إبادة الأرمن و"سيفو" قرن من الألم والبحث عن العدالة في وجه الإنكار
ذكرى إبادة الأرمن و"سيفو" قرن من الألم والبحث عن العدالة في وجه الإنكار
ذكرى إبادة الأرمن و"سيفو" قرن من الألم والبحث عن العدالة في وجه الإنكار
الجمعة 24 نيسان, 2026   03:25
مركز الأخبار
محمد عبدو

في 24 نيسان من كل عام، تطلّ ذكرى أليمة على شعوب ميزوبوتاميا، تتمثل في إبادة الأرمن ومجازر السيفو، حيث تعرّض الأرمن والسريان الآشوريون الكلدان عام 1915 لواحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية في التاريخ الحديث على يد السلطنة العثمانية.

وأفضت هذه المجازر إلى تهجير وقتل أكثر من مليون ونصف أرمني ومئات الآلاف من السريان الآشور الكلدان، وتحوّلهم من شعوب مزدهرة في أرضها إلى مكونات مشتتة في أنحاء العالم.

حيث شهد 24 نيسان عام 1915 اعتقال وإعدام نحو 250 شخصية من نخبة المثقفين الأرمن في إسطنبول، ما شكّل بداية تنفيذ مخطط الإبادة الجماعية بحق إحدى الشعوب الأصيلة، ضمن مجازر ممنهجة رافقتها عمليات نهب، حرق، تهجير، واغتصاب.

السنوات السوداء

بدأت أولى مراحل المجازر ضد الأرمن في أواخر القرن التاسع عشر وتحديداً بين أعوام (1894 – 1896)، حين طالب الأرمن بالإصلاحات السياسية والحقوق الدستورية، فما كان من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني إلا أن أطلق يد جيشه للقيام بما عُرف لاحقاً بـ "المجازر الحميدية"، بدلاً من الرضوخ للطلبات المحقة وفق إطار ديمقراطي.

وتسببت هذه المجازر بمقتل نحو 88,243 أرمني خلال هذه السنوات، وجرح 546,000 شخص، كما نُهِبت 2493 قرية، واُجبِرت 456 قرية على الدخول قسراً في الإسلام. إلى جانب هدم 649 كنيسة وديراً، وتحويل 328 منها إلى جوامع، وذلك وفقاً لما جمعه المبشر الألماني يوهان ليبسيوس.

واحدة من أبشع هذه المجازر كانت في روها (أورفا)، حيث تم حرق 2500 امرأة أرمنية داخل كاتدرائية واحدة. وقد قُدّرت أعداد الضحايا لاحقاً بأكثر من 300,000 أرمني.

إبادة منظمة

كل هذه التوثيقات، رغم أنها لا تعكس كامل حجم المجازر، تؤكد أن الإبادة الجماعية لم تكن فعلاً عشوائياً أو نتيجة حرب، بل عملية منظمة وممنهجة جرت بإشراف الدولة العثمانية، وسط تواطؤ وصمت دولي آنذاك.

الأمر الذي يؤكده الأمين العام لحزب الاتحاد الأرمني عماد تتريان، حيث أشار إلى أن الإبادة التي قامت بها السلطنة العثمانية، أتت بتعاون من الدول العظمى، كالدولة البريطانية والدولة الألمانية وبعض الدول الأخرى التي أغمضت أعينها عن الإبادات التي حصلت.

تصفية عرقية تحت غطاء الحرب

ومع اشتعال جبهات الحرب العالمية الأولى، استغل العثمانيون انخراطهم العسكري إلى جانب ألمانيا لشن حملات إبادة واسعة، وبحلول نيسان من العام نفسه، تعرضت نحو 5 آلاف قرية أرمنية للنهب، وسُجل مقتل 27 ألف أرمني، إضافة إلى أعداد هائلة من السريان والكلدان على الجبهة الروسية - الإيرانية.

واتخذت هذه الانتهاكات منحىً أكثر عدوانية عقب الهزيمة المدوية التي مُني بها المتزعم العثماني "أنور باشا" في معركة "ساريقاميش" ضد الروس في كانون الثاني 1915.

وبدلاً من الاعتراف بالإخفاق العسكري، حمّل باشا الأرمن مسؤولية الهزيمة متهماً إياهم بـ "الخيانة"، لتكون هذه الذريعة شرارة البدء لعمليات ترحيل قسرية وتجريد 100 ألف جندي أرمني من سلاحهم، فضلاً عن مصادرة أسلحة المدنيين.

ولم تتوقف المأساة عند التجريد من السلاح، بل انتهت بتنفيذ مجازر وحشية بحق الجنود العزل، تنوعت بين الذبح أو الدفن أحياء، في واحدة من أبشع فصول الإبادة الجماعية في التاريخ الحديث.

سلب الحماية العسكرية.. تمهيد للإبادة

تعليقاُ على تلك الأحداث وصف السفير الأمريكي في تركيا آنذاك هنري مورگنثاو، نزع سلاح الأرمن على أنه دعوة لإبادة الأرمن.

وفي لقاء بين طلعت باشا، وزير الخارجية التركي، والسفير الأمريكي هنري مورگنثاو، قال طلعت باشا: "نحن تمكنا من التخلص من ثلاثة أرباع الشعب الأرمني، ولم يعد لهم أثر في بدليس، وان وأرزروم... يجب القضاء على الأرمن. إذا لم نفعل ذلك سينتقمون منا حتماً".

هذه الواقعة قدمت درساً وجودياً قاسياً لشعوب المنطقة، مفاده أن المجتمعات التي تفتقر إلى منظومة متكاملة لـ "الدفاع الذاتي"، تظل دائماً في مهب الإبادة والاضطهاد.

ولا يعني مصطلح "الدفاع الذاتي" بالضرورة حمل السلاح فقط، بل تعني أيضاً امتلاك الوعي السياسي، التنظيم المجتمعي، الدفاع الثقافي، والتعليم الحر.

وتُعد من أحد أركان نموذج الأمة الديمقراطية، والذي يحمي التعددية الثقافية ويصون الهويات القومية من الذوبان أو الاستهداف.

"مسيرات الموت"

تلا المجازر تسويق قوافل تهجير النساء والأطفال والشيوخ عبر الصحارى القاحلة دون ماء أو طعام، فيما عُرف بـ "مسيرات الموت".

وحصدت أرواح ما بين 250 إلى 500 ألف إنسان من السريان الآشور الكلدان إلى جانب الأرمن، بأساليب وحشية شملت النهب والاغتصاب الجماعي، فيما عرف بمجازر السيفو أو "المذابح الآشورية ومذابح السريان".

في هذا السياق، يربط عماد تتريان بين مأساة 1915 والواقع السوري الحالي، مشيراً إلى أن العقلية التي استخدمت "اسم الدين" أو "العرق" للقضاء على الأرمن، هي ذاتها التي حركت عناصر مرتزقة "داعش" ضد الأرمن والمسحيين، والتهجير القسري في مناطق مثل عفرين وسري كانيه، والمجازر التي طالت السوريين في الساحل والسويداء وحيي الشيخ مقصود والأشرفية.

وقال عماد تتريان أيضاً: "يجب أن يكون هناك قوانين صارمة لردع هذه المجازر، وعندما يتحدثون عن الديمقراطية وحقوق الإنسان فيجب أن تكون هذه النصوص أو هذه القوانين حقيقية وليست مجرد كلام ووهم، بشكل رادع لا تستطيع أي جهة كانت القيام بموجبه بالمجازر أو الإبادات بحق المكونات والأعراق".

مليون ونيف من الضحايا

وبحلول نهاية عام 1923، كان أكثر من 1.5 مليون أرمني قد قُتلوا، إلى جانب نصف مليون آخر من المفقودين، بحسب تقديرات المؤرخين والمنظمات الدولية، لتتسبب بتغير شامل لديمغرافية العديد من المناطق الأرمنية إلى جانب السريانية الآشورية الكلدانية، وتضرر النسيج السكاني في الأناضول.

ولجأ مئات الآلاف منهم إلى لبنان وسوريا والعراق وفرنسا، بينما هاجر الباقون إلى الأمريكيتين، واندثرت قرى وبلدات بالكامل، وطمست معالم ثقافية ودينية وتاريخية.

تنصل تركي من الاعتراف بالإبادة

رغم الأدلة الدامغة، تصرّ السلطات التركية حتى اليوم على إنكار الإبادة الجماعية، وتجرّم الاعتراف بها بموجب المادة 305 من قانون العقوبات، في حين تعترف 20 دولة رسمياً بالإبادة، منها فرنسا، روسيا، كندا، لبنان، واليونان.

كما تعترف بها 43 ولاية أمريكية ومجالس محلية في أستراليا وإسبانيا وكندا إلى جانب البرلمان الأوروبي، الأمم المتحدة، مجلس الكنائس العالمي، وغيرها من الهيئات الدولية.

وطالب رئيس حزب الاتحاد الأرمني عماد تتريان، بزيادة مستوى الاعتراف الرسمي العالمي بهذه الإبادة، للضغط على تركيا واسترجاع حقوق الشعب الأرمني، إلى جانب إلزام الحكومة المؤقتة بالاعتراف بارتكاب مجازر في الساحل والسويداء والأحياء الكردية في حلب، مؤكداً أن الاعتراف هو الرادع الوحيد لمنع تكرار الإبادات بحق أي شعب.

الاعتراف والمحاسبة مفتاح للحل الديمقراطي

وفي معرض إجابته على سؤال كيف يمكن تحويل هذه الذكرى الأليمة إلى جسر للتفاهم يمهد لدمقرطة المنطقة، قال عماد تتريان، إن منطقة ميزوبوتاميا غنية بالثقافات المتعددة التي تحتاج للسلام من أجل الانسجام، ولكي تصبح هذه الإبادة جسراً للتفاهم، يجب استرجاع حقوق الشعب الأرمني بالكامل.

ونوه تتريان إلى أن استرجاع الحقوق يبدأ من نقطة إعادة الأراضي التي استولت عليها الدولة التركية، والأراضي التي استولت عليها أذربيجان بدعم تركي (ناغورني قره باغ/ أرتساخ)، إلى جانب الاعتراف بهذه الإبادة وإعادة الحقوق ومحاسبة مرتكبيها، وقال: "طالما كان هناك حق مهدور وراءه مطالب.. فلن يضيع".

في ختام حديثه، طالب عماد تتريان من منظمات المجتمع الدولي السعي لمحاسبة مرتكبي المجازر التي حصلت بحق المكونات في سوريا أيضاً، لكي لا تكرر هذه المأساة الأرمنية بحق مكونات أخرى في القرن الواحد والعشرين.

(أم)

ANHA