مؤشرات على فجوة بين الاتفاقيات الاستثمارية المعلنة وواقع التنفيذ في سوريا

يُخيم على ملف الاستثمارات السياحية والعقارية في سوريا جدل متصاعد، مع مؤشرات متداولة تفيد بأن جزءاً كبيراً من الاتفاقيات المعلنة بقي في إطار التصريحات الإعلامية ومذكرات التفاهم، دون انعكاس واضح على التنفيذ الفعلي أو دخول المشاريع حيّز التشغيل. ويقابل ذلك استمرار التأكيد الرسمي على خطط جذب الاستثمار وتطوير القطاع.

مؤشرات على فجوة بين الاتفاقيات الاستثمارية المعلنة وواقع التنفيذ في سوريا
الإثنين 13 نيسان, 2026   05:50
دمشق

أثار إعلان فسخ عقد استثمار فندق "البوابات السبع" (الشيراتون سابقاً) في دمشق، والذي كان قد وُقّع في أواخر آب العام الفائت مع شركة "لوبارك كونكورد" السعودية لإعادة تأهيل وتشغيل الفندق، جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية والإعلامية حول واقع الاستثمارات السياحية وآليات إدارتها في سوريا خلال المرحلة الراهنة.

وكانت وزارة السياحة قد أعلنت في وقت سابق عن توقيع العقد ضمن خطة لإعادة تأهيل وتطوير عدد من المنشآت الفندقية الكبرى في العاصمة، في إطار ما وصفته بجهود جذب الاستثمارات الخارجية وتنشيط القطاع السياحي، قبل أن يتم لاحقاً الإعلان عن فسخ الاتفاق دون توضيحات تفصيلية بشأن الأسباب أو آلية المعالجة المستقبلية.

وفي هذا السياق، تحدثت مصادر خاصة لوكالتنا عن أن قرار الفسخ منذ أيام فتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة إدارة بعض المشاريع الاستثمارية، مشيرة إلى وجود انتقادات متداولة بشأن آليات منح العقود ومدى وضوح إجراءاتها، إضافة إلى الحديث عن تفاوت في مستوى الشفافية بين المشاريع المعلنة وأخرى يتم تنفيذها دون إعلان واسع.

وبحسب المصادر ذاتها، فإن بعض المشاريع الفندقية والعقارية في دمشق، مثل "فندق الداما روز" ومشاريع أخرى مرتبطة بقطاع الضيافة، جرى الحديث عنها إعلامياً أو تداولها دون تفاصيل رسمية كافية حول آليات التعاقد أو شروط الاستثمار، فيما لم يصدر تأكيد مستقل من الجهات الحكومية بشأن هذه الطروحات.

كما أُشير إلى مشاريع تطوير عمراني واستثماري في مناطق محيطة بدمشق، من بينها سفح جبل قاسيون، إضافة إلى مشاريع في مناطق القابون وجوبر شمال العاصمة، حيث تم تداول معلومات غير رسمية حول خطط استثمارية في تلك المناطق، وسط تباين في وجهات النظر حول آليات التنفيذ وحقوق الملكية، مع الإشارة إلى أن بعض هذه المشاريع لم تُستكمل أو أُعلن عن إعادة دراستها.

وفي رصد وكالتنا خلال الفترة الممتدة من منتصف عام 2025 وحتى مطلع 2026، أُعلن عبر وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) عن سلسلة اتفاقيات ومذكرات تفاهم استثمارية شملت قطاعات الموانئ والسياحة والبنية التحتية. ففي تموز 2025 جرى توقيع اتفاق مع شركة DP World لتطوير وتشغيل موانئ ومناطق لوجستية في طرطوس، تلاه في آب 2025 إعلان وزارة السياحة عن مذكرات تفاهم مع مستثمرين عرب وأجانب لتأهيل فنادق ومنشآت سياحية في دمشق دون إعلان تفصيلي لجميع الشركات المنفذة.

وفي أيلول 2025 أعلنت الحكومة عن حزمة استثمارات سياحية بقيمة تقارب 1.5 مليار دولار شملت تطوير فنادق ومنتجعات ومواقع سياحية، مع الإشارة إلى تعدد الجهات الاستثمارية المشاركة. كما تم في تشرين الثاني 2025 توقيع برنامج تنفيذي بين وزارة السياحة والمنظمة العربية للسياحة يركز على التدريب والترويج وتطوير الكوادر، فيما أعلنت "سانا" في كانون الأول 2025 عن مجموعة اتفاقيات ومذكرات تفاهم في قطاعات الطاقة والنقل والصحة والسياحة مع جهات محلية وإقليمية ضمن إطار واسع، وصولاً إلى تفاهمات في شباط 2026 مع شركات ومجموعات سعودية شملت السياحة والبنية التحتية والاتصالات، أبرزها مشاريع تطوير منشآت فندقية واستثمارية في دمشق.

ومقارنة مع ما جرى تنفيذه من خلال رصد الوكالة الحكومية، وبالعودة إلى طبيعة التغطيات الرسمية الصادرة عن "سانا"، فإن الجزء الأكبر من هذه الاتفاقيات بقي في إطار مذكرات تفاهم أو عقود إطارية أو إعلانات نوايا استثمارية.

ولم تُسجّل مؤشرات واضحة على بدء تنفيذ ميداني واسع لمعظم المشاريع الكبرى المعلنة، باستثناء خطوات أولية تتعلق بالدراسات الفنية، وتشكيل لجان مشتركة، وبرامج تدريبية ضمن اتفاق المنظمة العربية للسياحة.

كما لم تُعلن حتى نهاية الفترة عن إنجاز مشاريع مكتملة أو دخول استثمارات فندقية أو لوجستية كبرى حيّز التشغيل الفعلي، ما يشير إلى أن غالبية هذه الاتفاقيات ما تزال في مراحل التأسيس أو إعادة التقييم أو الانتقال التدريجي نحو التنفيذ، دون تحوّل ملموس إلى مشاريع منفذة على الأرض ضمن الإطار الزمني المعلن.

وفي المقابل، يرى المستشار في التحكيم التجاري، عبد السلام زياد، أن العقود الاستثمارية المعلنة في البلاد "تُحيط بها علامات استفهام متعددة"، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً من الاستثمارات يجري بعيداً عن الإعلان الإعلامي، بينما لم يُعلن عن نتائج واضحة لعدد من المشاريع السابقة.

وأضاف في تصريح لوكالتنا أن بعض الاستثمارات التي أُعلن عنها في قطاعات مختلفة لم تحقق النتائج المرجوة، أو توقفت بعد مراحل أولية، مستشهداً بمشروع فندق الشيراتون كأحد النماذج التي جرى تداولها إعلامياً قبل إعادة النظر فيه.

كما أشار إلى أن عدداً من المشاريع الاستثمارية ارتبطت بشركات أو أطراف إقليمية، أو بإعادة توظيف أصول ومرافق كانت مملوكة للدولة، في سياقات اقتصادية معقدة شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، دون تقديم تفاصيل موثقة حول جميع الحالات.

من جهته، ذكر المتابع للشأن الاقتصادي باسم حداد، في تصريح لوكالتنا، أن الوضع الاستثماري في سوريا يشهد تداخلات بين جهات اقتصادية وشركات مرتبطة بدوائر قريبة من مراكز القرار، مشيراً إلى أن عدداً من المشاريع يتم منحها أو التفاوض حولها دون إعلان كامل التفاصيل للرأي العام.

وأضاف حداد أن بعض الخطاب الرسمي في ملف الاستثمار يستند إلى تجارب خارجية، من بينها التجربة التركية، مع الاعتماد على خبرات وشركات أجنبية في بعض القطاعات الخدمية، خاصة في مجالات الصحة والبنية التحتية، في ظل محدودية الإمكانات المحلية.

وأشار إلى أن جزءاً من المشاريع الاستثمارية، لم يُستكمل تنفيذه أو لم يدخل الخدمة الفعلية رغم الإعلان عنه، معتبراً أن ذلك يعكس وجود إشكاليات في التخطيط أو التنفيذ أو الأولويات الاقتصادية.

وتابع أن المستفيد من بعض هذه العمليات، هم فئة محدودة من رجال الأعمال والمستثمرين المرتبطين بمناصب اقتصادية وإدارية، يشغل بعضهم مواقع في هيئات معنية بالاستثمار والمنافذ والصادرات، ما يثير نقاشاً حول تداخل المصالح بين الإدارة والملكية الاستثمارية.

وفي المقابل، تؤكد جهات حكومة المؤقتة في بياناتها المتعلقة بملف الاستثمار أنها تعمل على إعادة تنظيم البيئة الاستثمارية وجذب رؤوس الأموال المحلية والخارجية، وتقول إن جميع العقود تخضع لدراسات قانونية ومالية قبل إقرارها، ضمن إطار يهدف إلى إعادة تأهيل البنية السياحية والخدمية وتحفيز النمو الاقتصادي.

وبين هذه التوجهات الرسمية والملاحظات المتداولة في الأوساط الاقتصادية والإعلامية، يظل ملف الاستثمارات السياحية والعقارية في دمشق محل نقاش واسع، في ظل استمرار التحديات المرتبطة بالشفافية، والاستقرار التشريعي، وجذب الاستثمارات في مرحلة إعادة الإعمار.

(أم)

ANHA