4800 قبر بلا أسماء في حلب.. شهادات حية لمأساة الشيخ مقصود والأشرفية

بين آلاف القبور المرقّمة وغياب الإحصاءات الرسمية، يروي أهالي الشيخ مقصود والأشرفية قصصاً عن نزوح قسري وضحايا بلا أسماء، ورسائل ترهيب تركت جراحاً مفتوحة في ذاكرة الحيّين، وسط استمرار غياب العدالة في هذا الملف حتى اليوم.

4800 قبر بلا أسماء في حلب.. شهادات حية لمأساة الشيخ مقصود والأشرفية
السبت 11 نيسان, 2026   06:00
مركز الأخبار
محمد عبدو

لا يزال الرقم "4800" عالقاً في ذهن المواطن دليار، وهو اسم مستعار لأحد سكان حي الشيخ مقصود، ليس بوصفه رمزاً لبياناته الشخصية، بل لأنه يمثّل عدد القبور التي بحث بينها عن رفات أخيه الذي استُشهد في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، إبان الهجمات الأخيرة التي شنّتها فصائل الحكومة المؤقتة في سوريا والمدعومة من الجيش التركي.

ضحايا الهجمات والنزوح القسري

ويشير دليار إلى أنه اضطر للنزوح مع أطفاله إلى جانب أكثر من 250 ألف شخص بشكل قسري بتاريخ 8 كانون الثاني، نتيجة القصف والهجمات، بالإضافة إلى الحصار الذي فرض على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في الفترة الممتدة ما بين الـ 6 والـ 10 من شهر كانون الثاني.

وبحسب آخر إحصاءات المجلس العام لأحياء الشيخ مقصود والأشرفية، كان يقطن في الحيين نحو 450 ألف شخص، يشكّل جزءاً كبيراً منهم مهجّرو مدينة عفرين التي احتلّها الجيش التركي في عام 2018.

وأدت الهجمات على الحيين التي استخدمت فيها تكنولوجيا الحرب التركية من المسيّرات والمدرعات وصولاً لأجهزة تشويش الاتصالات، إلى انقطاع جميع سبل التواصل مع أفراد عائلته وعلى رأسهم أخيه.

ليصبح على يقين فيما بعد باستشهاد أخيه المفقود على يد فصائل الحكومة المؤقتة المهاجمة على الحيين، وتبدأ رحلة البحث عن رفاته بين المشافي والنقاط الأمنية وصولاً لمكتب دفن الموتى.

رحلة البحث عن الجثامين

وتبدأ رحلة البحث بحسب ما رواه دليار لمراسل وكالتنا عن جثمان أخيه مع النقطة الأمنية بالحيين، والتي وجهته إلى مكتب دفن الموتى في مدينة حلب والواقع في منطقة جب القبة بالقرب من حي باب النيرب بالمدينة، لمنح المواصفات والعلامات المميزة وإبراز صورة أخيه المفقود للموظف المسؤول.

ومن هناك، يتم التوجّه إلى مقبرة النقارين الواقعة في الجهة الشرقية من مدينة حلب، والتي تضم في القسم المخصّص للأحداث الأخيرة بحيّي الشيخ مقصود والأشرفية أكثر من 4800 قبر مرقّم من دون أسماء، لمدنيين أو أعضاء من قوى الأمن الداخلي (الأسايش) استُشهدوا خلال الهجمات، بالإضافةً إلى عناصر أجانب يتبعون للحكومة المؤقتة من الإيغور والأوزبك وغيرهم من الجنسيات ممّن لا ذوي لهم في سوريا.

وكانت وكالتنا وثقت بالأسماء حصيلة أولية للهجمات على الحيين والتي أسفرت عن استشهاد وإصابة أكثر من 75 مدنياً، إلا أنها أرقام متواضعة بالتوازي مع مجمل الانتهاكات التي ارتكبت.

ولم تسمح الحكومة المؤقتة لأي جمعيات أو منظمات حقوقية وإنسانية أو وسائل إعلام من الحصول على إحصائية شاملة لمجمل الضحايا الذين سقطوا جراء الهجمات في المنطقة. حيث لا توجد إحصائيات حقيقة باستثناء الشهادات الحية للمدنيين والتي يمكن البناء عليها، من نظرة شاملة، وفقدان التفاصيل التي تبقى طي الكتمان في عهدة الحكومة المؤقتة.

منع لمراسم التعزية والتضييق على الدفن

بعد التوجه إلى منطقة النقارين بحلب، أشار دليار إلى أن موظف مكتب الموتى أخذه إلى إحدى الزوايا التي تحوي قبور مرقمة، إلى جانب أنها لم تحفر بعمق بل على عمق سنتيمترات قليلة، ووضعت الجثامين في أكياس نايلون، يمنع فتحها لتأكيد الهوية، حيث يتم إخراجها ووضعها بتوابيت والإقفال عليها باستخدام المسامير.

ليتم نقل التابوت إلى مسقط رأس العائلة في ريف مدينة عفرين المحتلة، لكن عناصر يتبعون لفصائل الحكومة منعت العائلة من دفن الرفات في مقبرة القرية، كونه من "ضحايا الشيخ مقصود والاشرفية"، طالبين من العائلة دفنه أسفل سهل القرية كنوع من التمييز بحق الضحايا.

كما منعت العناصر نفسها عائلة دليار من نصب خيمة عزاء أو التحضير لمراسم بالقرية، لأن المجني عليه كان يقطن في منطقة كانت حسب تعبير سلطات الحكومة "مناهضة للدولة".

رسائل تخويف مبطنة

في الإطار نفسه، قال المواطن "إبراهيم" ذو الأربعين عاماً وهو اسم مستعار أيضاً، لأحد سكان حي الشيخ مقصود العائدين، أنه بعد مرور أربعة أيام على دخول عناصر فصائل الحكومة المؤقتة للحيين وبالتحديد في تاريخ 14 كانون الثاني، سمح لهم بالعودة، ليتفاجآ بوجود عشرات الجثامين التي لم تنتشل في عدد الشوارع المتاخمة لجامع معروف الكرخي بالشيخ مقصود.

ويشير إبراهيم، خلال مكالمة هاتفية مع مراسل وكالتنا، إلى أن ترك جثامين المدنيين والعسكريين في الشوارع لحين عودة الأهالي كان بمثابة رسالة مبطّنة لترهيب السكان، مفادها أن الحكومة المؤقتة ترد بالمجازر على كل من يخالفها بالرأي، وعلى العائدين أن يدركوا ذلك.

يشير إبراهيم، خلال توجهه إلى منزله، إلى أنه تعرّف على العديد من الجثامين المنتشرة في الشوارع، من بينهم جارته البالغة من العمر 70 عاماً وتدعى "عويش"، وهي من قرية أقيبة التابعة لمدينة عفرين. كما وجد شاباً آخر يُدعى "باسل"، يبلغ من العمر 32 عاماً، وهو مدني ومالك محل للهواتف المحمولة في القسم الشرقي من حي الشيخ مقصود، وقد فارق الحياة بعد إصابته بعدة طلقات نارية. ويضيف إبراهيم أن آخر رسالة وصلته من باسل كانت بتاريخ 10 كانون الثاني، وهو تاريخ دخول عناصر الحكومة المؤقتة إلى الحيين.

ويتفق المتحدثون على أن مقاومة الشيخ مقصود والأشرفية، بما تركته من أثر عميق في وجدان من يؤمن بأن فرض واقع أحادي بالقوة لم يعد خياراً قابلاً للاستمرار، أكدت أن مستقبل البلاد لا يمكن أن يُبنى إلا عبر الحوار والتوصل إلى صيغة عادلة ومنصفة لجميع السوريين. غير أن تلك المرحلة أبقت ملف مئات، وربما آلاف الضحايا، معلّقاً في ظل غياب مسار واضح لتحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

(أم)

ANHA