كيف أسهمت اتفاقية 1904 في رسم ملامح الواقع السوري الحالي؟

يرتبط واقع سوريا الحالي بتداعيات اتفاقية 8 نيسان 1904 في تشكيل واقع الشرق الأوسط وسوريا، إذ أسهمت في ترسيخ التقسيمات السياسية والإدارية التي انعكست على حقوق المكونات المختلفة، لا سيما الكرد، ما يجعل تحقيق شراكة عادلة ونظام ديمقراطي تعددي شرطاً أساسياً لتجاوز آثار تلك السياسات وبناء استقرار مستدام.

كيف أسهمت اتفاقية 1904 في رسم ملامح الواقع السوري الحالي؟
الأربعاء 8 نيسان, 2026   10:38
مركز الاخبار

يصادف اليوم ذكرى توقيع اتفاقية 8 نيسان 1904 بين بريطانيا وفرنسا، التي سعت لتحديد مناطق النفوذ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قبل انهيار الدولة العثمانية.

ونصت الاتفاقية على تقسيم النفوذ الاستعماري بين فرنسا وبريطانيا، بحيث اعترفت بريطانيا بنفوذ فرنسا في المغرب، واعترفت فرنسا بنفوذ بريطانيا في مصر، مع ترتيبات مرتبطة بمناطق أخرى مثل السودان وبعض شؤون الدولة العثمانية، دون مراعاة الحقوق السياسية أو الثقافية للشعوب المحلية، ممهدة الطريق لسيطرة أجنبية على سوريا ولبنان لاحقاً، وتركت آثاراً طويلة المدى على المنطقة، خاصة فيما يتعلق بحقوق المكونات المختلفة.

تأثير الاتفاقية على الكرد في المنطقة

وامتد تأثير الاتفاقية على الكرد؛ إذ قسمت كردستان إلى أجزاء أربعة، في عدة دول:

في سوريا: قسّم النفوذ الفرنسي المناطق الكردية وأثّر على تعليم اللغة الكردية وحرمانهم من الاعتراف الرسمي بالهوية، ما حدّ من تمثيلهم السياسي.

وفي العراق: أسهمت الاتفاقية في تقسيم المناطق الكردية بين دول المنطقة، ما قيّد مطالبهم بالتمثيل السياسي والمجتمعي.

في تركيا: أعاقت الاتفاقية مطالب الكرد بالاعتراف بالهوية واللغة، بالتوازي مع سياسات التوحيد القومي لاحقاً في الجمهورية التركية.

في إيران: عزز النفوذ الأوروبي على المناطق الكردية، ما قلل من قدرتهم على تنظيم شؤونهم السياسية والثقافية.

أثر الاتفاقية على سوريا والمكونات الأخرى بعد الانتداب الفرنسي

أدى تقسيم النفوذ إلى ترسيخ الانقسامات الطائفية والإدارية، ما أثر على جميع المكونات السورية: الكرد: استمرار حرمانهم من الاعتراف الرسمي بالهوية واللغة، وتقيد مشاركتهم السياسية، العرب السوريون: بعض المجتمعات الريفية تعرضت لتهميش سياسي وإداري، مع توزيع غير متوازن للموارد. السريان/الآشوريون والمسيحيون: تعرضوا لتفاوت في التمثيل السياسي، إذ استفاد بعض المسيحيين من دعم فرنسي مباشر، فيما ضعفت إدماج المكونات الصغيرة. الدروز والعلويون: تم تقييد نفوذهم في مناطق محددة، ما عزز الانقسامات الداخلية.

استمرار التأثير حتى وصول نظام البعث في سوريا

بعد استقلال سوريا 1946، ووصول حزب البعث لسدة الحكم فيها عام 1963، واصل سياسات الفصل والإقصاء على أساس قومي وطائفي، فحرم الكرد والمكونات الأخرى من التمثيل الكامل في السلطات المحلية والوطنية. وفرض قيوداً على الملكية والتجمعات السكانية، من بينها مشروع الحزام العربي؛ لتغيير ديمغرافية المناطق الكردية وسحب الجنسية من الكرد، ما أثّر على التنمية المحلية. وركّز على سياسات توحيدية قللت من حقوق المكونات في الهوية والثقافة.

واليوم، في ظل الحكومة المؤقتة، لا تزال هذه السياسات التاريخية محسوسة: الكرد يسعون للحصول على اعتراف رسمي بالهوية واللغة ومشاركة عادلة في الإدارة المحلية، لكن تواصل السلطة الاقصاء والتهميش والعسكرة بدل الحوار الجاد. العرب والسريان والمسيحيون والدروز يسعون لضمان التمثيل المتوازن في مؤسسات الإدارة والخدمات العامة.

خطوات المكونات وتجاوز السياسات التاريخية

يشكل نداء السلام والمجتمع الديمقراطي الذي أطلقه القائد عبد الله أوجلان في 27 شباط من العام الفائت نموذجاً عملياً لتجاوز هذه السياسات، حيث دعا إلى: بناء مجتمع ديمقراطي تعددي يحمي حقوق جميع المكونات.

وتبنّي مفهوم العدالة الاجتماعية والمشاركة المتساوية في الحكم والإدارة المحلية. وضع آليات لتوزيع السلطة والموارد بشكل متوازن، كبديل عن سياسات الفصل والإقصاء التاريخية.

ويشرح القائد عبد الله أوجلان أن المجتمع الديمقراطي يعني: التعايش السلمي والاحترام المتبادل بين المكونات المختلفة، مع الاعتراف بالهوية والثقافة لكل مجموعة. توزيع السلطة والسياسات بطريقة لامركزية، لتمكين المناطق المحلية من إدارة شؤونها. تطبيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية لضمان فرص متساوية في التعليم والعمل والخدمات.

ويشير الخبراء إلى أن إدراك تأثير اتفاقية 8 نيسان 1904 ضروري لفهم الانقسامات السياسية والاجتماعية المستمرة في سوريا والمنطقة. ويؤكدون أن تحقيق العدالة في التمثيل السياسي وحماية حقوق المكونات هو شرط أساسي للاستقرار السياسي والاجتماعي، خصوصاً في ظل إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد النزاع الطويل.

وإن المجتمع الديمقراطي التعددي، كما يقترحه القائد عبد الله أوجلان، يقدم خريطة طريق عملية لإعادة توزيع الحقوق والسلطة والموارد بشكل عادل، ما يتيح للكرد والمكونات الأخرى المشاركة الفاعلة في صنع القرار، ويحدّ من الهشاشة السياسية والاجتماعية التي خلفتها أكثر من مئة عام من الانقسامات والسياسات الإقصائية.

(أم)

ANHA