يكتا هركول.. حين تحوّل المسرح إلى مقاومة والنار إلى رسالة في اليوم العالمي للمسرح

في اليوم العالمي للمسرح، لا يُستحضر الفن بوصفه وسيلة للترفيه فقط، بل كأداة نضال ووعي، وهو ما جسّده الشهيد يكتا هركول حين حوّل المسرح إلى رسالة مقاومة، وجعل من حياته وفعله صرخة في وجه القمع والمؤامرة الدولية التي استهدفت القائد عبد الله أوجلان.

يكتا هركول.. حين تحوّل المسرح إلى مقاومة والنار إلى رسالة في اليوم العالمي للمسرح
الجمعة 27 آذار, 2026   02:40
مركز الأخبار

في السابع والعشرين من آذار كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للمسرح، وهي مناسبة أُقرت عام 1962 لتعزيز فنون الأداء وإبراز دور المسرح في بناء الوعي الثقافي والاجتماعي وتعزيز التواصل بين الشعوب. غير أن هذا اليوم يحمل في الذاكرة الكردية معنى مختلفاً وأكثر عمقاً، ارتبط باسم المسرحي والمناضل يكتا هركول، الذي حوّل الفن إلى فعل مقاومة، وجعل من جسده رسالة حية في وجه القمع.

من هو يكتا هركول

وُلد المناضل والفنان يكتا هركول (أردوغان قهرمان) في آذار عام 1968 في منطقة هوزات بشمال كردستان، في بيئة مشبعة بذاكرة الألم والمقاومة، حيث ترعرع على وقع قصص مجزرة ديرسم التي تركت أثراً عميقاً في وعيه المبكر. هذه النشأة أسهمت في تشكيل شخصيته الثورية، فجمع منذ بداياته بين الحسّ الفني والوعي السياسي، ليكون لاحقاً أحد أبرز الوجوه التي مزجت الفن بالنضال.

وفي فترة شبابه انتقل يكتا إلى أنقرة، حيث درس في جامعة غازي، وبدأ مسيرته في العمل المسرحي، مقدماً أدواراً متعددة كان من بينها دور السلطان عبد الحميد، قبل أن يتعرض للاعتقال في سجن أرزروم، وهي محطة شكلت تحولاً في حياته.

في السجن، لم يتخلَّ عن روحه الفنية، بل كان يقول لاحقاً إن "أهم أدواره في الحياة" لعبها هناك، في إشارة إلى قدرته على تحويل المعاناة إلى تجربة إنسانية وفنية عميقة.

ولم تقتصر تجربته على تركيا، بل تنقل بين عدة دول مثل اليونان ورومانيا وروسيا، قبل أن يستقر لفترة في سوريا، حيث تولى مهام في مجال الثقافة والفن، وشارك في عروض مسرحية متعددة. وكان من أبرز أدواره تجسيد شخصية كاوا الحداد، الرمز الكردي المرتبط بعيد نوروز، ما يعكس التقاء الفن لديه بالرمزية النضالية والتاريخية. كما سعى إلى تحويل أي مساحة إلى خشبة مسرح، مؤمناً بأن "المجتمعات تُبنى من خلال الفن"، وحاملاً مشروعاً لنشر الثقافة الفنية في مختلف مناطق كردستان.

التحول إلى رمز

وفي ذروة مسيرته النضالية والفنية، اتخذ يكتا هركول قراره الذي حوّله إلى رمز، حين أضرم النار في جسده في ساحة سعد الله الجابري بمدينة حلب، احتجاجاً على المؤامرة الدولية ضد القائد عبد الله أوجلان. لم يكن فعله لحظة انفعال، بل تعبيراً عن موقف فكري وسياسي عميق، إذ أراد من خلاله إيصال رسالة قوية إلى الفنانين والمثقفين بضرورة تحمّل مسؤولياتهم التاريخية.

وقبل إضرام النار بجسده، ترك الشهيد يكتا هركول رسالة حملت مضامين واضحة، دعا فيها إلى مضاعفة الجدية في العمل الفني، وربط الفن بقضايا التنوير والوعي. ويقول الشهيد يكتا في رسالته: "حين يتعلق الأمر بالفنّ والفنانين يجب أن تكون الحماسة مضاعفة ألف مرة، وصناعة الفنّ وإبداء العزيمة القوية والموقف الأخلاقي اللازم لذلك؛ لأن الفنّ وُضع في خدمة التنوير والتوعية".

كما أشار فيها إلى أن خطوته تهدف إلى "دعوة الرفاق إلى مزيد من الجدية"، مقدماً اعتذاره لشعبه، وموجهاً تحية إلى مقاومة الحرية في إمرالي وإلى الشهداء في عفرين وقامشلو.

رسائل تتجاوز اللحظة… مسؤولية الفن والمثقفين

ولم تكن رسالة الشهيد يكتا هركول مجرد كلمات وداع، بل وثيقة فكرية تُحمّل الفنانين والمثقفين مسؤولية تاريخية في مرحلة وصفها بـ "العظيمة والمليئة بالصعاب والفرص". وشدد على أن تحقيق النصر والتنوير "بيد الكوادر والمثقفين والفنانين"، داعياً إلى تبني "عقلية صحيحة وموقف صائب" والالتزام الجاد بالدور المطلوب.

كما أكد أن الفن ليس ترفاً، بل أداة للتغيير وبناء المجتمع، وأن على الفنان أن يكون مرتبطاً بشعبه وقضاياه، ليكون وفياً لتضحياته. وقد تجسدت هذه القناعة في حياته اليومية، حيث لم ينفصل عن الناس، وكان يشاركهم مناسباتهم، حتى في يومه الأخير حين وزع الحلوى على الأطفال من مختلف المكونات في حلب، قبل أن يختار طريقه الأخير.

وبهذا المسار، تحوّل يكتا هركول من فنان مسرحي إلى رمز ثقافي ونضالي، يجسد فكرة أن الفن يمكن أن يكون موقفاً، وأن الكلمة قد تتحول إلى فعل، وأن المسرح يمكن أن يمتد من الخشبة إلى الحياة ذاتها.

مهرجان يخلد اسمه

وتخليداً لاسم المناضل والفنان يكتا هركول، أُطلق مهرجان مسرحي يحمل اسمه في روج آفا، ليكون مساحة ثقافية وفنية تعكس رسالته التي ربطت الفن بالمقاومة والوعي المجتمعي.

وانطلقت أولى دورات المهرجان عام 2015، حيث اقتصر في بداياته على عروض مسرحية باللغة الكردية ضمن منطقة الجزيرة، قبل أن يشهد تطوراً لافتاً مع اتساع رقعة الاستقرار في مناطق شمال وشرق سوريا بعد حملات التحرير من مرتزقة داعش.

وخلال دوراته اللاحقة، تحول المهرجان إلى منصة جامعة لمختلف مكونات المنطقة، إذ قُدمت العروض باللغتين الكردية والعربية، بمشاركة فرق مسرحية متنوعة، في تجسيد عملي لفكرة التعدد الثقافي التي نادى بها الشهيد يكتا هركول في مسيرته.

ورغم هذا التطور، لم يكن مسار المهرجان مستقراً، إذ تعرض للتوقف في عدة محطات، أبرزها عام 2018 نتيجة الهجوم التركي على عفرين، وكذلك عام 2020 بسبب جائحة كورونا، ثم عام 2022 نتيجة التهديدات التركية المستمرة.

واستعاد المهرجان نشاطه في أكثر من مناسبة، حيث عادت فعالياته في 2019، ثم انطلقت دورته الخامسة عام 2021، فيما شهد عام 2023 إقامة الدورة السادسة على خشبة مسرح مركز محمد شيخو للثقافة والفن في قامشلو، لتتجدد الفعاليات مجدداً في دورته السابعة بتاريخ 27 آذار 2025.

ويمثل هذا المهرجان اليوم أكثر من مجرد فعالية فنية، إذ يُعد استمرارية لنهج الشهيد يكتا هركول في جعل المسرح أداة للتنوير والمقاومة، وحفظ الذاكرة الثقافية، وترسيخ قيم الحرية والهوية، رغم كل التحديات السياسية والأمنية التي تواجه المنطقة.

(ح)

ANHA