"أب الطفلين" يواجه ذكرى انفجار نوروز في الحسكة بالتمسك بالأمل

يستعيد عامر ججو من مدينة الحسكة ذكرى ليلة نوروز عام 2015، حين خطف انفجاران نفّذهما مرتزقة داعش طفليه محمد وأحمد وسط الاحتفال. ومنذ ذلك اليوم، بقي يُعرف بـ"أب الطفلين"، يحمل صورتهما على سيارته ويعيش ألم الفقد، لكنه يصرّ على مواجهة الذكرى بالحضور إلى نوروز كل عام مع أطفاله، مؤمناً بأن شعلة الحياة أقوى من الخوف.

"أب الطفلين" يواجه ذكرى انفجار نوروز في الحسكة بالتمسك بالأمل
"أب الطفلين" يواجه ذكرى انفجار نوروز في الحسكة بالتمسك بالأمل
"أب الطفلين" يواجه ذكرى انفجار نوروز في الحسكة بالتمسك بالأمل
"أب الطفلين" يواجه ذكرى انفجار نوروز في الحسكة بالتمسك بالأمل
"أب الطفلين" يواجه ذكرى انفجار نوروز في الحسكة بالتمسك بالأمل
الجمعة 20 آذار, 2026   05:05
الحسكة
هنار إبراهيم

في ليلة 20 آذار 2015، التي كان يُفترض أن تكون مليئة بالفرح، خرج عامر إسماعيل ججو من منزله في مدينة الحسكة ممسكاً بيدي طفليه الصغيرين محمد وأحمد. كانت ألوان وأضواء نوروز تلوح في الأفق، وأصوات الأغاني والدبكات تتعالى من بعيد، وكأن المدينة بأكملها تحتفل بالحياة.

طريق الفرح الذي لم يكتمل

وساروا معاً نحو ساحة الشهيد سرحد في حي المفتي بمدينة الحسكة، بينما كانت والدتهما ترافقهم بخطى هادئة، وقبل أن يصلوا تماماً أخبرتهم أنها ستعود إلى المنزل لإحضار معطفها على أن تلحق بهم بعد قليل، لم يكن في الأمر ما يدعو للقلق، وكل شيء كان يبدو عادياً، بل جميلاً.

من الدبكات والأغاني... إلى الدخان والانفجار

اقترب عامر من الساحة، وبدأت ملامح الفرح والاحتفال تزداد وضوحاً، الناس يرقصون، الأطفال يضحكون والنار تتوسط المكان كرمز للأمل المتقد، أمسك بيدي طفليه بإحكام، وكأنه يريد أن يحفظ تلك اللحظة إلى الأبد، ولكن الأبد في تلك الليلة لم يدم سوى لحظة.

دوّى انفجار هائل من خلفهم، صوت اخترق الفرح ومزق سكون الأرواح، في ثانية واحدة تحولت الأغاني إلى صرخات، والضحكات إلى فوضى، شعر عامر بجسده يقذف بعيداً، كأنه ورقة وسط زوبعة، سقط على الأرض بعد أمتار، فاقداً السيطرة، لكنه لم يفقد وعيه.

محمد وأحمد... والبحث في الدخان

فتح عينيه بصعوبة وأول ما بحث عنه لم يكن نفسه بل كان طفليه، ناداهما لكن الصوت لم يخرج، حاول أن يراهم لكن المكان كان ممتلئاً بالدخان والدماء والشهداء.

ثم حمله المسعفون، ونقل إلى مشفى الحكمة، حيث بقي بين الألم والانتظار، كان يسأل، ويكرر السؤال ذاته: "أين محمد وأحمد؟"، لكن الإجابة كانت دائماً واحدة إنهما بخير.

الحقيقة المؤلمة...غياب لا يحتمل

نقل بعدها إلى مشافي قامشلو، حيث ازدادت الجراح وضوحاً، شظايا في كل إنحاء جسده، كسور وعمليات جراحية متكررة ومع ذلك لم يكن الألم الجسدي هو ما يرهقه، بل ذلك الصمت الذي يحيط بالرد على سؤاله، كان يشعر أن شيئاً ما ليس على ما يرام.

وبعد يومين عاد عامر إلى منزله محمولاً عاجزاً عن الحركة هناك فقط انكشفت الحقيقة، لم يكن طفلاه بخير، لم يعودا أصلاً.

ضحكتان تحولت إلى ذكرى

واستشهد محمد وأحمد الطفلان اللذان كانا يملآن حياته بالسعادة قبل أيام وأصبحا ذكرى تسكن قلبه، لم يستوعب الأمر بسهولة، كان يعيش وكأنهما ما زالا هناك، يشتري لهما الملابس، يتخيل صوتهما في البيت، ويراهما في زوايا الغرف، كان الفقد أكبر من أن يفهم وأثقل من أن يحتمل.

نور جديد رغم الذكرى المؤلمة

ومع مرور السنوات، بدأت الحياة تعود بخطى خجولة. رُزق بثلاثة أطفال؛ ولد وطفلتين. وعندما وُلد ابنه الأول لم يتردّد في أن يسميه محمد. لم يكن ذلك تعويضاً، فبعض الخسارات لا تُعوض، لكنه كان محاولة للتمسّك بشيء من النور.

نوروز بعيون مختلفة

اليوم لا يزال عامر يخاف مما يرافق نوروز لكنه يؤمن بأن شعلة نوروز ستجلب الأمل والتجديد، رغم أنه يحضره يقف بعيداً عن الحشود، يراقب من مسافة، وقلبه مشدود بين الماضي والحاضر، الفرح بالنسبة له لم يعد بسيطاً كما كان، بل أصبح مشوباً بالحذر والذكريات.

ومع ذلك يقول عامر ججو: "إن نوروز لن يتوقّف، فمهما حاول الخوف أن يسرق الفرح تبقى الحياة أقوى. وقد حضرت نفسي مع أطفالي وملابسهم لحضور نوروز هذا العام بين الجموع."

أب الطفلين... ذاكرة لا تغيب

ولا يزال عامر ججو يُعرف في مدينة الحسكة بـ "أب الطفلين"، إذ وضع صورتهما خلف سيارته الصفراء، وكأنهما يرافقانه في كل طريق، وفي كل يوم ولحظة.

وفجّر مرتزقة داعش عشية عيد نوروز عام 2015، سيارتين مفخختين في حي المفتي بمدينة الحسكة، راح ضحيته 53 مدنياً، كانوا يوقدون شعلة نوروز بينهما الطفلين.

(أم)

ANHA