بين جدران مركز الإيواء.. أم مهجّرة تروي حكاية الفقد والحنين إلى سري كانيه

تروي المهجّرة عيشي اتاش من سري كانيه معاناة النزوح في مراكز الإيواء بمدينة الحسكة، بعد فقدان زوجها واثنين من أبنائها خلال هجمات الاحتلال التركي ومرتزقته على المدينة وريفها عام 2019. وأكدت أن حلمها الوحيد هو العودة الآمنة إلى مدينتها بكرامة.

بين جدران مركز الإيواء.. أم مهجّرة تروي حكاية الفقد والحنين إلى سري كانيه
الثلاثاء 17 آذار, 2026   03:40
الحسكة
بلند حجي

ثمة مدارس تحولت من أماكن للتعليم إلى مراكز لإيواء آلاف العائلات المهجّرة، تتكدس فيها حكايات النزوح والحرمان بين الجدران الباردة، حيث يعيش سكان مدنٍ هُجّروا قسراً بعيداً عن منازلهم وذكرياتهم.

سنوات طويلة من اللجوء الداخلي جعلت الحياة في مراكز الإيواء اختباراً يومياً للصبر؛ غرف ضيقة، وذكريات ثقيلة، وأمنيات معلّقة بالعودة إلى المدن التي تركوها خلفهم قسراً. وبين تلك القصص، تبرز حكاية الأم عيشة اتاش، التي تختصر معاناة آلاف المهجرين من مدينة سري كانيه المحتلة.

عيشة اتاش، في العقد السادس من عمرها، وهي أم لخمسة أبناء، اثنان منهم شهداء وهم فرهاد وخالد، وفتاة. وهي من سكان مدينة سري كانيه المحتلة وتقطن الآن في مدرسة مروان يوسف بمدينة الحسكة، والتي تحولت إلى مركز لإيواء المهجرين.

كانت عيشة اتاش تقطن بسلام مع زوجها الذي وافته المنية مع أولادها، بمنزلهم الكائن بالقرب من الصناعة شرق المدينة.

تصف حيّها قائلة: "كان حيّنا جميلاً، ومنزلنا واسعاً، أبوابه مفتوحة دائماً للزائرين وللحركة. لكن خروجنا منه كان لحظة قاسية للغاية." وتستعيد في حديثها ذكريات الحرب الأولى على المدينة أواخر عام 2012، حين واجهوا صعوبات كبيرة، مؤكدة أن لحظة النزوح آنذاك كانت أيضاً من أقسى التجارب التي مرّت بها.

وتكمل حديثها قائلةً، وهي تستذكر لحظات وذكريات قد مر عليها أكثر من ٧ أعوام، حينما خرجوا من المدينة وبقي شريك حياتها ووالد أولادها في المدينة، ليخرج في اليوم التالي من المدينة خلال هجمات دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها في أواخر عام ٢٠١٩.

وتضيف قائلة: "نتيجة القهر الكبير الذي شعر به زوجي بسبب التهجير القسري، توفي وهو يحمل حسرة عميقة على مدينته المحتلة."

لم تكن الرحلة مجرد التنقل من مدينة لمدينة أو من منزلاً لمنزل، فآلام الأم عيشة اتاش مع كل دقيقة من هجرانها لمنزلها كانت تتفاقم، لتصف تلك الأيام قائلة: "لم تكن لحظات، كانت أياماً صعبة وقاسية. ننتقل من مدرسة إلى أخرى وليس لدينا مأوى، كنا كل يوم في مكان، كانت أياماً قاسية، ولا تزال".

الذكريات تسكن مخيلة فقيدة الولدين وأم الشهيدين، وهي تستعيد حنينها لمدينتها وجمالها بعينيها لتقول: "سري كانيه كلها جميلة، منزلنا كان واسعاً، وأبوابه مفتوحة دائماً أمام الزائرين والمحبين. لكن اليوم لم يبقَ شيء من منزلنا الذي كان يحتضن الجميع."

وتضيف: "سري كانيه كانت جميلة بشعبها المتحاب والكريم، لم نرَ شعباً يشبه شعبها، فهم محبون لبعضهم وللناس جميعاً." 

ويؤكد كل من يتحدث عن المدينة أو يصفها، من المهجّرين والنازحين، أن أول ما يتبادر إلى الذهن هو ينابيعها التي استمدت اسمها منها، وطبيعتها الساحرة. وبعد استحضار هذه الصور، تردد أمنيتها التي لم تفارقها منذ لحظة التهجير: "أمنيتنا أن نعود اليوم قبل الغد إلى مدينتنا."

وتعود لتستذكر وضعها الحالي، مشيرةً إلى أنهم أنهكهم تعب هذه الأيام بين جدران المدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء، بعيداً عن أقاربهم وأبنائهم. وتؤكد في حديثها: "ما نريده بعد سنوات الهجران هو عودة آمنة مع أبنائنا، الذين يجب أن يكونوا قوات حماية المنطقة. نريد عودة بكرامة وأمان، إلى جانب قواتنا. وإن لم يكن أبناؤنا هم من يحموننا، فلن نعود." 

وتطالب بأن يعمّ الأمن والاستقرار في مدينتهم بعد إنهاء الاحتلال، وأن لا تكون العودة محفوفة بالمخاطر.

(أم)

ANHA