رحلة المرأة السورية عبر التاريخ والمجتمع

على مدى أكثر من قرن، شكلت المرأة السورية ركناً أساسياً في النضال الوطني والاجتماعي والسياسي، من المشاركة في المقاومة ضد الاحتلال إلى تأسيس الجمعيات والمبادرات النسوية، مستمرة في الدفاع عن حقوقها ومكانتها في المجتمع رغم التحديات السياسية والاجتماعية المتزايدة.

رحلة المرأة السورية عبر التاريخ والمجتمع
الأحد 8 آذار, 2026   04:50
مركز الأخبار

لم يكن حضور المرأة السورية في المجال العام وليد العقود الأخيرة، بل هو مسار تاريخي متدرّج امتد من العصور القديمة إلى الزمن المعاصر، تخللته محطات صعود وتراجع، وارتبط دائماً بسياق التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد. إذ كان التاريخ القديم قد سجّل نماذج نسائية في الحكم والإدارة في مدن سورية تاريخية مثل تدمر وأوغاريت، فإن التحول النوعي في مسار التنظيم النسوي بدأ فعلياً في أواخر القرن التاسع عشر مع بروز أشكال العمل الأهلي المنظم.

وبمناسبة حلول الثامن من آذار، اليوم العالمي للمرأة، نسلّط الضوء على مسيرة تمكين المرأة في سوريا، مستعرضين أبرز مراحل الصعود التي عززت حضورها في مختلف المجالات، وكذلك فترات التراجع التي فرضتها ظروف سياسية واجتماعية متعاقبة، في قراءة تاريخية تسعى إلى فهم أعمق لمسار نضال المرأة السورية ودورها في بناء المجتمع.

إرث قديم وحضور اجتماعي ممتد

تشير الدراسات الأثرية والتاريخية إلى أن المرأة في الحضارات السورية القديمة شاركت في الحياة الاقتصادية والدينية، وتولّت أدواراً في إدارة الممتلكات والمعابد، كما يظهر في أرشيفات مدن مثل أوغاريت وماري. وفي العهدين الروماني والبيزنطي، استمرت مشاركة النساء في المجالين الاجتماعي والديني، وإن بقيت محكومة بالبنى التقليدية السائدة.

أما في العصور الإسلامية والعثمانية، فحافظت النساء على حضورهن في مجالات الوقف والتعليم الديني والعمل الخيري، خصوصاً في المدن الكبرى مثل دمشق وحلب، حيث أسهمن في تأسيس أوقاف ومدارس ومشافي، في إطار العمل الأهلي المرتبط بالمجتمع المحلي.

أواخر القرن التاسع عشر… من المبادرات الفردية إلى الوعي العام

مع النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وضمن سياق الإصلاحات العثمانية المعروفة بـ "التنظيمات"، بدأت ملامح وعي نسوي ثقافي تتشكل في المراكز الحضرية. ظهرت صالونات أدبية نسائية، حيث كان أحد أوائل الصالونات الأدبية النسائية في سبعينيات القرن التاسع عشر. كان فضاءً ثقافياً يجمع أدباء ومفكرين لمناقشة قضايا الإصلاح والتعليم ودور المرأة.

كما شاركت السوريات في معارض دولية منها معرض شيكاغو العالمي 1893. شكلت هذه المبادرات انتقالاً من التعبير الفردي إلى فضاء عام نسائي، وأسست لمرحلة الجمعيات المنظمة مطلع القرن العشرين.

كما صدرت مجلات نسائية مبكرة ناقشت قضايا التعليم، ومكانة المرأة، وصورتها في المجتمع منها مجلة العروس (1925-1910) وأسهمت في بلورة خطاب إصلاحي نسوي مكتوب.

مطلع القرن العشرين… تأسيس الجمعيات والعمل الاجتماعي

وخلال الحرب العالمية الأولى (1914–1918)، توسّع دور النساء في الإغاثة مع تفاقم المجاعة والأوبئة، ما عزز حضورهن كمكوّن منظم في المجال العام.

مع أواخر العهد العثماني وبدايات الانتداب الفرنسي (1920)، تأسست جمعيات نسائية في دمشق وحلب ومدن أخرى، ركزت على تعليم النساء، ومحو الأمية، ورعاية الأيتام والفقراء.

وفي عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، بدأت الحركة النسائية تربط العمل الخيري بالإصلاح الاجتماعي والسياسي. حيث عُقدت مؤتمرات نسائية في دمشق، وطرحت مطالب تتعلق برفع سن الزواج، وإصلاح قوانين الأحوال الشخصية، وتوسيع فرص التعليم والعمل للنساء. شكّلت هذه المرحلة نقطة تحول، إذ انتقلت النساء من الإحسان الاجتماعي إلى المطالبة العلنية بالحقوق المدنية.

المرأة السورية بين المقاومة والعمل الوطني

بالتوازي مع هذا المسار التنظيمي، كان للمرأة حضور بارز في النضال الوطني ضد الانتداب الفرنسي. منذ عام 1920، شاركت نساء في محيط معركة ميسلون، وأسهمن في أعمال الدعم والإسناد خلال المواجهات الأولى، في لحظة مفصلية من تاريخ الدولة السورية الحديثة.

وخلال الثورة السورية الكبرى، أدّت النساء أدواراً متعددة، شملت نقل الرسائل والمؤن، وإسعاف الجرحى، وإيواء المقاتلين، بالإضافة إلى تنظيم حملات التبرع والدعم الشعبي في المدن. لم يكن حضورهن رمزياً، بل شكّل جزءاً من البنية المجتمعية التي ساعدت على استمرارية الحراك الوطني.

في هذا السياق، برزت شخصيات نسائية جمعت بين العمل الوطني والاجتماعي. من بينهن نازك العابد (1887–1959)، التي انخرطت مبكراً في مقاومة الاحتلال الفرنسي، وشاركت في معركة ميسلون إلى جانب وزير الحربية آنذاك، كما أسست جمعية "نور الفيحاء" لدعم تعليم الفتيات وتمكينهن، مطالبةً بإشراك النساء في الحياة العامة والسياسية.

كما مثّلت تجربة روشن بدرخان ((1909–1992 نموذجاً لتداخل البعد الوطني بالثقافي. وُلدت في المنفى عام 1909 وانتقلت إلى دمشق عام 1913، وعملت في سلك التعليم منذ عام 1925. شاركت في إصدار مجلةHawar  في ثلاثينيات القرن العشرين، وكانت من أوائل النساء الكرديات اللواتي كتبن بالأبجدية اللاتينية.

وانضمت عام 1934 إلى رابطة نسائية، وشاركت في مؤتمر نسائي عُقد في القاهرة عام 1945، قبل أن تتجه لاحقاً إلى الترجمة والكتابة الأدبية، فأصدرت مؤلفات من بينها "ذكريات امرأة" و"حبي وقصري".

بهذه التجارب، تداخل النضال الوطني مع مسار التنظيم النسوي، وأصبحت فكرة الاستقلال مرتبطة تدريجياً بتوسيع حقوق النساء في التعليم والمشاركة العامة.

1949–1953… انتزاع الحقوق السياسية

بعد الاستقلال عام 1946، تصاعدت المطالب بالمشاركة السياسية الكاملة. وفي عام 1949 مُنحت المرأة السورية حق الانتخاب، قبل أن يتوسع هذا الحق عام 1953 ليشمل الترشح للانتخابات النيابية بموجب الدستور الجديد لذلك العام. مثّل ذلك محطة متقدمة مقارنة بعدد من دول المنطقة، وأكد انتقال الحركة النسائية من الهامش الاجتماعي إلى الحقل السياسي الرسمي.

1967… احتواء رسمي وإعادة هيكلة العمل النسوي

مع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، ثم تأسيس الاتحاد العام النسائي عام 1967، أُعيد تنظيم العمل النسائي ضمن إطار رسمي واحد. واقتصر العمل على نشاط نسوي مرخص وارتبط مباشرة بالدولة وعرّف نفسه بأنه منظمة شعبية للنساء في سوريا، وهو ذو شخصية اعتبارية، لكنه ارتبط بشكل وثيق بحزب البعث، وعمل على فرض الذهنية الذكورية والإعلان لها.

ورغم توسع التعليم والعمل أمام النساء خلال العقود اللاحقة، بقيت الإصلاحات القانونية الجوهرية، ولا سيما في قوانين الأحوال الشخصية والجنسية، موضع نقاش مستمر دون تغييرات جذرية.

2011 وما بعدها… حراك جديد وتعدد في المنصات

مع اندلاع الاحتجاجات عام 2011، شاركت النساء في التظاهرات والعمل الإعلامي والإغاثي، وتعرضت كثيرات للاعتقال أو الاختفاء القسري. ومع تحوّل الصراع إلى نزاع مسلح ونزوح ملايين السوريين، نشأت عشرات المبادرات والمنظمات النسوية داخل البلاد وفي بلدان اللجوء.

ركّزت هذه المنظمات على توثيق الانتهاكات، والدفاع عن المعتقلين والمعتقلات، والعمل على قضايا العدالة الانتقالية، والتمكين الاقتصادي، ومناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي. كما انخرطت شبكات نسوية سورية في منصات إقليمية ودولية، مطالبة بضمان تمثيل النساء في مسارات الحل السياسي، استناداً إلى قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالمرأة والسلام والأمن.

الثامن من آذار في سوريا

لم يكن يوم الثامن من آذار معروفاً في سياقه الحقيقي كيوم للمطالبة بالحرية حتى أعوام الثمانينات من القرن الماضي، بل كان هذا اليوم يتزامن كل عام مع يوم صعود حزب البعث إلى السلطة في سوريا، الذي منع جميع الاحتفالات الأخرى.

أما بالنسبة للاحتفالات الخاصة باليوم العالمي للمرأة، فقد كانت محدودة للغاية وبعيدة عن روح هذه المناسبة، إذ اكتفت الأحزاب اليسارية بإحياء اليوم بشكل سري وفي أجواء مغلقة، تخللتها كلمات رمزية وتكريم لبعض النساء، دون أن تنعكس على الفضاء العام أو تحمل طابعاً جماهيرياً يليق بالمناسبة.

وفي روج آفا، بدأ التاريخ الفعلي لنضال المرأة مع دخول القائد عبد الله أوجلان إلى سوريا وروج آفا عام 1979، وهنا بدأت مرحلة مهمة من نضال المرأة في المنطقة، ومثلها مثل باقي أجزاء كردستان، فإن نضال المرأة في روج آفا بدأ اعتباراً من عام 1980، واستند إلى مبدأ "لا حياة دون المرأة" و"المرأة الحرة تعني مجتمعاً حراً" وبعد أن تأسس أول تنظيم للمرأة في أوروبا عام 1987، باسم اتحاد النساء الوطنيات في كردستان (YJWK) انضمت نساء روج آفا أيضاً وبفعالية إلى هذا الاتحاد، ونظمت العديد من الفعاليات في روج آفا، وحقق تطورات مهمة على صعيد "حب الوطن، وحب المرأة لنفسها وللتنظيم".

وعدَّت النساء في روج آفا، اليوم العالمي للمرأة منبعاً ومنطلقاً للنضال، وعليه فقد باشرن الاحتفال بهذه المناسبة. وقد نظمت النساء أول احتفال عام 1987 في أحد منازل مدينة قامشلو، وبشكل سري، واستمر الوضع على هذا المنوال حتى عام 2000، واقتصرت الاحتفالات في المنازل فقط.

وفي مناطق شمال وشرق سوريا، برز نموذج إداري يقرّ بمبدأ الرئاسة المشتركة والمناصفة في المؤسسات المحلية، ما أتاح تجربة مختلفة في تمثيل النساء داخل البنى الإدارية. في المقابل، واجهت منظمات نسوية في مناطق أخرى قيوداً قانونية وأمنية حدّت من نشاطها.

المرأة في شمال وشرق سوريا

ومع انطلاقة ثورة روج آفا عام 2012، التي أدت المرأة فيها دورها الريادي، اختلقت أرضية خصبة لإحياء أيديولوجية المرأة الحرة ضمن المجتمع والسلطة لجميع النساء في شمال وشرق سوريا والعالم، وما ميزّ ثورة روج آفا عن الثورات السابقة هو تنظيم المرأة في المجالات كافة، والاستمرارية في تطوير هذا التنظيم والمحافظة على طابعها النسائي خلال الثورة، وهذا ما جعل منها ثورة المرأة

حيث أثبتت المرأة وجودها في كل المجالات، ونظمت نفسها في الساحات السياسية والدبلوماسية والعسكرية والمدنية وغيرها، فهناك أكثر من 20 جهة نسائية خاصة تعمل في شمال وشرق سوريا منها "اتحاد ستار الذي تأسس عام 2005، ومجلس المرأة في شمال وشرق سوريا تشكل عام 2019، ومجلس المرأة السورية تأسس عام 2017، ومنظمة سارا لمناهضة العنف ضد المرأة تأسست عام 2013، ودار المرأة للتدريب والتوعية عام 2013، وهيئة المرأة في شمال وشرق سوريا عام 2014، ووحدات حماية المرأة تشكلت في نيسان 2013، وقوى الأمن الداخلي-المرأة، وعلم المرأة (جنولوجي) وافتتحت أول أكاديمية لها في عفرين في تموز 2017، واتحاد المرأة الشابة، واتحاد إعلام المرأة" بالإضافة إلى كومينات المرأة، وفي كل مؤسسة وهيئة وإدارة لجنة خاصة بشؤون المرأة.

ناهيك عن الدور الذي أدته المرأة في المجال السياسي والدبلوماسي، ومشاركتها في المنتديات والمحاضرات العالمية فيما يخص الأزمة السورية، ومناقشة قضايا الشرق الأوسط.

واقع المرأة السورية الآن

مع سقوط نظام البعث في الثامن من كانون الأول 2024 ووصول "هيئة تحرير الشام" إلى سدة الحكم، فرضت سياسات جديدة قلصت من دور المرأة وحقوقها وقيدت الحريات الشخصية والتعليمية، كما ألغيت العديد من الإصلاحات القانونية التي كانت تدعم المرأة، مما أدى إلى تراجع كبير في مشاركتها السياسية والاجتماعية بالإضافة إلى الاقصاء والتهميش في العديد من المجالات والتي أثارت موجة من الانتقادات والاحتجاجات، مما يحمل هذا الوضع للعديد من التساؤلات الذي ستلعبه المرأة في هذا النظام السياسي الجديد وهل سيكون لها مكان في النظام السياسي الجديد.

(م ح/ي م)

ANHA