إغلاق مضيق هرمز يهدد شريان الطاقة العالمي ويصعّد التوترات الإقليمية

يظل مضيق هرمز، الممر الحيوي بين الخليج العربي وبحر عُمان، شرياناً رئيسياً للاقتصاد العالمي، إذ تمر عبره نحو ربع تجارة النفط والغاز العالمية. أي تعطيل لحركته يهدد بارتفاع أسعار الطاقة وزعزعة الأسواق، فيما يحوّل التصعيد العسكري الأخير المضيق إلى بؤرة توتر إقليمي ومواجهة محتملة على أمن الملاحة والطاقة.

إغلاق مضيق هرمز يهدد شريان الطاقة العالمي ويصعّد التوترات الإقليمية
الثلاثاء 3 آذار, 2026   11:22
مركز الأخبار

أعلنت إيران يوم أمس رسمياً إغلاق مضيق هرمز من جانبها، محذرة من أن أي سفينة تحاول العبور ستتعرض للاستهداف من قبل القوات الإيرانية، على خلفية التصعيد العسكري الأخير مع إسرائيل.

ويُعدّ مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية في العالم، إذ يقع في منطقة الشرق الأوسط ويفصل بين الخليج العربي وبحر عُمان، وتحدّه إيران من الشمال، فيما تحدّه سلطنة عُمان من الجنوب عبر محافظة مسندم. ويشكّل هذا الموقع الجغرافي نقطة وصل حيوية بين دول الخليج والمياه الدولية.

يبلغ طول المضيق نحو 161 إلى 167 كيلومتراً، ويتراوح عرضه بين 33 و95 كيلومتراً، بينما يصل عرضه في أضيق نقطة إلى نحو 32 كيلومتراً. ويتكوّن من ممرين ملاحيين رئيسيين، أحدهما مخصّص للسفن المتجهة إلى داخل الخليج، والآخر للسفن الخارجة منه نحو بحر عُمان، ويبلغ عرض كل ممر نحو 3 كيلومترات فقط، تفصل بينهما منطقة عازلة مخصّصة للسلامة.

أما جغرافياً، تتألف شواطئه الشمالية من الجزء الشرقي لجزيرتي قشم ولاراك الإيرانيتين، فيما تمتد شواطئه الجنوبية على الساحلين الغربي والشمالي لشبه جزيرة رأس مسندم العُمانية. وتنتشر في المضيق جزر عدة، بعضها يتبع لإيران مثل قشم وهرمز ولارك وهنجام، فيما تخضع جزر أخرى للإدارة العُمانية، ومن أبرزها جزر سلامة وبناتها وجزيرة الغنم، إلى جانب شبه جزيرة مسندم. كما تتحكم أربع جزر بمدخل المضيق الشمالي هي: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، إضافة إلى جزيرة الفارور الإيرانية.

أهميته الاقتصادية العالمية

يمرّ عبر مضيق هرمز نحو ربع تجارة النفط العالمية، إذ نقلت الناقلات عام 2024 قرابة 16.5 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمكثفات، صادرةً من السعودية والعراق والكويت والإمارات وإيران، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية. كما عبر من خلاله أكثر من خُمس الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي، ومعظمها من قطر.

وتعتمد دول مثل إيران تمر بنسبه 90% من نفطها عبر المضيق، بالإضافة إلى الكويت والعراق بشكل شبه كامل على المضيق لتصدير نفطها ومكثفاتها، في ظل غياب بدائل عملية. أما السعودية والإمارات فتمتلكان خطوط تصدير بديلة، لكنهما لا تزالان تعتمدان بدرجة كبيرة على المضيق، إذ تمثل الصادرات السعودية نحو 40% من إجمالي النفط المار عبره، مقابل نحو 18% للإمارات.

وعلى صعيد الدول المستوردة، تُعد الصين الأكثر اعتماداً على نفط المضيق بحصة تقارب 32% من إجمالي صادراته، تليها الهند (18%)، ثم كوريا الجنوبية (13%) واليابان (9%).

ووفق تقرير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) لعام 2025، يمر عبر المضيق نحو 11% من إجمالي التجارة العالمية، بما يشمل 34% من صادرات النفط المنقولة بحراً و30% من صادرات الغاز الطبيعي المسال. وبحلول منتصف حزيران 2025، بلغ متوسط حركة السفن فيه نحو 144 سفينة يومياً، بينها 37% ناقلات نفط، و17% سفن حاويات، و13% سفن شحن سائب. كما تتم مناولة أكثر من 30 مليون حاوية نمطية سنوياً في الموانئ المجاورة له.

وفي العام نفسه، استوردت الولايات المتحدة نحو نصف مليون برميل يومياً من النفط الخام والمكثفات من دول الخليج عبر المضيق، ما يمثل نحو 7% من وارداتها من النفط الخام والمكثفات، و2% من استهلاكها من السوائل البترولية.

قانونياً

قانونياً، يخضع مضيق هرمز لنظام "العبور الممرّي" وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، بوصفه من المضايق الدولية التي تصل بين جزأين من أعالي البحار أو منطقتين اقتصاديتين خالصتين. ويمنح هذا النظام جميع السفن والطائرات حق المرور السريع والآمن دون عرقلة من الدول المتشاطئة.

ولا يحق لأي دولة ساحلية إغلاق المضيق أو منع مرور السفن التجارية في أوقات السلم. غير أن هذا الحق يخضع لاستثناءات خلال النزاعات المسلحة، حيث يمكن تعديل قواعد المرور وفق قانون الحرب الدولي، شريطة أن تكون الإجراءات متناسبة وتحترم حقوق السفن المحايدة.

وتتمسك إيران وعُمان، اللتان تتقاسمان الإشراف الإقليمي على المضيق، بتطبيق مفهوم "المرور البريء"، الذي يمنحهما هامشاً أوسع لحماية أمنهما وسيادتهما، ويشترط الحصول على إذن مسبق لمرور السفن الحربية. وكانت إيران قد طالبت بالإشراف الكامل على المضيق كونه يقع ضمن مياهها الإقليمية، غير أن هذا الطلب رُفض خلال مؤتمرات قانون البحار في جنيف بين عامي 1958 و1960 ثم عام 1980.

المحطات تاريخية

ازدادت أهمية المضيق مع اكتشاف النفط مطلع القرن العشرين، وأصبح محوراً للصراعات السياسية والعسكرية. وخلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) اندلعت "حرب الناقلات" عام 1984 بعد استهداف محطة نفط وناقلات في جزيرة خارك الإيرانية، فردّت طهران بمهاجمة ناقلات متجهة إلى الكويت ودول خليجية وزرعت ألغاماً بحرية، فيما أطلق العراق صواريخ على ناقلات إيرانية.

وأدى التصعيد إلى تدخل الولايات المتحدة ودول أوروبية لحماية الملاحة. ففي صيف 1987، اصطدمت ناقلة كويتية بألغام إيرانية رغم مرافقة سفن حراسة لها، ما دفع واشنطن إلى تعزيز وجودها العسكري. وفي أيلول من العام نفسه، هاجمت مروحيات أميركية سفينة إيرانية أثناء زرعها ألغاماً وأغرقتها. كما دمرت القوات الأميركية قواعد للحرس الثوري وهاجمت سفناً حربية إيرانية بعد تعرض فرقاطة أميركية وسفن أخرى لألغام.

وفي نيسان 1988، نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية عُرفت باسم "فرس النبي"، أسفرت عن تدمير سفن حربية إيرانية وإخراج منصات نفط عن الخدمة، وقتل خلالها أكثر من 50 إيرانياً، فيما فقدت واشنطن طيارين إثر تحطم مروحيتهم أثناء الاشتباكات.

وفي العام ذاته، أسقط الطراد الأميركي "يو إس إس فينسنس" طائرة إيرباص مدنية تابعة للخطوط الجوية الإيرانية بعد الاشتباه بها، ما أدى إلى مقتل 290 شخصاً.

أهمية استراتيجية مستمرة

يظل مضيق هرمز شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، إذ إن البدائل العملية لنقل الطاقة محدودة للغاية، وأي تعطيل لحركته، ولو مؤقتاً، يؤدي إلى اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن وأسعار الطاقة عالمياً. ولذلك، يبقى المضيق في صلب الحسابات الجيوسياسية، بوصفه أحد أكثر الممرات المائية حساسية وتأثيراً في العالم.

وأي تعطيل لحركته يؤدي إلى اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة. وفي حال إغلاقه لعدة أيام، قد يرتفع سعر النفط العالمي بشكل حاد؛ حيث توقع محللون أن يوم إغلاق واحد قد يدفع أسعار خام برنت إلى 120–150 دولاراً للبرميل. وفق محليين اقتصاديين.

توترات إقليمية

قرار إيران بإغلاق مضيق هرمز يحوّل الممر النفطي الأهم في العالم إلى ساحة مواجهة، مهدداً أمن الطاقة العالمي ومفاقماً التوترات الإقليمية.

(م ح)

ANHA