كيف قرأت الصحف الاتفاق بين قسد والحكومة المؤقتة؟

يرى مراقبون أن الاتفاق الذي دخل حيّز التنفيذ بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة في سوريا يُعدّ خطوة مفصلية لكسر حلقة التصعيد العسكري، وتحولاً استراتيجياً جيوسياسياً يضع الدولة السورية أمام فرصة لإعادة هندسة مفهوم المواطنة والهوية، وسط تساؤلات حول قدرة هذه التفاهمات على الصمود ما لم تُستكمل بضمانات سياسية ودستورية تعالج جذور الأزمة وتوازن بين متطلبات الاستقرار وصون الحقوق.

كيف قرأت الصحف الاتفاق بين قسد والحكومة المؤقتة؟
الثلاثاء 3 شباط, 2026   09:04
مركز الأخبار

سلّطت الصحف العربية الصادرة صباح اليوم الضوء على بدء تنفيذ الاتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة في سوريا، معتبرةً إياه محطة مفصلية لاحتواء مخاطر التصعيد العسكري، وإعادة ترتيب المشهدين الأمني والإداري في شمال شرق سوريا.

سورية... اتفاق في عين العاصفة

صحيفة "العربي الجديد" أوضحت أن الاتفاق بين الحكومة المؤقتة في سوريا وقوات سوريا الديمقراطية جاء في لحظة شديدة الحساسية بعد أسابيع من التوتر والقلق في مدينتي الحسكة وكوباني حيث خيّم شبح التصعيد العسكري على السكان من الكرد والعرب على حد سواء.

وأشارت الصحيفة إلى أن المخاوف لم تكن محلية فحسب، بل كان يُنظر إلى أي مواجهة محتملة على أنها شرارة قد تشعل تداعيات إقليمية تمتد إلى العراق وتركيا، وربما إلى دول المهجر.

ورأت الصحيفة أن الإعلان عن البدء الفوري بدمج قوات قسد ضمن الجيش السوري، إلى جانب دمج المؤسسات الأمنية والإدارية التابعة للإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة، شكّل نقطة تحوّل أساسية أدت إلى تهدئة المخاوف ونزع ما وصفته بـ "صاعق التفجير المجتمعي".

كما نوّهت الصحيفة بالدور الذي لعبته الضغوط الأوروبية، سواء عبر التحركات الشعبية الكردية في العواصم الأوروبية، أو من خلال مخاوف الاتحاد الأوروبي من موجات لجوء جديدة ومن انعكاسات عدم الاستقرار على أمنه القريب. وذكرت أن تلاقي هذه العوامل الدولية مع مساعٍ إقليمية أسهم في بلورة الاتفاق بصيغته الحالية.

مشيرة إلى أن الاتفاق، رغم أهميته، لا يزال هشاً وقابلاً للاهتزاز في حال غياب آليات تنفيذ واضحة أو استمرار محاولات قوى متضررة إفشاله، مشددة على أن نجاحه يتطلب التزاماً سياسياً فعلياً من الطرفين، وضمانات تحول دون تكرار إخفاقات اتفاقات سابقة.

اتفاق دمشق – قسد: ترميم الجغرافيا وهندسة الانتماء الوطني

صحيفة العرب اللندنية، قرأت الاتفاق بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية بوصفه تحولاً استراتيجياً فرضته استحقاقات الواقع الجيوسياسي، وليس مجرد تفاهم تقني لتهدئة الجبهات.

 وأضافت أن " الاتفاق "لحظة حقيقة" تعكس إدراك الأطراف المعنية بأن استمرار الصراع واستنزاف الجغرافيا السورية لم يعد خياراً قابلاً للاستمرار، وأن كلفة الانهيار الشامل ستكون أكبر من أي تنازلات سياسية متبادلة.

وأشارت الصحيفة إلى أن الاتفاق يشكّل صمام أمان لمنع انزلاق سوريا نحو فوضى مفتوحة، في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية، معتبرة أن توقيته ليس وليد الصدفة، بل نتاج براغماتية سياسية فرضتها التحولات العميقة في المشهد السوري والإقليمي.

 ولفتت إلى أن وقف التدهور الأمني لا يمكن أن ينجح إذا بقي محصوراً في البعد العسكري، محذّرة من أن "التبريد المؤقت للجبهات" سيظل هشاً ما لم يُدعَّم بمسارات سياسية تعالج جذور الإقصاء والاغتراب السياسي.

كما حذّرت الصحيفة من أن الاتفاق يتحرك في بيئة إقليمية ملغومة، إذ لا تزال هناك قوى ترى في تعافي الدولة السورية وانسجام مكوناتها تهديداً مباشراً لمصالحها، وقد تسعى إلى عرقلة التنفيذ عبر أدوات محلية أو ضغوط اقتصادية وأمنية. ورأت أن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة دمشق و«قسد» على بناء مناعة وطنية داخلية تحصّن الاتفاق من الاختراق الخارجي.

وخلصت العرب اللندنية إلى أن نجاح الاتفاق مرهون بمدى تحوّله من تفاهم اضطراري إلى خيار وطني استراتيجي، يتطلب شجاعة سياسية، وتنازلات متبادلة لصالح المصلحة العليا، وإرادة حقيقية لإعادة تعريف الدولة على أسس المواطنة والتنوع. ووصفت الاتفاق بأنه "مغامرة العقل في مواجهة جنون السلاح"، وأن ثمن الحوار، مهما بدا باهظاً، يبقى أقل كلفة بكثير من استمرار الحرب والتشظي.

القضية الكردية تتطلب معالجة دستورية شاملة

أما صحيفة إندبندنت عربية فأوضحت أن الاتفاق يُنظر إليه من قبل الجانب الكردي على أنه خطوة اضطرارية لتجنّب مزيد من الدماء والدمار، أكثر من كونه تسوية نهائية لكل الملفات العالقة.

وأشارت إلى أن أزمة الثقة بين الطرفين لا تزال قائمة، وأن نجاح الاتفاق مرهون بقدرة دمشق على ضمان تنفيذ بنوده دون انتقائية، مع الأخذ في الاعتبار الخصوصية السياسية والاجتماعية والأمنية للمناطق الكردية.

وتوقفت الصحيفة عند الإجراءات الميدانية التي رافقت بدء تنفيذ الاتفاق، ولا سيما فرض حظر التجوال في مدينة الحسكة، وذكرت أن هذه الخطوة جاءت في سياق التمهيد لتسلم القوات الحكومية للملف الأمني، ومنع أي انفلات قد يهدد الاستقرار الهش.

كما لفتت إلى سلسلة اللقاءات التي عُقدت بين قادة الأمن الداخلي الجدد ومسؤولي قوات الأسايش في الحسكة والقامشلي وكوباني، بهدف ترتيب الوضع الأمني وضمان انتقال منظم للسلطات.

ورأت الصحيفة أن إنصاف القضية الكردية لا يمكن أن يتحقق من خلال حلول أمنية أو إدارية فقط، بل يتطلب معالجة دستورية شاملة تعترف بالكرد بوصفهم مكوّناً وطنياً أصيلاً، وتضمن حقوقهم ضمن إطار الدولة السورية.

وفي هذا الإطار، شددت على أن الاتفاق، وإن كان واقعياً وقابلاً للحياة، يحتاج إلى ضمانات دولية واضحة، وتثبيت بنوده قانونياً ودستورياً لمنع التراجع عنه في مراحل لاحقة.

(م ح)