سوزدار أفيستا: الهجمات على شمال وشرق سوريا تعرقل عملية السلام

أكدت عضوة المجلس الرئاسي لمنظومة المجتمع الكردستاني، أن الهجمات على شمال وشرق سوريا تعرقل عمليّة السلام في تركيا وشمال كردستان، ودعت إلى تحسين أوضاع القائد عبد الله أوجلان على الفور، واتخاذ خطوات قانونية - ديمقراطية.

سوزدار أفيستا: الهجمات على شمال وشرق سوريا تعرقل عملية السلام
الجمعة 16 كانون الثاني, 2026   13:25
مركز الأخبار 

تحدثت عضوة المجلس الرئاسي لمنظومة المجتمع الكردستاني KCK، سوزدار أفيستا، في برنامج خاص على فضائيّة ستيرك-TV، وقالت لا يمكن النظر إلى الهجمات على شمال وشرق سوريا بأنها مجرّد قضيّة أمنيّة إقليميّة، بل هي هجوم مباشر على العمليّة في تركيا وشمال كردستان، وأوضحت أن كل من يتابع العملية عن كثب يرى أن هذه الهجمات تمثّل هجوماً على العملية نفسها.

وكانت المقابلة كالتالي:

* كانت الأنظار كلّها متجهة نحو شمال وشرق سوريا، حيث كان الأمل معقوداً على أن تتخذ الاتفاقات والرسائل التي تمّ التوصل إليها بين الحكومة السوريّة والإدارة الذاتيّة شكلاً جديداً، وأن تمضي قدماً نحو المفاوضات، وتسود الديمقراطيّة في سوريا بشكل عام. لكنّ، على العكس من ذلك، برز وضع تمثّل في شنّ هجمات على أهالي حيّي الشّيخ مقصود والأشرفيّة في مدينة حلب. بشكلٍ عام، كيف تعلقون على الوضع الحالي في شمال وشرق سوريا، والهجمات على أهالي الشّيخ مقصود والأشرفيّة؟ وما السبب لشنّ هذا الهجوم؟

بدايةً، أستذكر في شخص الرفيقات والرفاق زياد حلب، وليلى قاسم، ودلبرين، وآمارة، وهاوار... وفي شخص هؤلاء المقاومين والأبطال جميع شهداء شعبنا وشهداء حلب بكلّ احترام وتقدير وامتنان. وأتقدّم بأحرّ التعازي إلى جميع عائلاتهم، متمنياً الشّفاء العاجل للجرحى. كما أتقدّم بأحرّ التعازي لعموم شعب كردستان وللبشرية جمعاء.

* في الواقع، كما هو معروف، لقد تابعنا منذ أيام من خلال وسائل الإعلام أنّ الهجمات على الشّيخ مقصود والأشرفيّة أعادت إلى الأذهان مجزرة 3 آب 2014 في شنكال بحقّ شعب الإيزيديّين. وقد أثارت هذه الهجمات شعوراً بالألم والغضب والحنق لدى أبناء شعبنا والإنسانيّة والمنطقة بأسرها. فما السبب الذي أوصل الوضع إلى هذه المرحلة؟ وما هي دوافع هذه الهجمات؟.. قبل ذلك، كانت اللقاءات التي عقدت والاتفاقات التي أبرمت تهدف إلى الحيلولة دون الوصول إلى هذه الأيام، وإلى تفاقم هذه العمليّة، ولكنّ ما الذي أدّى إلى اندلاع هذه الأحداث وتسبّب في عواقب وحشيّة ومدمرة إلى هذا الحد؟ 

الآن، كما هو معروف، في عام 2024، تم تمكين الجولاني من الوصول إلى كرسي السلطة في دمشق بواسطة قوات التحالف الخارجيّة، وخاصة الدولة التركيّة التي قدّمت كلّ أشكال الدعم. بعبارة أخرى، لم يخض الجولاني حرباً كبيرة في سوريا لإسقاط النظام البعثي، بل على العكس، هو استمرار لنظام الأسد، بل إنّ بعض أفراد عائلته شغلوا مناصب مباشرة في حكومة الأسد. ولهذا، فهو شخصٌ قادمٌ من هناك. وبعبارة أخرى، هؤلاء بعثيون أصحاب لحى وشوارب، مع أنّهم يرتدون ربطة عنق ويقدّمون أنفسهم كمظهر عصري وحديث للغاية.

وقد جرى كلّ هذا وفق خطّة واضحة وبرنامج محدّد واتفاقيات منظمة. وكما نعلم، كانت المهمة الأولى الموكلة إليه هي القضاء على جميع مكتسبات شعوب شمال وشرق سوريا. ومن أجل منع حدوث ذلك، سعى القائد آبو، بشكلٍ خاص، إلى تقديم مقترحات ودعم لمنع وقوع المجازر، وضمان ألّا تتعرض الشّعوب للإبادة أو المعاناة الكبيرة، وكانت كلّ جهوده موجهة لتحقيق ذلك. فقبل ذلك، في عام 2025، وبالتحديد في شهر آذار، تمّ توقيع اتفاق بين قائد قوات سوريا الديمقراطيّة والجولاني. وفي اليوم التالي لهذا الاتفاق، وإذا جاز التعبير، لم يجف حبر الاتفاق بعد، لتقوم الدولة التركية بالتدخل في دمشق، وأرسلت وزير دفاعها، ووزير خارجيتها، ورئيس جهاز الاستخبارات (MİT) إلى هناك، وأوضحت له كيفيّة تنفيذ هذا الاتفاق.

والآن، يجري العمل على خلق انطباع لدى الرأي العام مفاده أنّ قوات سوريا الديمقراطيّة والإدارة الذاتيّة لشمال وشرق سوريا لم تقبلا أو قامتا بإفشال اتفاق 10 آذار. هذا تشويه كبير للواقع. فالاتفاق المبرم في 10 آذار يتألف من 8 بنود. الدولة التركيّة من جانبها وضعت 7 بنود جانباً، ولكنّ تمسكت ببند واحد فقط ووضعته في خدمة الجولاني. وما هذا البند؟ إنه يتعلّق بقوات الحمايّة الجوهريّة التي قاتلت دفاعاً عن الأراضي التي يعيش عليها الناس اليوم، وعن كرامة سوريا وشعوب سوريا والإنسانيّة جمعاء في مواجهة تنظيم داعش، وحرّرت تلك الأراضي، وأسست قوتها الدفاعيّة الخاصة. هذه القوة الدفاعيّة هي قوة حماية الشّعب الكردي والعربي والعلوي والآشوري والإيزيدي والتركماني والدرزي وسائر الشّعوب. ولو لم تقم هذه القوة بذلك النضال الفريد ضدّ داعش، لما كانت سوريا والعراق والشرق الأوسط، بل وحتّى أوروبا بأكملها، في مأمن من داعش حتّى اليوم. ولهذا السبب، قالوا ضمن إطار اتفاق 10 آذار إنّه ينبغي على هذه القوات أن تتخلى عن سلاحها، وأن تسلّم نفسها، وأن تعتقل، وأنّه طالما هناك دولة (في إشارة لدمشق) فهي التي يجب أن تسلّم لها جميع القوات والأسلحة.

والآن، إن كان هناك اتفاق بالفعل، فإنّه يجب اتّخاذ الخطوات بالتوازي، ويجب أيضاً أن يعترف في الدستور السّوري بحقوق الشّعوب، وبحقوق الشّعب الكردي، ولغته، وثقافته، وإدارته الذاتيّة المحليّة. ولتحقيق ذلك يجب أن تكون هناك آليات ’أخذ وردّ‘ من خلال لجان مشتركة. وهذا أيضاً قد بدأ، وتمّ عقد عدّة لقاءات.

لكنّ ما وقف أمام كلّ ذلك، ورآه العالم كلّه، ليس ادعاءنا فقط، بل كان مرئياًّ للجميع. الدولة التركيّة وحكومة اليوم (حكومة حزب العدالة والتنميّة وحزب الحركة القوميّة) لم تسمح بأن يتحقق ذلك. ففي كلّ مرةً كانوا يقتربون خطوة نحو بعضهم، كان يأتي في اليوم التالي تدخل وعرقلة، إمّا قبل اللقاءات أو بعدها، حيث تصنّف الدولة التركيّة شمال وشرق سوريا “كإرهاب”، وتقول إنّه يجب عليهم فعل ما نقوله نحن. وبهذا الشّكل انهار الاتفاق.

وقبل ذلك بعدّة أيام عقدت لقاءات في دمشق. حضرها قادة قوات سوريا الديمقراطيّة، وممثلو الإدارة الذاتيّة لشمال وشرق سوريا، والصحافة الأجنبيّة مثل “المونيتور”، وكشفوا للرأي العام أنّ هناك تدخلاً في هذه اللقاءات. وحين كانوا يريدون إنهاءها بشكلٍ إيجابي، والتوصل إلى مرحلة التوقيع وإعلان بيان للرأي العام بأنّ هذه القضيّة تتجه نحو الحل، يتدخلون وينهون الاجتماع، ويقولون: “ليتوقف الأمر الآن، نحن سنصدر لاحقاً بياناً آخر"، وعقب ذلك، يصعّدون من وتيرة هجماتهم.

ومن المعروف أنّ هذه الهجمات كانت مخطّطة مسبقاً، وتمّ تنفيذها بهذا الشّكل عند وقتها، وبمساندة الدولة التركيّة وحلفائها، ومن يدعمون الجولاني، فقد شنّت هذه الهجمات بالكامل بأمر منهم. ونحن نعلم جيداً أنّ من أشعل هذه العمليّة هو وزير الخارجيّة التركي. ومن خلال كلامه يظهر بوضوح أنّه يستخدم لغة تمصل في طياتها التهديد والوعيد تجاه الشّعب الكردي. فما الذي يقوله؟ قبل يوم واحد من ذلك، تمّ التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل وسوريا في باريس، لتبادل المعلومات الاستخباراتية بينهما، والحفاظ على كامل جنوب سوريا تحت سيطرتهم، والعمل معاً في ذلك. كما أنّ الدولة التركيّة ستقدّم كلّ أنواعٍ الدعم لإسرائيل، وعلى الرغم من أنّ إسرائيل ارتكبت مجازر كبيرة في غزة، لم تقطع الدولة التركيّة يوماً تعاملها معها أو مفاوضاتها معها. وفي الوقت نفسه، تقول الدولة التركيّة بلا خجل وبلسان مخادع وبموقف منافق "الكرد، وقوات سوريا الديمقراطيّة، يتعاونون ويتحركون مع إسرائيل".

لماذا تتعامل مع الجميع بهذه الطريقة، بينما لا تريد من أحدٍ أن يتواصل مع الكرد أو يقيم علامة معهم، وتسعى في العالم كلّه من خلال هذه الأقوال لتشويه صورة الكرد؟ بهذه الطريقة، يتمّ تسويق الحرب الخاصة. يريدون إثارة الخوف والرعب. أي أنّهم يتصرفون بلا أخلاق أمام الجميع، ويقولون أمام عدسات التصوير: "إنّهم يستحقون ما نفعل بهم، فهم لا يفهمون إلّا بالقوة". ونحن أيضاً نفهمهم جيداً. كما أنّ الشّعب الكردي أيضاً يعرف أصدقاءه وأعداءه جيداً. لذلك، يعرف من يجب أن يتعامل معه ومن يجب أن يحذر منه. ونحن أيضاً ندرك تلك الذهنيّة المستبدة جيداً، ونعرفها منذ مئات السنين. ونعرف المجازر التي ارتكبت في كردستان بأكملها. نعرف مآسي الشيخ سعيد، وسيّد رضا، وواد زيلان، ومدينة حلبجه، وروبوسكي، وشنكال. كما نعرف المجازر التي ارتكبوها بحقّ العلويين في السّاحل وبحقّ الدروز.

ونحن نعرف جيداً من يقف وراء كلّ هذه الأمور ومن يقودها ويتزعمها. هذا الذهنيّة معاديّة لكلّ الشّعوب التي تطالب بالحرّيّة. والقوة التي تتقدّم صفوف الشّعوب السّاعية للحرّيّة هي شمال وشرق سوريا. لقد دفعوا ثمناً باهظاً، فمنذ انطلاق الثّورة، قدّموا 12 ألف شهيد، ويتعرضون يومياً للتهجير من ديارهم وأرضهم. تأمرون بإبادة هذا الشّعب ثمّ تخرجون لتقولوا: هذه “دولة” وأولئك “إرهابيون”. هذه وقاحة وانعدام أخلاق إلى أبعد الحدود. لقد مهّدوا الطريق لهذه الهجمات ودعموها بكلّ قوتهم.

وقد صرّحوا بأنّه إذا تدخلت سوريا، فسوف ندعمها بكلّ الطرق. هذه المرة، اختلقوا مثل هذا الذريعة. لقد فعلوا الشيء نفسه مع داعش في الماضي. ودعموا جميع هجمات داعش على شمال شرق سوريا. وقد تمّ إثبات ذلك بالوثائق. والآن يريدون التستّر على هذه الهجمات. إنّهم يستخدمون ذريعة عدم امتثالهم للاتفاق. لو كان هذا هو الحال حقاً، لكان عليهم التدخل. وبما أنّ لديهم نفوذاً كبيراً على دمشق، كان عليهم جمع الإدارة الذاتيّة وحكومة دمشق معاً والتوسط بينهما. وهذا ما كان مطلوباً منهم. لكنّهم انحازوا إلى طرف واحد بكلّ قوتهم وطالبوا الطرف الآخر بالاستسلام. هناك لعبة في غاية الخطورة تدار حالياً. وقد أصدرت حركتنا بياناً لفتت فيه الانتباه إلى هذه المسألة. أما المسؤولون الأتراك فقد أعلنوا أنّهم يخشون ألّا تقتصر هذه الهجمات على الشّيخ مقصود والأشرفيّة فقط، ويطلقون التهديدات وبذلك يريدون منذ الآن إعلام الجميع بذلك.

وفي الوقت نفسه، يفتحون الطريق لمواصلة هذه الهجمات بشكلٍ أكبر، وحالياً سدّ تشرين أيضاً مطروح على جدول الأعمال. وبالطبع يقولون ذلك صراحةً: "يجب أن تسلّموا كل من لديكم بالكامل، يجب ألّا يبقى أيّ شيء بيد الكرد، هذه التضحيات الكبيرة وهذه الإنجازات التي حقّقتها وانتزعتها بأظافرك من بين أنياب الذئاب وهزمت بها مرتزقة داعش، يجب أن تسلّمها إلى الجبناء. إلّا أنّ هذا الشّعب يعرف تماماً ما يجري، ولن يسلم مكتسباته لأحد.

* نعم، لقد تحدّثتم أيضاً عن أسباب هذا الهجوم، ولكونه مدرجاً على جدول الأعمال كثيراً، وخاصة أنّنا عادةً لا ننظر إلى أيّ هجومٍ على أنّه أمرٌ جرى بشكلٍ مباشر، بل خطّط له مسبقاً، فمن خلال لغة الاعلام العربي والتركي، وحشد هذا الكمّ الكبير من السلاح وآلاف الجنود، أي مرتزقة الدولة التركيّة وحكومة دمشق، يتبيّن للمرء بوضوح أنّ هناك خطّة معدّة، وسؤالي هنا هو: ما دور الأيدي الخارجيّة، ودور الدولة التركيّة تحديداً، في إعداد هذه الخطّة؟

الدولة التركيّة، بحكم تقديم نفسها في هذا الملف، تؤثّر أيضاً في القوى الأخرى، فهي قد وضعت دمشق في موقع الأسير، أي أنّه لا يمكن اتّخاذ أية خطوةٍ هناك من دون تركيّا، ويخطّطان معاً، قبل ذلك قام الجولاني بزيارة إلى الولايات المتحدة، وتمّ التوصل هناك إلى تفاهمات معيّنة، وفي الوقت نفسه ظهر حقان فيدان هناك، وقبل ذلك أيضاً، كما قلنا سابقاً، خرج الأتراك مرةً أخرى في باريس، أي أنّهم يوظّفون موقعهم الجيوسياسي والاستراتيجي، بهذه السّياسة، يتحركون في المنطقة ضدّ السّلام وضدّ العيش المشترك، ولا يؤدّون دورهم وفقاً لمصالح شعوب المنطقة، بل على العكس، لا يلعبون سوى دورٍ قوميّ عنصريّ دولتي يخدم مصالحهم الخاصة فقط، ولهذا فإنّ هذه الخطة التي أعدّوها ستتكشف أكثر فأكثر في الفترات القادمة، في القرن الحادي والعشرين، تعاد رسم الخرائط في الشّرق الأوسط وفي العالم كلّه، وتعاد قسمة المصالح من جديد، وفي قرن اتفاقيّة لوزان، جرى مرّة أخرى تهميش الكرد وإقصاؤهم عن مصالحهم، ففي حرب تحرير تركيّا آنذاك، كان الكرد في طليعة من قاتلوا في الجبهات الأماميّة، لكنّ عندما ذهبوا إلى لوزان قالوا: نحن إخوة ونحن واحد، وقالوا إنّ ممثلي الكرد قد حضروا أيضاً، لكنّ ماذا فعلوا هناك؟ في لوزان أبرموا اتفاقاً، ثمّ عادوا وقرّروا إبادة الكرد، بالقول هناك أخوّة، لكنّ في الفعل مختلف، بهجلي يقول إنّ الكرد والأتراك إخوة، وإنّ دماء الكرد لم تسفك، لكنّهم لا يخجلون، والجميع لا يخجل في هذه العمليّة، ماذا جرى في الشّيخ مقصود والأشرفيّة؟ طفلةٌ بعمر ثمانية أشهر اختنقت بالغاز الكيماوي وماتت، وقتل شيوخ وكبار في السنّ وعشرات الأشخاص، وألقي بالإنسان من الطوابق، سنتوقف عند هذا الأمر بشكلٍ خاص، فليأتي أخ وليقوم بكلّ أنواع انعدام الأخلاق، ثمّ يأتي الآخر ويطأطئ رأسه ويقول ضع السكين على رقبتي، يريدون منّا أن نكون كالحملان أمام السكين، وألّا نرفع صوتنا، لكنّ عندما نرفع صوتنا يتهموننا بالإرهاب، وهذا ما جرى في حلب أيضاً، يريدون ألّا يكون للكرد حقّ الدفاع عن أنفسهم، ولا حقّهم في أن يعيشوا أحراراً، وكأنّ حقوق الشّعوب غير موجودة، القوى الخارجيّة ترى هذا، فلماذا التزمت هذه الدولة الصمت؟ إنّ المشكلة الأكبر للكرد هي أنّهم يتركون بلا حقوق، ولا يمنحون مكانة في الدستور، نحن لا نقبل بذلك، وشعبنا لا يقبل، والنساء لا يقبلن، والإنسانيّة لا تقبل، إنّهم يشعلون نار الفتنة بين الشّعوب، الهجمات على الشّيخ مقصود والأشرفيّة استهدفت وحدة الشّعبين الكردي والعربي، إنّ تحالف الكرد والعرب تحالف تاريخي، ولا يمكن تحميل هذه الهجمات على عاتق الشّعب العربي بأكمله، فالشّعب العربي منذ 11 و12 عاماً يناضل مع الشّعب الكردي في مواجهة هذه الهجمات، معاً نملك قوة سياسيّة وإرادة، وما لا تقوم به الحكومة السوريّة، يتمّ فرضه عليها قولاً وفعلاً، ففي لغة الإعلام العربي يظهر الخطاب الإعلامي التركي بوضوح، وخلف تصريحات الجولاني تقف تصريحات الدولة التركيّة، في حلب ارتكبت إبادة عرقيّة بحقّ الكرد، وقبل ذلك ارتكبت بحقّ العلويين والدروز، يجب أن يرى الشّعب العربي ذلك، هذا الهجوم لم ينفّذه الجولاني وحده، بل حظي بدعم مباشر من الدولة التركيّة، وكأنّ الجولاني رئيس جمهوريّة، يقارنونه بترامب... كانوا يفعلون الشيء نفسه مع صدام حسين، إلى أيّ حدّ هو رئيس الجمهوريّة، إلى أيّ حدّ هو قائد، يرتكب المجازر في أحياء حلب...؟ إنّ حرب إبادة الكرد ينسقها الجولاني بنفسه، ويظهرون هذا للعالم، وبهذا الشّكل يوجهون حكومة الجولاني أيضاً نحو الانهيار.

كما ذكرتم، فإن الوحشية التي ارتكبت في كلا الحيين واضحة للعيان. وهناك تجارب للدولة التركية في هذا المجال، وقد تدخلت وحذرتهم بشكل خاص حتى لا يتم نشر الفظائع التي تحدث هناك. لكن على الرغم من ذلك، ظهرت العديد من المشاهد المؤلمة التي كشفت كيف حاول الأهالي الدفاع عن أنفسهم، لم يكن لديهم سوى قوى الأمن الداخلي، مسلحين بأسلحة خفيفة وفردية، ومع ذلك تعرضوا لهجوم وحشي. ومن بين الأمثلة التي تعدّ وصمة عار على الإنسانية ولا يمكن نسيانها، قيام المرتزقة برمي مقاتلة كانت تدافع عن منطقتها وحاربت حتى اللحظة الأخيرة، وبعد أن نالت الشهادة، قام هؤلاء المرتزقة بإلقائها من أعلى المبنى. ما الذي تودّون قوله حيال هذه المشاهد؟

في الحقيقة لا أعرف بعد أيّ رفيقة كانت تلك، إنها ملاك الحرية. إنها آلهة، وأنا أستذكرها بكل احترام وتقدير وامتنان. فالتي ألقي بها هناك لم تكن مجرد رفيقة، بل كان ذلك ضمير الإنسانية نفسه. لم يعد هناك مجالٌ للكلام، انتهى الكلام. هذا الأمر يشكّل رسالة موجّهة للنساء الساعيات إلى الحرية، كما يحمل عبرةً لكل نساء العالم. إنها رسالة إلى كل من تناضل من أجل الحرية تقول: إنهم ينتقمون. وإلى جميع النساء تقول: إنك ستقفين في مواجهة نظام “القاتل المتعمد”. وفي التاريخ تقال هذه العبارة: “أنا القاتل المتعمد عن سبق إصرار”، “لقد وصلت إلى هذا العالم على هذا النحو”، “والسماء لله، أما الأرض فهي للدولة، وأنا السلطة الحاكمة صاحبة القرار هنا، وعليك أن تخضعي لأوامري”. إنهم يريدون إعادة فرض هذه الفلسفة في كل هذه الجغرافية.

لكن هذا لا يظهر قوتهم، بل يكشف عن خوفهم. فمن حقق الانتصار هناك، هو روح المرأة الحرة، كرامة الشعب الكردي وكردستان، وكرامة شعب المنطقة، وجميع شعوب ونساء العالم. فليعلم الجميع أن هذه الرفيقة النبيلة هي آلهة الحرية لجميع النساء. لم ينجح صدام حسين في إعدام ليلى قاسم. رأينا صدام حسين يعدم فتاة كردية في عام 1974 لتخويف النساء. فيما ظهر في مقاومة الشيخ مقصود والأشرفية، اسم ليلى قاسم مرة أخرى إلى الواجهة. أما في إيران، حاولوا إنقاذ أنفسهم من الانهيار والسقوط بإعدام شيرين علم هولي، لكن اليوم، هناك الملايين من شيرين علم هولي في الشوارع. بعبارة أخرى، لقد ثبت ذلك عشرات المرات. كما لم تستطع الدولة التركية، بقتلها النساء، سفيه، وباكيزا، وفاطمة، وكذلك رائدات النضال التحرري سارا، وروجبين، وليلى، وآفين، أن تضع حداً لذلك. بعبارة أخرى، كلما أصروا على هذه الممارسات، كلما أصبحنا أكثر تصميماً في نضالنا. 

من يقومون بهذه الممارسات الوحشية ليسوا سوى عناصر ومرتزقة داعش. إنهم ينتقمون لداعش. لهذا السبب، يجب على شعوب كردستان، ونساء شمال شرق سوريا، وجميع النساء سوريا أن يعرفوا ويدركوا هذا الأمر. فوفقاً لدستور الجولاني، ينبغي أن تكون المرأة مجرد خادمة وعبدة فقط داخل المنزل. ولم يرغبوا في منحها مكاناً في اتفاق 10 آذار، وهم ينتقمون ممن يخضن النضال. إنهم ينتقمون بقولهم إنكم تفتحون أعين النساء وترفعون وعيهن وتجعلون بأن يكون لديهن إرادة. لقد رأت النساء العربيات ما حدث في منبج ودير الزور، وما لحق بهن؛ هذه الذهنية المستبدة هي ذهنية السلطة الحاكمة.

لهذا السبب، فإن هذه الوحشية لا تظهر قوتهم، بل على العكس من ذلك، تظهر مدى ضعفهم ومدى بؤسهم وعجزهم. ’إنهم عاجزون وبائسون‘، فهم يريدون من خلال هذا أن يوضحوا موقفهم. وبهذه الطريقة يسعون إلى تضخيم الخوف لديهم. فليعلم هؤلاء المجرمون جيداً أنهم لن يتمكنوا أبداً من عرقلة حرية النساء. فهذه العقلية القاتلة تقمع النساء منذ آلاف السنين. لقد أصبحت النساء الآن قوة منظمة من خلال الفكر والفلسفة، وقوة للدفاع عن النفس. يجب على جميع النساء أن يتعلمن من هذه الفظائع التي وقعت في حلب، وأن يعززن دفاعهن عن النفس، وأن ينظمن أنفسهن، وأن يعززن وحدتهن، وأن يكنّ فاعلات وسياسيات، وينبغي أن يعلمن كيف يدافعن عن أنفسهن، ولا يوجد كائن حي عاجز عن الدفاع عن نفسه. ففي الشيخ مقصود والأشرفية دافعن عن أنفسهن وشعبهن. لم يكن لديهن سوى أسلحة فردية، ومع ذلك اخترن المقاومة بكرامة لحماية شعبهن. لهذا السبب، فإن الدفاع عن النفس هو أهم شيء بالنسبة للنساء في هذه المرحلة.

فمن فنزويلا إلى أوكرانيا، إلى فلسطين، من الذي يتعرض للقتل في جميع الحروب؟ النساء من يتعرضن للقتل. ملايين النساء يعشن في ظل القتل والإبادة. ولهذا السبب يريدون القضاء على الفكر والفلسفة التي طرحها القائد آبو، والانتقام منا. فمن يتولى قيادة هذه الأيديولوجية والنظام والتنظيم والقوة وغيرها، هي حركة التحرر النسائية الكردستانية. ولهذا السبب يهاجمونها بوحشية ويحاولون سحقها. لكنهم لن يستطيعوا تحقيق أي نتيجة. النتيجة ستكون دائماً لصالح القوة المقاومة والمنتفضة. وقد أثبت التاريخ ذلك.

* سؤالي الأخير يتعلق بإيران وشرق كردستان، تشهد إيران وشرق كردستان حالياً انتفاضة شعبية عارمة، يشارك فيها الشعب الكردي، كيف ينبغي للشعوب أن تخوض النضال ضد أي هجوم يستهدف الشعب الكردي وشعوب المنطقة؟ وما أهمية الوحدة الوطنية خلال هذه الفترة؟

تشهد إيران وشرق كردستان انتفاضةً ثوريةً منذ نحو عشرين يوماً، وخلال الأيام القليلة الماضية، انقطعت الأخبار تماماً، وبحسب ما ورد في وسائل الإعلام، فقد قتل واستشهد الآلاف، واعتقل عشرات الآلاف وتعرضوا لمجازر جماعية، وقد أدى نقص المعلومات إلى حالة من القلق، لماذا تحدث هذه الأمور؟ كما ذكرنا سابقاً، كما تجلى في تركيا وسوريا وإيران، فإن هذه الأنظمة، بهذه العقلية، عاجزة عن حل مشكلات مجتمعاتها، إن إخضاع الشعوب بالعنف والإعدامات والمجازر والحرب سيؤدي حتماً إلى انفجارٍ كهذا يوماً ما، يبدو أن كل نظام لا يتعلم من تجاربه إلا بعد أن يقع، هو نفسه ضحيةً لها، فأي قوة، وأي دولة استبدادية، وأوليغارشية، وعنصرية، وإبادة جماعية، ستصمد طويلًا؟ لقد حلت أيام الانتفاضة الكبرى، إن سياسة الشعب الإيراني حاضرة بقوة، لطالما عبّرت عن آرائها، وناضلت، وما زالت مستمرة في إحداث تغييرات وتحولات من أجل حقوق الشعب ووحدته ومصالحه، ومن أجل إرساء الديمقراطية، لكن تجاهل كل هذا والاستمرار على هواهم ليس كافياً، إذا كانت الأخبار المتداولة حالياً في وسائل الإعلام صحيحة، فكيف سيحافظ النظام على سلطته في ظل هذا المجتمع؟ كيف سيبقى في السلطة بعد ارتكابه مجازر بحق آلاف الأشخاص.

يجب على هذا النظام أن يراجع نفسه، إذا كان ملايين الأشخاص في جميع المحافظات والمدن والبلدات -جميع الشعب الإيراني، فرساً كانوا أم أذربيجانيين أم بلوشاً أم كرداً، وجميع شرائح المجتمع، عمالاً كانوا أم فلاحين أم مثقفين أم طلاباً- يخرجون إلى الشوارع، وهم جميعًا تحت تأثير قوى أجنبية، فكيف سيحافظون على سلطتهم؟ بعبارة أخرى، إذا كان مجتمعكم بأكمله مرتبطاً بقوى أجنبية، فقد فقدتم شرعيتكم في هذا الوقت، لقد وجّهت هذه التحذيرات مراراً وتكراراً، لكن النظام لم يأخذها على محمل الجد، بعد اغتيال جينا أميني عام ٢٠٢٢، ازداد وعي النساء، وانتفضن، فماذا حدث بعد ذلك؟ لا يزال من شاركن في تلك الاحتجاجات يعدمن حتى اليوم، لم يتخذ النظام أي خطوة، ولم يجر أي تغيير، وقد تسبب هذا في فقر مدقع للشعب، حتى بات عاجزاً عن تدبير أموره، أقدّم هنا مقترحاتنا بشأن ما يطلب من إيران؛ فنحن لم نؤيد قط أي تدخل أجنبي في شؤون أي بلد، لأننا  حركة ديمقراطية اشتراكية ثورية، يعيش ملايين الكرد وأصدقاؤهم في إيران، يناضلون من أجل الديمقراطية والحرية والمساواة، لم يكونوا يوماً مؤيدين للتدمير، لكن هذا لا يمكن تحقيقه بالاستبداد، يجب على إيران أن تستمع لمطالب شعبها، وأن تبادر فوراً إلى إحداث التغيير والتحول اللازمين، إذا لم تفعل، فسيكون للشعب الكلمة الأخيرة، لذا، ونظراً للتطورات الجارية في إيران وشرق كردستان، يواجه شعب كردستان أيضاً مخاطر جسيمة هناك، إذ نعلم أن سياسة إبادة جماعية تمارس ضد الكرد، وقد أدلت الأحزاب الكردية بتصريحات لوسائل الإعلام، وتابعنا الوضع من خلالها، لكننا لا نعلم على وجه التحديد المرحلة التي وصل إليها الوضع، وفي خضم هذه الأحداث، يسعون لحماية الشعب الكردي معاً، ولإسماع صوتهم بشكل أكبر، وهذا أمر بالغ الأهمية، يجب على الشعب الكردي بأكمله، داخل البلاد وخارجها، من السجون إلى جميع المناطق، أن يكون متيقظًا خلال هذه العملية. تمثل الهجمات على شمال وشرق سوريا، والعملية الجارية في شمال كردستان، والانتفاضات الحالية في شرق كردستان وإيران، فرصاً عظيمة للشعب الكردي، وشعوب المنطقة، وجميع النساء للمطالبة بحقوقهن، ولكن ثمة مخاطر أيضاً، إذا لم يتوحد الشعب الكردي، وأصدقاؤه، والشعوب التواقة للحرية، بقوة، وإذا لم يتخذوا الموقف نفسه، وإذا لم ينظموا الفعاليات نفسها، فإن خطراً كبيراً يهدده، ونحن نوجه هذا التحذير إليه، لقد تجلّى موقفه بوضوحٍ تام في المجازر التي وقعت ولا تزال مستمرة في الأشرفية والشيخ مقصود، إننا نعتبر هذا الموقف مقدساً ونحييه، لكن ينبغي ألا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يجب أن يتحول إلى موقف وطني، ودفاع وطني، ودبلوماسية وطنية، على سبيل المثال، بعض الأمور تسعدنا، بينما تثير أخرى شكوكنا، شعب جنوب كردستان شعبٌ كريم، ونحن نحترمه لما عاناه من معاناةٍ شديدة، كمجزرة الأنفال ومجزرة حلبجة، لقد دافعوا عن منطقتهم، وعبّر السياسيون الكرد عن آرائهم بصراحة، لكن من المثير للاهتمام أنه عندما قدم الجولاني، مرتكب مجزرة الأشرفية، الشكر لمن ساندوه، كان من بينهم حزب سياسي، بما في ذلك زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود البارزاني، عليه أن يفسّر هذا، بصفتي امرأة، مقاتلة ومناضلة أتساءل: لماذا يشكر من ارتكب المجزرة؟ أقول هذا باسمي وأطالب بتوضيح الأمر، لقد أخليت الأشرفية والشيخ مقصود من الكرد؛ ونفذت عمليات تطهير عرقي، عندما صدر البيان، ابتهج جميع الكرد، ولكن ما الذي شعر به الشعب الكردي من هذا الشكر والامتنان؟ لا أريد أن أقول أشياءً مختلفة؛ فهناك أمور مختلفة تنفذ، يجب أن تعرف الخطط والمشاريع التي تنفذ، لذلك، إذا لم يرغب أحد في التواطؤ في هذه الذنب، ويريد اتباع سياسة عادلة تجاه الشعب الكردي، فعليه أن ينحي جانباً المصالح الحزبية، عليه أن يعطي الأولوية لوحدة ومصالح الكرد في جميع أنحاء كردستان، وينطبق هذا أيضاً على شعب شرق كردستان وإيران.

لمنع تكرار معاهدة لوزان، واتفاقية الجزائر والاتفاقيات الأخرى التي عقدت ضد الكرد، يجب على السياسة الكردية التحرك، وعلى الجميع إدراك خطورة هذه العملية، إما أن ننتصر، أو سننتصر، وإلا، فستكون النتيجة إبادة جماعية، هذه المرحلة فريدة من نوعها، من هذا المنطلق، نؤكد مجدداً على ضرورة يقظة شعبنا، ندعو جميع أبناء شعبنا؛ فالمقاومة في الشيخ مقصود والشهداء هناك دافعوا عن كرامة شعب كردستان والإنسانية جمعاء، دعوتهم لنا جميعاً هي الوحدة والتكاتف، لا الدموع، ولا الحزن، ولا الألم فحسب، لطالما قلت، وأؤمن إيماناً راسخاً، أن أعظم المعاناة قد تمهد الطريق لانطلاقات عظيمة، نعم، لقد عانينا، وعانى شعبنا، وعانى أصدقاء شعبنا، وعانت النساء معاناة شديدة، ولكن لمنع تكرار ما حدث في الشيخ مقصود والأشرفية، لا بد من اتخاذ إجراءات، الآن هو وقت العمل الجاد لا الكلام، ووقت إحباط جميع مخططات العدو.

(ل م)