الفروات اليدوية في الرقة: إرث يتحدى الزمن

تقاوم مهنة صناعة "الفروات" اليدوية من جلد الغنم، عوامل الزمن، في إقليم شمال وشرق سوريا، وتحديداً في مدينة الرقة وضواحيها، على الرغم من أن عدد العاملين بها لا يتجاوز شخصين فقط.

الفروات اليدوية في الرقة: إرث يتحدى الزمن
الفروات اليدوية في الرقة: إرث يتحدى الزمن
الفروات اليدوية في الرقة: إرث يتحدى الزمن
الفروات اليدوية في الرقة: إرث يتحدى الزمن
الفروات اليدوية في الرقة: إرث يتحدى الزمن
الفروات اليدوية في الرقة: إرث يتحدى الزمن
الفروات اليدوية في الرقة: إرث يتحدى الزمن
الفروات اليدوية في الرقة: إرث يتحدى الزمن
الفروات اليدوية في الرقة: إرث يتحدى الزمن
الفروات اليدوية في الرقة: إرث يتحدى الزمن
الفروات اليدوية في الرقة: إرث يتحدى الزمن
الفروات اليدوية في الرقة: إرث يتحدى الزمن
الفروات اليدوية في الرقة: إرث يتحدى الزمن
الفروات اليدوية في الرقة: إرث يتحدى الزمن
الفروات اليدوية في الرقة: إرث يتحدى الزمن
الفروات اليدوية في الرقة: إرث يتحدى الزمن
الفروات اليدوية في الرقة: إرث يتحدى الزمن
الفروات اليدوية في الرقة: إرث يتحدى الزمن
الإثنين 29 كانون الأول, 2025   05:00
الرقة
أنس محمد

في زاوية صغيرة من ورشته البسيطة بسوق القوتلي في مدينة الرقة، يجلس الحرفي مصطفى الشلح ، وقد تجاوز الثمانين من عمره، منكّباً على قطعة جلد غنم يثبتها أمامه، بيده اليمنى يمسك الإبرة، بينما في إصبعه الأوسط قطعة معدنية نصف دائرية تُعرف محلياً باسم الكشتبانة، تساعده على دفع الإبرة داخل الجلد السميك دون أن تؤذي أصابعه. حركة متكررة، هادئة، لكنها تحمل في طياتها خبرة ستين عاماً من العمل اليدوي، وكأنها حكاية تراث حي يتحدى الاندثار.

هذه الحرفة التي كانت يوماً منتشرة في القرى والبوادي، أصبحت اليوم على وشك الاندثار، لكنها ما زالت تحمل قيمة تراثية وثقافية كبيرة.

حكاية أبو محمد مع الفروة 

الحرفي مصطفى الشلح (أبو محمد)، من معرة النعمان في الريف الجنوبي لإدلب، بدأ العمل في هذه المهنة منذ أكثر من ستين عاماً. انتقل إلى الرقة عام 1990، ومنذ ذلك الحين أصبح من أبرز صانعي الفروات في المنطقة.

 يقول أبو محمد: "منذ صغري وأنا أعمل بصناعة الفروات يدوياً، كنت أركز على صناعتها وتعلمها خطوة بخطوة من والدي.أتيت إلى مدينة الرقة عام 1990، وبدأت العمل في صناعة الفروات في سوق القوتلي أحد أقدم أسواق الرقة، وأصبحت ورشتي معروفة بين سكان المنطقة، اليوم لم يبقَ غيري أنا وجاري في المحل نعمل بهذه الحرفة، بس الحمد لله ما زلنا محافظين عليها".

أما عبد الوهاب الفرواتي أحد حرفيي صناعة الفروات يدوياً، يقول: "أصبحنا معروفين بالنسبة لأهالي الرقة وضواحيها، لا يوجد أحد غيرنا يعمل في هذه المهنة".

مراحل دقيقة وصعبة 

يشرح مصطفى الشلح مراحل صناعة الفروة قائلاً: "إن أساس عملنا هو شراء الجلود من المسلخ أو من مربي المواشي، ثم نقوم بوضع كميات كبيرة من الملح عليها ونعرضها للشمس ليومين أو ثلاثة، ثم نغسلها ونكرر عملية الغسل باستخدام غسالات خاصة، ومن بعدها نقوم ببشر الجلود بواسطة آلة يدوية صنعناها بأنفسنا، ما يجعل الجلد جاهزاً للعمل ويظهر بجودة مختلفة.

ويضيف: "الناس اليوم، يرون الفروة التي نقوم بصناعتها قطعة تراثية، أكثر من كونها لباس، لكن الرعاة ما زالوا يطلبونها، لأنها تحفظهم من برد الشتاء وتعطيهم هيبة بين أهل البادية".

بعد تحضير الجلد يقوم أبو محمد وابنه محمد بقص الجلود بشكل يتناسب مع الشكل المراد تصميمه، من ثم تبدأ عملية الخياطة.

والأدوات المستخدمة في الخياطة، خيط نوعية ممتازة والكشتبانة وإبرة ألمانيا تكون برأس مثلث يساعد في شق الجلد وإدخال الخيط فيه.

يقول العم أبو محمد: "هذه المهنة تحتاج لصبر طويل وحركات بسيطة وهادئة كون العمل كله يدوي ولا توجد آلات تدخل في صناعة الفروات التي ننتجها".

أسعار الفروات وأنواعها

ويختلف سعر الفروة، حسب نوعها والفراء المستخدم في صنعها، فمثلاً فروة الطّلي بين 500 إلى 800 دولار أمريكي، وتعدّ من أغلى أنواع الفروات لأنها تحتاج كمية كبيرة من الجلود التي تجمع من الخراف الصغيرة.

أما فروة الرعياني والوردي يراوح سعرها بين 10 إلى 30 دولار أمريكي، ويرتديها رعاة الأغنام لدفئها.

البعد الاقتصادي 

على الرغم من بساطة الأدوات، فإن صناعة الفروات تسهم في دورة اقتصادية محلية، حيث يعتمد أبو محمد وزميله على شراء الجلود من المسالخ والمربين، ثم إعادة بيعها كمنتجات جاهزة، ومع ارتفاع أسعار الجلود، أصبحت الفروة سلعة شبه فاخرة، لكنها ما زالت مطلوبة لدى الرعاة والبدو الذين يعدّونها جزءاً من حياتهم اليومية.

الحرفي عبد الوهاب فرواتي جار العم أبو محمد يوضح: "هذه المهنة تعتمد بالكامل على مواد طبيعية بسيطة، مثل الملح واللبن أو مادة "الشبة"، دون أي استخدام للمواد الكيميائية، ما يجعلها صناعة نقية وصديقة للبيئة.

عبد الوهاب يؤكد أن هذه المهنة اليدوية كانت مصدر رزق لعائلات كثيرة في المنطقة، لكنها اليوم تواجه منافسة كبيرة من المنتجات الجاهزة القادمة من خارج المحافظة، الأمر الذي أثّر على حجم المبيعات بشكل واضح.

ويصر الفرواتي على الاستمرار في هذه المهنة التراثية التي تكاد تندثر، مشيراً إلى أن الحرفيين المحليين هم وحدهم الذين ما زالوا يحافظون عليها في إقليم شمال شرق سوريا، في وقت باتت الأسواق تعتمد بشكل أكبر على المنتجات الصناعية المستوردة".

البعد الاجتماعي والثقافي 

الفروة ليست مجرد لباس شتوي، بل رمز من رموز الهوية العربية البدوية، وارتداؤها يعكس الانتماء إلى الأرض والتراث، واستمرار هذه المهنة على الرغم من ندرتها يعكس تمسك الحرفيين بتراثهم، وإصرارهم على توريثها للأجيال القادمة. 

خطر الاندثار 

قلة العاملين في هذه المهنة جعلتها مهددة بالاندثار، ومع ذلك، يصر أبو محمد وزميله على أن صناعة الفروة يدوياً ستبقى رمزاً من رموز التراث المحلي، حتى لو اقتصرت صناعتها على عدد محدود من الحرفيين.

(أ)

ANHA