مكوّنات سوريا في مواجهة خطاب الكراهية.. فجوة بين التصريحات الرسمية والواقع

تواجه سوريا في المرحلة الانتقالية تحديات في السلم الأهلي وسط تصاعد خطاب الكراهية، مع فجوة بين تصريحات الحكومة الانتقالية حول نبذ هذا الخطاب والواقع الميداني، فيما احتفالات رسمية عززت التحريض ضد مكونات سورية من كرد ودروز وعلويين.

مكوّنات سوريا في مواجهة خطاب الكراهية.. فجوة بين التصريحات الرسمية والواقع
الجمعة 19 كانون الأول, 2025   05:00
مركز الأخبار

المرحلة الانتقالية الحالية في سوريا أمام تحديات كبرى تتعلق بإرساء السلم الأهلي والتعايش بين مكوناتها المتعددة، في ظل تصاعد حوادث وبلاغات تتعلق بما يُعرف بـ "خطاب الكراهية". وقد أثارت هذه الظاهرة تساؤلات حول مدى التزام الحكومة الانتقالية ووسائل الإعلام التابعة لها بالتزامها ببند نبذ خطاب الكراهية، وفيما إذا كانت التصريحات الرسمية تعكس موقفاً واضحاً حيال هذه القضية الجوهرية.

وأبر ما يحد من هذا التوجه، وجاء مكتوباً، هو البند الـ 7 ضمن الاتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الانتقالية، والذي ينص على "رفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بث الفتنة بين جميع مكونات المجتمع السوري."

ورغم إعلان الحكومة الانتقالية مشروع "قانون للعدالة الانتقالية" وتشكيل "لجان للتحقيق" في أعمال العنف في مختلف المناطق السورية، لا سيما في الساحل والسويداء. إلا أن هذه الإجراءات لم تُبرز بشكل صريح بنداً خاصاً بمكافحة خطاب الكراهية، الأمر الذي دفع مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إلى التحذير من استمرار الانتهاكات التي تشمل تصاعد خطاب الكراهية في سوريا.

وقد برزت أمثلة ملموسة على استمرار خطاب الكراهية من خلال تصريحات بعض المسؤولين في الحكومة الانتقالية، والمحسوبين عليها من على منابر الحكومة في عموم مناسباتها، أبرزهم المتحدث السابق المتحدث باسم لجنة الحوار الوطني السوري حسن الدغيم، الذي أطلق سلسلة من التصريحات الانتقائية ضد قوات سوريا الديمقراطية وضد المتظاهرين في الساحل السوري، وكذلك ضد الدروز المطالبين بحق تقرير المصير، متجاوزاً حدود النقد السياسي إلى لغة تحريضية تهدد السلم الأهلي.

وفي إشارة تعكس بدء تفشي هذه الذهنية، ما تداوله نشطاء من مشاهد مصورة لإمام جامع في جوبر وهو يفتي بقتل وقطع أعناق المطالبين بالفيدرالية، خلال خطبته الجمعة الفائتة.

وبالموازاة، تستضيف برامج قناة "الإخبارية السورية" الرسمية التابعة للحكومة، ضيوفاً استخدموا منصاتهم لبث رسائل عدائية ضد مكونات مثل الكرد والدروز والعلويين، ما أسهم في تأجيج الانقسامات الطائفية والمناطقية.

كما يتجلّى الخطاب نفسه خلال احتفاليات رسمية ترعاها الحكومة، منها احتفالية في دير الزور عرفت بانها بمناسبة "تحرير سوريا" حيث تم تبنّي متزعمين في وزارة دفاع الحكومة الانتقالية عبر مخاطبتهم للحضور، شعارات ومواقف مباشرة تستهدف مكونات شمال وشرق سوريا، مع التركيز على الإساءة لمجتمعات الكرد والدروز والعلويين.

في حين شهدت العاصمة دمشق وقفات متفرقة رفع خلالها مشاركون لافتات تضمنت رسائل كراهية صريحة ضد هذه المكونات.

هذه الوقائع تشير إلى أن خطاب الكراهية ليس محصوراً في تصريحات فردية، بل يرتبط أيضاً بالممارسات الإعلامية والرسمية للحكومة الانتقالية، ويعكس فجوة بين الخطاب العام حول التعايش، وبين الواقع الميداني الذي يواجهه السوريون يومياً.

وفي المقابل، انتقدت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في بيان، الحكومة الانتقالية، مؤكدةً أن بعض التجمعات والاحتفالات التي دعت إليها قد رافقها خطاب تحريضي وعدائي ضد مكونات مثل الشعب الكردي، وهو ما وصفوه بأنه "خطاب كراهية" يُشكل تهديداً للسلم الأهلي.

بيان قسد أدان الهتافات التحريضية الصادرة عن مجموعات مسلحة تابعة لوزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية خلال احتفالات رسمية، معتبراً أن ما جرى "يتجاوز الانفعال الفردي" ويعبّر عن ممارسات تستحضر عقلية التحريض والكراهية التي عانى منها السوريون لعقود، ما يضع الحكومة الانتقالية أمام مسؤولية واضحة: إما تبنّي هذه الخطابات أو الإقرار بعجزها في ضبطها.

وبالمثل، أصدرت عدة أحزاب كردية بياناً أعربت فيه عن قلقها من الخطاب العنصري الذي ظهر في بعض الفعاليات التي دعا إليها أحمد الشرع، معتبرة أن هذه المنصات استُخدمت لبث الكراهية واستهداف الكرد ومكونات سورية أخرى، وداعية الحكومة الانتقالية إلى اتخاذ موقف واضح وحازم في رفض مثل هذه الخطابات.

هذه الردود تأتي في سياق نقد واسع، يحذر من انتشار خطابات كراهية في المجتمع، مع التأكيد على ضرورة وجود قوانين واضحة لمكافحة التحريض الإعلامي والطائفي.

وتشير تقارير من منظمات سورية إلى أن غياب إجراءات رسمية فاعلة يعزز استمرار التحريض والكراهية، وأن الضبط القانوني للمحتوى الإعلامي والتحريض لا يزال متأخراً مقارنة مع الخطاب الرسمي الذي يُعلن الالتزام بالتسامح الوطني.

من جهة أخرى، تركز وسائل الإعلام التابعة للحكومة الانتقالية على جهود الحكومة الفضفاضة فيما يسمّى ببناء مؤسسات الدولة والعدالة الانتقالية، دون تناول مباشر وواضح لبند مكافحة خطاب الكراهية ضمن السياسات الإعلامية الرسمية.

هذا الفراغ يسهم في استمرار اتهامات من مكونات مجتمعية بأن الحكومة لم تُطبّق حتى الآن آليات واضحة لمواجهة التحريض الكلامي والطائفي.

وهو ما يؤكّد أن الحكومة الانتقالية، في هذه المرحلة الحساسة، لم تتبنَّ بعد بشكل صارم ومباشر بند نبذ خطاب الكراهية، إذ لا تزال هناك فجوة واضحة بين التصريحات العامة حول السلم الأهلي والوقائع الميدانية والإعلامية التي تكشف عن استمرار هذا الخطاب المثير لقلق السوريين، الأمر الذي يستدعي تطويراً فعلياً في السياسات والإجراءات التنفيذية لمكافحة هذه الظاهرة.

(ع م)