في ذكرى تحرير شنكال.. بطولات المقاومة وتحديات الإدارة الذاتية

تمرّ الذكرى السنوية لتحرير مدينة شنكال من مرتزقة داعش وسط مشاعر فخر ووجع، إذ يستعيد الإيزيديون ومعهم شعوب المنطقة واحدة من أعظم ملاحم المقاومة الإنسانية في التاريخ الحديث.

في ذكرى تحرير شنكال.. بطولات المقاومة وتحديات الإدارة الذاتية
الخميس 13 تشرين الثاني, 2025   09:36
مركز الأخبار

في الثالث عشر من تشرين الثاني عام 2015، تمكنت وحدات مقاومة شنكال (YBŞ) وقوات الدفاع الشعبي (HPG)، إلى جانب وحدات حماية المرأة – شنكال (YJŞ)، من تحرير المدينة بالكامل، منهيةً أكثر من عام على احتلال المرتزقة الذين ارتكبوا إبادة بحق المجتمع الإيزيدي بعد هجومهم على القضاء في 3 آب 2014.

جاء تحرير شنكال ثمرة لتنظيم قوي انتهجه الإيزيديون بعد الهجوم، في مواجهة المجازر والاختطافات التي طالت النساء والأطفال.

وخلال تلك المحنة، انطلقت قوات الدفاع الشعبي من جبال كردستان ووحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة من روج آفا لفتح ممر إنساني عبر جبل شنكال لإنقاذ عشرات الآلاف من المدنيين المحاصرين، في واحدة من أكبر العمليات الإنسانية في التاريخ المعاصر.

لاحقاً، شكل أبناء وبنات شنكال وحدات مقاومة خاصة بهم (YBŞ) وYJŞ) ) لتحرير قراهم والدفاع عن أرضهم، لتصبح هذه الوحدات رمزاً لإرادة الإيزيديين في تقرير مصيرهم وحماية مجتمعهم.

ومنذ ذلك الوقت، لم تتوقف محاولات بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني والجيش العراقي عن التوغل في شنكال، ما أدى إلى استشهاد وإصابة عدد من الإيزيديين الذين رفضوا تلك المحاولات وأصروا على حماية منطقتهم بإرادتهم الذاتية.

رؤية القائد عبد الله أوجلان

أكّد القائد عبد الله أوجلان في أكثر من مناسبة أن مستقبل المجتمع الإيزيدي مرهون بوجود كيان ديمقراطي خاص يُعبّر عن إرادته وهويته، محذراً من الأخطار التي تحدق بشنكال وسكانها.

ودعا إلى التمسك بمبدأ الحماية الذاتية وتعزيز مشروع الإدارة الذاتية بوصفه الضامن الحقيقي لبقاء الإيزيديين في وجه الإبادة والاحتلال.

وفي "نداء السلام والمجتمع الديمقراطي"، قال القائد عبد الله أوجلان إن المشروع الديمقراطي هو الرد العملي على المجازر الـ 73 التي ارتُكبت بحق الإيزيديين، مضيفاً: "من أجلهم بدأت النهضة، ويجب أن تستمر بإرادة الشعوب وتنظيمها الذاتي"

كما وجّه في رسالة للمؤتمر التثقيفي الذي عقد في شنكال بتاريخ 17 تموز 2025: "يمثل نضال الإيزيديين اليوم، دليل الطريق لنا جميعاً، صوتهم هو صوت المتعطشين إلى الحرية، لذا، فإن حماية الشعب الإيزيدي على أساس حماية جوهره هو موقف ينبع من الضمير الإنساني.

من حق الإيزيديين الطبيعي أن يبنوا نظامهم الخاص لكي يعيشوا بحرية وبهويتهم وإيمانهم، لا الدول السلطوية ولا المفاهيم القومية الضيقة تعترف بهذا الحق، لذا يكمن في نظام يقوم على المساواة وأخوة الشعوب، حيث يستطيعون إدارة أنفسهم"..

الإدارة الذاتية في شنكال

انطلاقاً من هذا المفهوم، شرع أهالي شنكال في تأسيس إدارة ذاتية بدأت بمجلس تأسيسي عام 2015، لتنظيم المجتمع من القاعدة إلى القمة عبر المجالس والمؤسسات المدنية. وقد تحوّلت هذه الإدارة إلى ضمانة للاستقرار والدفاع المشروع، بعد التجارب القاسية التي مرّ بها الإيزيديون نتيجة تركهم دون حماية.

ورغم الصعوبات، تمكنت مؤسسات شنكال من إعادة الخدمات، على الرغم من الإهمال الكبير من الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، كما أسهمت في تنظيم الحياة الاجتماعية في القرى والبلدات المحررة.

السياسات المعادية لإرادة شنكال

منذ تأسيس الإدارة الذاتية، واجهت شنكال ضغوطاً سياسية وعسكرية من أطراف عدة، أبرزها الحزب الديمقراطي الكردستاني (PDK)، والحكومة الاتحادية العراقية، إضافةً إلى دولة الاحتلال التركي. ويُحمَّل الحزب مسؤولية ممارسة سياسات الحصار والتضييق على أهالي شنكال، فضلاً عن محاولات منع الاعتراف بالإدارة من قبل الحكومة الاتحادية العراقية بإملاءات تركية.

وكانت اتفاقية شنكال الموقَّعة في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2020 بين الحزب الديمقراطي والحكومة العراقية، تحت مسمى "تنظيم الأمور الأمنية والإدارية في شنكال"، من أكثر ما أثار استياء الإيزيديين، إذ عدّوها فرماناً جديداً باسم القانون، وأعلنوا رفضهم لأي اتفاق لا يراعي إرادتهم الذاتية.

ولم تتوقف الضغوط عند هذا الحد؛ فقبل الاتفاقية وبعدها، تعرّض القضاء لهجمات جوية تركية متكررة بدأت في نيسان/أبريل 2017، بالتزامن مع محاولات توغّل من قبل الجيش العراقي.

الإرادة مستمرة رغم التهديدات

منذ عام 2015، يتعامل الإيزيديون مع الخلاص من داعش كبداية لمسار طويل نحو الإدارة الذاتية والاعتراف بالحقوق.

ورغم استمرار التهديدات الخارجية، ما زالت وحدات المقاومة وقوات آساييش إيزيدخان تحافظ على استقرار المنطقة وتمنع عودة الإرهاب، في ظل وعي شعبي متزايد بأهمية التنظيم والدفاع الذاتي.

وفي الرسالة نفسها التي وجهها القائد عبد الله أوجلان للمؤتمر التثقيفي في شنكال، يقول:

"يجب على الجميع إدراك أن الإيزيديبن ليسوا وحدهم. تعرضوا إلى 73 مجزرة حتى يومنا هذا، مع مسيرة السلام والمجتمع الديمقراطي التي نسير فيها، لن يتكرر أي مجزرة(إبادة) بعد اليوم، لقد انتهى زمن الإبادات، ووجودهم هي قضية كرامة لكل من يسعى إلى السلام والأخوة في هذه الجغرافيا".

لذا فإن بين رمزية التحرير وتحديات الحاضر، تبقى شنكال عنواناً للمقاومة والإرادة الحرة.

لقد دفع الإيزيديون أثماناً باهظة ليصلوا إلى مرحلة امتلاك قرارهم، واليوم يؤكدون أن تحرير الأرض لا يكتمل إلا بتحرير الإرادة.

(سـ)