منبج تئنّ تحت وطأة إجرام الاحتلال التركي ومرتزقته 

تئنّ مدينة منبج وريفها تحت وطأة الجرائم والانتهاكات التي يرتكبها مرتزقة الاحتلال التركي منذ احتلالها، وتشهد المدينة انتشاراً غير مسبوق للسلاح والمخدرات.

منبج تئنّ تحت وطأة إجرام الاحتلال التركي ومرتزقته 
السبت 25 تشرين الأول, 2025   03:30
الطبقة

يعيش أهالي مدينة منبج وريفها ومنذ احتلالها في 8 كانون الأول 2024، واقعاً مرعباً نتيجة الجرائم والانتهاكات المتواصلة التي يرتكبها مرتزقة الاحتلال التركي بإشراف مباشر من الاستخبارات التركية، الأمر الذي جعل من منبج منطقة فوضى أمنية وبيئة خصبة للجريمة المنظمة.

ففي الأيام الأولى لاحتلال المدينة، أقدمت مرتزقة الحمزات والعمشات التابعين للاحتلال التركي على سرقة محتويات مرآب بلدية منبج، حيث شملت المسروقات سيارتين نوع H1، وثلاثة صهاريج (مستوبيشي، فتون، مرسيدس)، وسيارة بورتر واحدة، وسيارة كيا موديل 2007، وقلابين نوع إنتر، وتركس حديث، وإطفائية، وقلاب سكانية متر 15، وتركس موديل 40، وبوبكات واحد.

ولم تقتصر السرقات على ممتلكات البلدية، بل طالت المؤسسات الطبية في المدينة، حيث نهب المرتزقة معدات مشفى الرابطة، بما فيها جهاز غسيل الكلى الذي دخل الخدمة حديثاً قبل الاحتلال بفترة قصيرة، كما سرقوا جهاز رنين مغناطيسي من مشفى الفرات (الوطني) بقيمة تقدَّر بـ 400 ألف دولار، و4 سيارات إسعاف مجهزة، إلى جانب مولدات الكهرباء ومخصصاتها من المحروقات.

أما مشفى المطاحن فقد تعرض للنهب الكامل، بما فيه من تجهيزات ومعدات وسيارات إسعاف وخدمة بلغ عددها 15 سيارة، نقلها المرتزقة إلى بلدة الراعي لبيعها هناك، كما سرقوا مخزون المدينة من القمح المخزّن في الصوامع ونقلوه إلى البلدة ذاتها لبيعه، وتقدَّر كمية القمح المسروق قرابة 6 آلاف طن.

ولم تتوقف الجرائم عند النهب، ففي 23 كانون الأول 2024، أقدم عنصر من مرتزقة (العمشات) على الاعتداء جنسياً على طفلة تبلغ من العمر 7 سنوات من عشيرة البوبنا، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات بين أبناء العشيرة والمرتزقة، كما أقدم المرتزقة على استجرار المواطن عزالدين المرعي وسرقة سيارته، وفي 10 نيسان 2025 تم العثور على جثتين لشخصين مقتولين ومحروقين بين قريتي أبو كهف والبيرة.

وفي 5 كانون الثاني 2025، سرق مرتزقة أحرار الشام كابلات الهاتف الأرضي في قريتي مقبلة البيرة والعوسجلي، وبعد منعهم من قبل أهالي العوسجلي، نفذوا هجوماً بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة على القرية، ما تسبب بإصابة الأهالي بالخوف والذعر، وبعد تصاعد الموقف، زعمت مرتزقة أحرار الشام أن العناصر "منفلتة" وسيُحاسبون، إلا أن الأهالي أكدوا أن ذلك لم يحدث، كما حاول المرتزقة في 26 كانون الأول 2024 سرقة مضخات المياه في محطة أبو كهف التي تضخ المياه لأكثر من عشر قرى، لكن الأهالي تصدوا لهم ومنعوهم من تنفيذ العملية.

ويقود مرتزقة أحرار الشام في المنطقة المدعو أبو الوليد، وهو من سكان قرية الكاوكلي قرب بلدة العريمة، وقد اتخذ من مدرسة القرية مقراً له يستخدمه لاحتجاز الأهالي وطلب فدى مالية تصل إلى 40 ألف دولار لإطلاق سراحهم.

احتلال المنازل وسرقتها

فور دخول مرتزقة الاحتلال التركي مدينة منبج، بدأت مرتزقة الحمزات والعمشات وسليمان شاه بسرقة منازل الأهالي واحتلالها وإسكان عائلاتهم فيها، ولا سيما منازل الكرد الذين هجّر غالبيتهم قسراً تحت التهديد بالقتل أو الاختطاف، على غرار ما حدث في عفرين وسري كانيه/ رأس العين وكري سبي/ تل أبيض، وتشير التقديرات إلى أن نسبة المهجرين الكرد بلغت نحو 70% من سكان المدينة.

كما جرى نهب المنازل بالكامل، بما في ذلك الأبواب والنوافذ والرخام والبلاط، وحتى تدمير بعضها وحرقها، وابتز المرتزقة الأهالي المهجرين بمبالغ مالية تصل إلى 3 آلاف دولار مقابل "حماية منازلهم" من السرقة، ليقوموا بسرقتها لاحقاً رغم دفع المبلغ.

تقول المواطنة (س.ب) من حي طريق الجزيرة الذي غالبية سكانه من المكون الكردي، والتي فضلت عدم الكشف عن اسمها لأسباب أمنية: "بعد الهجوم على منبج اضطررنا وشقيقي وعائلته إلى مغادرة المدينة خوفاً من الاختطاف والإهانة، وبعد تهجيرنا قام المرتزقة بسرقة منزلنا ومنزل شقيقي، ثم أجّروا المنزل لعائلة، وبعد مغادرتهم، سرق المرتزقة أثاث المنزل والأبواب والنوافذ وأثاث المطبخ بالكامل".

كما تعرض منزل المواطن (ن.ش) للنهب بالكامل بعد أن أنهى بناءه حديثاً، إذ استولى عليه المرتزقة، وطالبوه بدفع إتاوة قيمتها 3 آلاف دولار لإعادته، وبعد دفع المبلغ سرقوا كل محتوياته ولم يبقَ سوى الجدران.

أما المواطن (م.ش) فقال: "إن البناء الذي يملكه والمؤلف من 6 شقق و4 محلات تمت مصادرته بالكامل، وأعيدت له شقة واحدة فقط مقابل 3 آلاف دولار، بينما بقيت العقارات بقية تحت سيطرة المرتزقة الذين أسكنوا عائلاتهم فيها، حتى الشقة المعادة كانت خالية تماماً بعد سرقة أبوابها ونوافذها".

وتتركز غالبية المنازل المنهوبة في أحياء طريق الجزيرة، حي النواجة، طريق شويحة، وطريق حلب.

المدينة تدار من قبل الاستخبارات التركية

في 26 كانون الثاني 2025، زعمت قوات الحكومة الانتقالية في سوريا الدخول إلى مدينة منبج، وبانها أنشأت ثلاثة مراكز هي: مركز الشرطة، مركز الأمن الجنائي، ومركز الأمن العام، بالإضافة إلى فرع استخباراتي، تديره الاستخبارات التركية بشكل مباشر جميعها تقع ضمن المربع الأمني وسط المدينة. لكن المدينة لا تزال تحت سيطرة الاحتلال التركي ومرتزقته.

ويتولى مهند الخطيب الإشراف على الملف الأمني شكلياً، لكن الاستخبارات التركية هي المتحكم الفعلي وتدير أدق تفاصيل الوضع الأمني، ويوجد في المربع الأمني سجن قديم يضم خمسة مهاجع مكتظة، يُرحَّل قسم من السجناء إلى سجون جرابلس والباب وحوار كلس والراعي (ثلجة).

وبحسب شهادات مفرج عنهم، يُعد سجنا جرابلس والباب من الأسوأ سمعة، حيث يتعرض المعتقلون فيهما للضرب والتعليق والصعق الكهربائي، وتُفرض على ذويهم مبالغ مالية تصل إلى 1500 دولار بعد مرور 45 يوماً لإطلاق سراحهم.

أما سجن حوار كلس فيُعدّ الأخطر ويدار مباشرة من الاستخبارات التركية، بينما يتكون سجن الراعي (ثلجة) من 26 مهجعاً يضم كل منها نحو 27 معتقلاً، ويصل العدد الإجمالي أحياناً إلى 800 سجين، لا يُعرض معظمهم على أي محكمة، على الرغم من أن بعضهم معتقل منذ 10سنوات ويُمنعون من التواصل مع ذويهم، بل يُخفون قسرياً عنهم.

التفجيرات

شهدت منبج منذ احتلالها من قبل تركيا عدة تفجيرات، كان أخطرها تفجير 3 شباط 2025 الذي استهدف سيارة تقلّ عاملات قرب دوار المطاحن، وأدى إلى استشهاد 25 عاملة، ورغم الإعلان القبض على المنفذ، لم تُعرض اعترافاته حتى الآن، وسط تسريبات تفيد بأن التفجير كان عملية تصفية داخلية بين فصائل المرتزقة بعلم الاستخبارات التركية، إلا أن مرور السيارة المدنية أحبط الهدف وأدى إلى الكارثة.

ورغم إنشاء المراكز الأمنية الثلاثة، بقيت عديمة الجدوى بسبب تفشي الرشوة وتدخل قيادات المرتزقة في أعمالها، بالإضافة إلى الصراعات الداخلية بينها، فقد ذكر المواطن (م.ع) أنه تقدم بشكوى إلى الأمن الجنائي بعد سرقة منزله، وتم الاشتباه بأحد الأشخاص، لكن الأخير أُفرج عنه بعد تدخّل قريب له ودفع رشوة، ثم هُدد المدّعي لإجباره على التنازل عن الدعوى.

وفي الريف، افتتحت عدّة مراكز ومخافر في أبو كهف، الفارات، الحية، الحوذان، والخفسة، تحولت إلى أدوات لقمع الأهالي ومصادرة المحروقات والدراجات النارية، حيث تُسجل حالات ضرب وإهانة للمواطنين بشكل متكرر، وفي 31 آب الماضي، فقد مواطن حياته قرب قرية أبو كهف أثناء مطارته من قبل المرتزقة.

وفي 30 أيلول الماضي، ألقى أهالي قرية الطوال القبض على شخصين مسلحين أثناء محاولتهما السرقة وسلموهما إلى مخفر بلدة الحية، الذي سلّمهما بدوره إلى "الأمن الجنائي" في منبج، لكن الأخير أطلق سراحهما وهدد الأهالي، والمسؤول عن القسم هو أحمد الدرويش من إدلب، كما شهد 29 أيلول عملية سطو نفذتها مجموعة مسلحة على منزل المواطن حسن الجدعان في قرية فرس العجور، حيث قيدوه وسرقوا 10 آلاف دولار.

وتعرّض مزار شهداء منبج وريفها منذ عدة ايام، لعملية تخريب وسرقة هي الرابعة منذ احتلال المدينة من قبل جيش الاحتلال التركي ومرتزقته في 8 كانون الأول 2024، حيث طالت الاعتداءات الأخيرة أرضيات المزار وسوره الخارجي ونهب بابه الرئيسي. وكانت ثلاث اعتداءات سابقة قد استهدفت المزار في 1 نيسان، 5 حزيران، و12 أيلول، شملت تحطيم صور الشهداء وسرقة أحجار الرخام ومحتويات أخرى، في انتهاك ممنهج لحرمة المزار ورمزية الشهداء

وانتشر في منبج المواد المخدة بشكل لافت منذ احتلال المدينة، نتيجة تواطؤ الاحتلال التركي ومرتزقته. وتشهد المدينة انتشاراً غير مسبوق للسلاح والمخدرات، إذ لاقت تجارتهما رواجاً واسعاً، حيث تُباع بندقية الكلاشنكوف بـ 300 دولار.

مخاوف الأهالي

أمام هذا الواقع المأساوي، تقلصت حركة الأهالي إلى الحد الأدنى واقتصرت على الحاجات الضرورية، بينما تخلو الشوارع مساءً خوفاً من السلب والسرقة والاختطاف.

وفي الآونة الأخيرة، وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان حادثة إشهار عنصر من المرتزقة سلاحه على أصحاب المحال التجارية قرب مشفى المدينة وسط السوق، كما شهد الأسبوع الأخير إلقاء قنابل صوتية بين منازل المدنيين في شارع الكواكبي وحي الحزاونة، في مشهد يعكس الفوضى الأمنية التي تعيشها المدينة.

(م ش/أ ب)

ANHA