قيادة نسائية ترسم ملامح جديدة في الرقة

تكتب النساء فصولاً من النجاح بعد ثمانية أعوام من النضال المتواصل في الرقة، حيث تتقدّم المرأة صفوف القيادة في الكومينات والمجالس والهيئات، وتشارك بفعالية في مجالات الحماية والأمن وصولاً إلى الحياة السياسية، وتؤكد شهاداتهن أن ما تحقق في شمال وشرق سوريا يجب أن يكون منطلقاً لثورة نسائية تشمل عموم البلاد.

قيادة نسائية ترسم ملامح جديدة في الرقة
قيادة نسائية ترسم ملامح جديدة في الرقة
قيادة نسائية ترسم ملامح جديدة في الرقة
قيادة نسائية ترسم ملامح جديدة في الرقة
الإثنين 20 تشرين الأول, 2025   06:35
الرقة
مزكين علي- ديما محمد

في الذكرى الثامنة لتحرير الرقة من احتلال مرتزقة داعش في 20 تشرين الأول عام 2017، تبرز شهادات نساء المدينة لتسلّط الضوء على التحولات العميقة التي شهدها واقع المرأة هناك؛ من التهميش والعزلة إلى الحضور الفاعل والمشاركة في مواقع صنع القرار. 

تمثّل قصة مريم إبراهيم، التي انتقلت من حياة منزلية تقليدية إلى موقع قيادي سياسي، نموذجاً لمسيرة نهوض النساء في الرقة وإصرارهنّ على المساهمة في بناء مجتمع ديمقراطي أكثر عدلاً وتوازناً.

نضال المرأة في الرقة

في حديث خاص، سلطت مريم إبراهيم، وهي الآن رئيسة مشتركة لهيئة الشؤون الاجتماعية والكادحين في الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، الضوء على رحلة نضال المرأة في الرقة، بدءاً من خضوعها لعادات وتقاليد صارمة، مروراً بمرحلة هي الأقسى في تاريخها تحت حكم مرتزقة داعش، وانتهاءً بمرحلة التحرر والانخراط الفاعل في العمل السياسي والإداري ضمن مؤسسات الإدارة الذاتية.

وقالت مريم إبراهيم: "عانت المرأة في الرقة لسنوات طويلة من التهميش والاضطهاد، لكنها استطاعت أن تحول الألم إلى قوة، والخوف إلى إرادة، كانت مرحلة سيطرة داعش على المنطقة مظلمة بكل المقاييس، حُرمت فيها المرأة من أبسط حقوقها، لكنها خرجت من هذا الظلام لنصنع نهضة تاريخية غير مسبوقة".

وأضافت: "التحرير لم يكن فقط من داعش، بل من العادات الذكورية التي كانت تقيد حركة المرأة وتمنع مشاركتها في الحياة العامة، اليوم المرأة في شمال وشرق سوريا لا تشارك فقط في الإدارة، بل أصبحت شريكة في القرار السياسي، وتطالب بتمثيلها الكامل في الدستور السوري الجديد".

"ما تحقق في شمال وشرق سوريا يجب أن يكون انطلاقة لثورة نسائية في عموم سوريا"

وترى مريم إبراهيم أن هذه التحولات تمثل نموذجاً يجب تعميمه على كل سوريا، قائلةً: بعد 60 عاماً من التهميش والظلم والعبودية، حان الوقت لنهضة نسائية سورية شاملة، ما تحقق في شمال وشرق سوريا يجب أن يكون انطلاقة لثورة نسائية في عموم البلاد".

وتابعت: "أنا شخصياً انتقلت من امرأة بسيطة، لا دور لها سوى تربية الأطفال في المنزل، إلى إدارية في مؤسسات الإدارة الذاتية، ثم إلى عضوة في وفد يطالب بحقوق كافة الشعوب السورية، هذه النقلة النوعية لم تكن سهلة، لكنها دليل على أن التغيير ممكن عندما تتوفر الإرادة".

وختمت رسالتها بدعوة إلى النساء السوريات كافة: "لا تنتظرن من أحد أن يمنحكن حقوقكن، بل انتزعنها، الفرصة التاريخية اليوم بأيدينا، والمرأة التي لا تفرض وجودها لن تجد من يمنحها إياه".

"سنوات من النضال والعمل التوعوي"

من جهتها، أكدت الرئيسة المشتركة لإحدى كومينات مجلس أحمد الشعبان في مدينة الرقة جيهان مصطفى، أن المرأة تلعب دوراً محورياً في العمل المجتمعي والإداري، بعد سنوات من النضال والتوعية، خاصة ضمن الكومينات التي تعد الخلية الأساسية في تنظيم المجتمع.

وقالت: "أعمل منذ ثلاث سنوات في الكومين، وقد واجهنا العديد من التحديات، أبرزها عدم وعي سكان الحي بطبيعة عمل الكومين، ولكن مع مرور الوقت، وعبر الاجتماعات الدورية واللقاءات التوعوية، تغيرت النظرة وأصبح العمل أكثر سلاسة وتعاوناً".

وأضافت: "واجهنا تحديات عدة، مثل سطوة العقلية الذكورية التي كانت تعيق مشاركة المرأة، بالإضافة إلى صعوبات في تنظيم العمل الورقي، لكننا استطعنا تجاوزها من خلال التنسيق المستمر مع مؤسسات المجتمع، وتنظيم الوثائق، وتطوير آليات العمل الإداري".

وأكدت أن التغيير في نظرة المجتمع إلى المرأة كان ملحوظاً، خاصة بعد عقد جلسات توعية حول دور الكومين ومهامه، مشيرة إلى أن المرأة انتقلت من حالة التغييب إلى المشاركة الفاعلة، وأصبح لها دور حقيقي في اتخاذ القرار، وهناك اليوم دعم واستجابة من الرجل في هذا المجال.

وخلال السنوات الثماني الماضية، أشارت جيهان إلى أن نضال المرأة أثمر انتقالاً من واقع التهميش إلى واقع المشاركة الفاعلة، وأصبحت اليوم ركيزة أساسية في بناء مجتمع واعٍ وعادل.

"تحرير الرقة هي ولادة جديدة لسكانها"

وفي السياق ذاته، باركت الإدارية في قوى الأمن الداخلي – المرأة هيلدا توماس توما، ذكرى تحرير الرقة، قائلةً: "هذا اليوم ليس مجرد تاريخ يحتفى به، بل هو رمز لولادة جديدة للمدينة وللنساء، حيث انتصر فيه الحق على الظلم، والحياة على الموت، والمرأة على القيود التي فرضها الإرهاب".

وأضافت: "إن أول ما يخطر ببالي عند الحديث عن التحرير هو شجاعة النساء اللواتي وقفن إلى جانب المقاتلين والمقاتلات، وساهمن بطرق مختلفة في تحرير المدينة. رغم الخوف، كانت تلك المرحلة مليئة بالأمل والإصرار".

وأكدت أن الرقة تغيرت جذرياً بعد التحرير، من مدينة أنهكها الخراب إلى مدينة تنبض بالحياة، وكان للمرأة دور محوري في هذا التحول، حيث أصبحت جزء أساسي من كل مفصل في المجتمع، مشددة على أن النساء لم تنكسر إرادتهن رغم الألم الذي عشنه تحت احتلال داعش.

وتابعت: "بعد التحرير بدأنا بتنظيم أنفسنا، انضممنا إلى التنظيمات النسائية ثم إلى قوى الأمن الداخلي لم يكن النهوض سهلاً، لكن بفضل الوعي والإصرار، استطعنا تحقيق الكثير".

وعن أبرز التحديات، أشارت إلى النظرة المجتمعية والموروثات التي لم تتقبل بسهولة وجود المرأة في مواقع القرار أو في الزي العسكري، لكنها أكدت أنهن أثبتن، بمرور الوقت وبالعمل الجاد، أن المرأة قادرة على تحمل المسؤولية، وأن وجودها ضروري لتحقيق الأمان الحقيقي.

وأوضحت أن مشاركة النساء في قوى الأمن الداخلي لم تعد رمزية، بل أصبحت فعلية، قائلةً: "نشارك في جميع المهام، من تنظيم المرور إلى مكافحة الجريمة وحماية المراكز، النتائج أصبحت ملموسة، والمجتمع بدأ يدعمنا ويفتخر بنا".

وأضافت: وجود المرأة في الأمن الداخلي أضفى بعداً إنسانياً على العمل الأمني. المواطنات يشعرن براحة أكبر عند التعامل مع النساء، وكذلك الأطفال. كما أسهمنا في معالجة قضايا النساء بشكل أكثر عدلاً".

وشددت على أهمية الدور الإنساني لقوى الأمن الداخلي – المرأة، موضحةً: نقف دائماً إلى جانب النساء اللواتي يتعرضن للعنف أو الاضطهاد، حتى في الشارع أو الأماكن العامة، ونتخذ إجراءاتنا بكل مسؤولية وإنسانية".

واختتمت هيلدا توماس توما رسالتها بالقول: "التحرير لم يكن نهاية الطريق، بل بدايته علينا أن نواصل، المرأة هي من تحمي مكتسبات التحرير وتبني مستقبل الأجيال"، وقالت: "أرى مستقبل النساء في الرقة مشرق، لدينا نساء في القيادة، في الأمن، في السياسة، وفي التعليم، وهذا يعني أن المرأة في الرقة لن تعود إلى الظل أبداً".

(أ)

ANHA