معطيات تنذر بخطورة مستقبل قاتم على حمص

تعكس الأحداث في حمص واقعاً مأساوياً متفاقماً يهدد النسيج الاجتماعي للمدينة، إذ تتصاعد وتيرة العنف والجرائم في الأحياء ذات الغالبية العلوية وسط غياب تام للأمن والرقابة، حيث تظهر الإحصاءات حجم الانهيار الأمني والخوف الذي يدفع السكان إلى الهجرة والانعزال، فيما تكشف التباينات بين الأحياء عن انقسام خطير يهدد طمس هوية المدينة ويدق ناقوس الخطر لمستقبلها.

معطيات تنذر بخطورة مستقبل قاتم على حمص
الخميس 16 تشرين الأول, 2025   07:46
حمص

باتت اليوم حمص في سوريا تواجه واقع أمني متناقض ومتباين ينعكس على حياة سكانها اليومية بشكل حاد ومؤلم. ففي حين أن بعض أحيائها تعيش مأساة مستمرة، تطفو أخرى في حالة من الهدوء النسبي وكأنها منعزلة عن واقع المدينة. هذه الصورة المتضاربة ترسم واقعاً معقداً، حيث يتجلى الخوف والأمل جنباً إلى جنب.

آخر إحصائية عن الجرائم المرتكبة في حمص، وصلت لمقتل 351 شخصاً بينهم 324 رجلاً، 18 سيدة، 9 أطفال، منذ مطلع العام الجاري، آخرها مقتل الشاب حمزة الحسين (17 عاماً)، وهو طالب في المرحلة الثانوية، من قرية دنحة في ريف حمص الغربي، وأُصيب شقيقه سليمان الحسين (25 عاماً) بجروح في اليد، فيما تعرّض والدهما، عادل الحسين، لإصابة خطيرة في منطقة الصدر.

في الأحياء الأكثر تضرراً، يعيش السكان تحت وطأة أحداث أمنية مروعة، كالخطف والقتل وإطلاق النار العشوائي، في مشاهد تكاد تصبح جزءاً من الحياة اليومية هناك. وبدلاً من أن تكون الأغاني وسيلة للترويح، أصبحت الأغاني الجهادية المنتشرة تؤجج التوتر وتزيد الشعور بالخوف الذي يخيم على تلك المناطق، يتحدث سكانها.

هذا الواقع القاسي انعكس بشكل مباشر على شريان الحياة الاقتصادية والاجتماعية، حيث أدى غياب الاستقرار إلى شلل شبه كامل في أنشطة الأهالي اليومية.

كما وسجل 224 حالة قتل ضد مجهولين، راح ضحيتها 351 شخصاً بينهم 324 رجلاً، 18 امرأة، و9 أطفال، منذ مطلع العام الجاري، وفق إحصائيات المرصد السوري لحقوق الإنسان.

الأحداث الأمنية تستهدف بشكل مباشر وفق مراقبين، المناطق ذات الكثافة العلوية، وبات سكانها مضطرون لتقنين تحركاتهم بشكل صارم، فلا يغادرون منازلهم إلا لبضع ساعات قبل حلول المساء خوفاً من التهديدات المتزايدة.

وأظهرت عمليات الرصد أن حوادث الخطف والقتل والعمليات الانتقامية في مدينة حمص مركزة بشكل ملحوظ في المناطق التي تقطنها الطائفة العلوية، مثل "وادي الدهب، الزهراء، الأرمن، المهاجرين والنزهة".

وعلى الرغم من أن هذه الأحياء كانت من بين الأكثر اكتظاظاً بالسكان في حمص، حيث تجاوز سكانها وفقاً للتقديرات الأربعمائة ألف نسمة، إلا أن أعداد السكان شهدت انخفاضاً حاداً مؤخراً. ويُعزى هذا الانخفاض إلى موجات الفرار والهجرة التي قامت بها العديد من العائلات نتيجة حالة انعدام الأمن والخوف الناجم عن الفلتان الأمني المستمر.

الأحداث في تلك المناطق لا تقتصر فقط على تهديد الأرواح؛ فالانتهاكات أصبحت أكثر تطرفاً مع حصول حوادث مثل إطلاق النار على ناشطة قرب مؤسسة المياه وعمليات خطف وقتل على غرار حادثة الرجل الذي اختُطف من حي الزهراء وعُثر عليه مقتولاً بوحشية. إضافة إلى ذلك، تضاعف التعقيد مع قنابل تلقى في مناطق مكتظة بالسكان.

وفي خضم هذه الأزمة الأمنية، تواجه المدينة معاناة أخرى لا تقل قسوة؛ عمليات منهجية لتهجير السكان والاستيلاء على المنازل بحجج غامضة وغير مبررة. هذه الممارسات تضاعف من الشعور بالظلم وتسلِب الأهالي حقوقهم الأساسية، تاركة وراءها إرثاً ثقيلاً من الألم والمآسي الإنسانية.

الأحياء المتضررة تعيش اليوم في حالة من الترقب والخوف بسبب تسارع وتيرة التدهور الأمني واستهداف فئات بعينها. هذا الواقع يؤجج قلقاً عميقاً حسب وجهاء المدينة، بشأن مستقبل المدينة ويضع أمام الجميع تحدياً ملح لاتخاذ إجراءات عاجلة وفاعلة ليس فقط للحفاظ على السلم الاجتماعي، بل لإنقاذ حمص من الانهيار الداخلي الذي يهدد كيانها كمدينة نابضة بالحياة.

ناشطون ومراقبون من داخل المدينة وخارجها يؤكدون على ضرورة اتخاذ إجراءات للحد من التعديات اليومية التي تشهدها المنطقة. وحذروا من أن استمرار تجاهل هذه الأفعال قد يؤدي إلى تصاعد التوترات، وربما حدوث أزمات في مدينة تُعد محوراً استراتيجياً ومركزاً للتوازن.

وشددوا على أهمية فرض الرقابة على انتشار السلاح غير المنضبط، والعمل على إنهاء ظاهرة القتل، ومنع أعمال الانتقام، بالإضافة إلى مكافحة السرقات واسترداد الممتلكات التي يتم الاستيلاء عليها بالقوة، لضمان أمن وسلامة السكان والحفاظ على استقرار المدينة.

على النقيض، توجد أحياء أخرى يُخيل للناظر إليها أنها تنتمي إلى عالم مختلف؛ يعيش سكانها حياة دون أن تطالهم أمواج القلق الأمني، حيث تقضي عائلاتهم أمسياتها حتى وقت متأخر من الليل.

(أم)

ANHA