"سياع البيوت الطينية" تقليد شعبي يجسد روح التعاون

في مشهد يعكس عمق التراث الشعبي وروح التعاون، يبدأ الأهالي مع قدوم الشتاء بـ “سياع البيوت الطينية” في الأرياف، في تقليد قديم يجسد القيم الإنسانية والاجتماعية التي تضع الإنسان في مركز الفعل، والطبيعة في قلب الوعي.

"سياع البيوت الطينية" تقليد شعبي يجسد روح التعاون
"سياع البيوت الطينية" تقليد شعبي يجسد روح التعاون
"سياع البيوت الطينية" تقليد شعبي يجسد روح التعاون
"سياع البيوت الطينية" تقليد شعبي يجسد روح التعاون
"سياع البيوت الطينية" تقليد شعبي يجسد روح التعاون
"سياع البيوت الطينية" تقليد شعبي يجسد روح التعاون
"سياع البيوت الطينية" تقليد شعبي يجسد روح التعاون
"سياع البيوت الطينية" تقليد شعبي يجسد روح التعاون
الثلاثاء 14 تشرين الأول, 2025   05:36
الحسكة
خضر الفياض

لا تزال البيوت الطينية في أرياف مدينة الشدادي جنوب مقاطعة الجزيرة، شاهدة على عمق التراث الشعبي، وارتباط الإنسان بالأرض والطبيعة. ورغم تطور أساليب البناء الحديثة وانتشار البيوت الإسمنتية في السنوات الأخيرة، إلا أن الكثير من الأهالي ما زالوا يتمسكون بمنازلهم الطينية لما تحمله من رمزية اجتماعية واقتصادية وثقافية، ولما توفره من بيئة معيشية ملائمة تتناسب مع طبيعة المنطقة ومناخها.

ويُعدّ "سِياع السقف – تغطيته بالطين" من أبرز المظاهر التي تميز هذا النمط من السكن، حيث يجتمع الأهالي سنوياً، مع اقتراب فصل الشتاء، لترميم أسطح منازلهم استعداداً لموسم الأمطار. هذا العمل، الذي يتم بأدوات بسيطة ومواد متوفرة في البيئة المحلية، يجسد أرقى صور التعاون المجتمعي والتكافل الكومينالي الذي تتميز به مناطق شمال وشرق سوريا.

من التراب تنبض الحياة

وفي حديثٍ خاص لوكالتنا، أوضح حسان السلمان، أحد سكان قرية البجدلي بريف الشدادي، أن الأهالي ما زالوا يعتمدون على هذه الطريقة التقليدية في البناء والترميم نظراً لقلّة تكاليفها مقارنة بالبناء الإسمنتي.

وأضاف قائلاً: "معظم سكان الريف هنا يعيشون في بيوت طينية، لأنها أرخص من الإسمنتية، وتحافظ على برودة الجو في الصيف ودفئه في الشتاء. كل عام، قبل موسم الأمطار، نقوم بترميم السقف بما يُعرف بـ‘السياع‘ كي لا تتسرب المياه إلى الداخل".

ويشرح السلمان تفاصيل العملية قائلاً: "نخلط التراب الأحمر مع القش للحصول على الطين، ثم نضع طبقة من النايلون فوق سطح المنزل ثم نضع الطين فوقها لمنع تسرب المياه. هذه الطريقة مجرّبة منذ عشرات السنين، وهي تعكس قدرة المجتمع على التكيّف مع الطبيعة والمحافظة على نمط حياةٍ متوارثٍ من الأجداد".

روح التعاون

ولكن ما يميز "السياع" ليس الجانب العملي فحسب، بل الروح الاجتماعية التي ترافقه. فالعمل لا يقوم به صاحب المنزل وحده، بل بمشاركة الجيران والأقارب فيما يُعرف محلياً بـ "الفزعة" — وهي عادة اجتماعية أصيلة تُجسد مبدأ العمل الجماعي والمساعدة المتبادلة.

ويقول السلمان إن “الفزعة” تجمع نساءً ورجالاً من الحي أو القرية في يوم واحد، يتعاونون في إعداد المواد ورفعها إلى السقف وتسويتها، وسط أجواءٍ من الفرح والأغاني الشعبية والضحك.

مضيفاً: "الفزعة ليست فقط لترميم البيوت، بل لترميم العلاقات بين الناس أيضاً. فهي مناسبة لإحياء روح الأخوة والتضامن، تماماً كما هي المجالس الكومينالية التي تجمع الأهالي لتقرير شؤون حياتهم معاً".

استمرارية في القيم

إن استمرار هذه العادات القديمة يعكس مدى تجذر ثقافة العمل المشترك في المجتمع، وهي ذاتها القيم التي يقوم عليها النظام الكومينالي في شمال وشرق سوريا، القائم على التعاون والتشارك الذاتي بين الأفراد.

فالبيوت الطينية ليست مجرد مبانٍ بسيطة من التراب، بل رموز حية لثقافة "المجتمع الأخلاقي السياسي" الذي يسعى إلى الاعتماد على الذات وتنظيم شؤونه بعيداً عن الفردية والنزعة المادية.

رمزية اقتصادية وبيئية

وإلى جانب بعدها الثقافي، تحمل هذه البيوت قيمة اقتصادية مهمة، إذ تساعد الأسر محدودة الدخل على تأمين مأوى مريح بتكاليف منخفضة، ما يسهم في تحقيق نوعٍ من العدالة الاجتماعية داخل القرى الريفية. كما أن مواد البناء الطبيعية المستخدمة فيها — كالتراب والقش والماء — تجعلها من أكثر أنواع السكن صداقةً للبيئة.

ويشير السكان إلى أن ترميم البيوت الطينية يتم دون الحاجة لمعدات أو تقنيات حديثة، مما يخفف العبء المالي عن الأهالي ويقوّي روح التعاون بينهم.

البيوت الطينية... ذاكرة وهوية

ورغم مرور الزمن وتغير أنماط الحياة، لا تزال البيوت الطينية في ريف الشدادي جزءاً من الذاكرة الجمعية للسكان، وعنواناً للانتماء إلى الأرض والجذور. فهي تربط الماضي بالحاضر، وتُعيد للأذهان صورة الريف المتماسك الذي تسوده المحبة والتآخي بين الكرد والعرب والسريان في المنطقة.

(ح)

ANHA