رفاق نور الدين صوفي: كان قائداً لا يُقاس بحجم المنصب بل بعمق الأثر

يرى سيبان حمو ونوروز أحمد أن القيادي نور الدين صوفي كان من الشخصيات التي تظهر في تاريخ الشعوب من حين لآخر، حيث تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتترك بصمات لا تُمحى في ذاكرة النضال والكرامة. وكان صوفي من هؤلاء القادة الذين لا يُولدون مرتين، قائداً لا يُقاس بحجم المنصب، بل بعمق الأثر، واتساع القلب، وصدق الالتزام.

رفاق نور الدين صوفي: كان قائداً لا يُقاس بحجم المنصب بل بعمق الأثر
الجمعة 15 آب, 2025   03:30
مركز الأخبار

وصف عضو القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية سيبان حمو وعضوة القيادة العامة لوحدات حماية المرأة نوروز أحمد، في لقاء. أن القيادي نور الدين صوفي كان مرجعاً لكل من أراد أن يتعلم أو يطوّر نفسه، سواء في المجال العسكري، أو في التكتيك الميداني، أو في المجال الأكاديمي، أو في البحث العلمي. ويحمل رؤية واضحة وعميقة تجاه مفهوم حرية المرأة، ويؤمن بأن نضالها جزء لا يتجزأ من النضال التحرري العام.

تصريحات سيبان حمو ونوروز أحمد جاءت بعد إعلان قوات الدفاع الشعبي عبر بيان استشهاد القيادي نور الدين صوفي في 11 آب، حيث أوضح البيان أن: "الابن البطل للشعب الكردي، الثوري المحترف، والسائر على خطى القيادي عكيد، قائد ثورة الحرية في روج آفا وشعب شمال وشرق سوريا، الرفيق نور الدين صوفي، الذي توجه إلى جبال كردستان لزيارة رفاقه السابقين، حيث أمضى 24 عاماً فيها، استشهد في هجوم للعدو في 6 نيسان 2021، أثناء زيارته لمقر قيادتنا مركز الدفاع الشعبي".

تصريح سيبان حمو كالتالي:

عرفتُ الرفيق صوفي منذ خمسة وثلاثين عاماً، حين التقينا على دروب الحركة السياسية الكردية في سوريا، وبدأنا معاً رحلة النضال التي امتدت طويلاً فوق قمم جبال كردستان. لا تُنسى دهاليز تلك السنوات، بما حملته من مصاعب قاسية ولحظات جميلة لا تُقدّر بثمن.

في أحلك الظروف، كان صوفي قائداً ملهماً في صفوف قوات الدفاع الشعبي، يتقدم الصفوف بثبات وإيمان لا يتزعزع. كان قائداً استثنائياً، يجمع بين الحكمة والشجاعة، ويتمتع بخصال نادرة جعلته يحجز مكاناً دائماً في عقولنا وقلوبنا.

لا يمكن اختزال شخصية الرفيق صوفي في كلمة أو عبارة، فهو أكبر من أن يُوصف، لقد جسّد جوهر النضال الثوري، كما يفعل كل مناضلي الحركة الأبوجية الذين يتميزون بخصال فريدة، تجمع بين الإيمان العميق بالقضية، والتفاني المطلق من أجل النصر.

الرفيق صوفي لم يكن مجرد مناضل، بل كان شخصية متكاملة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. اجتمعت فيه جميع خصال المناضل الثوري الإيجابية، الصلابة، الحكمة، الإخلاص، والقدرة على الإبداع في أحلك الظروف.

كان مرجعاً لكل من أراد أن يتعلم أو يطوّر نفسه، سواء في المجال العسكري، أو في التكتيك الميداني، أو في المجال الأكاديمي، أو في البحث العلمي. من يبحث عن المعرفة، يجدها في صوفي؛ ومن يسعى إلى الفهم، يجد لديه الجواب؛ ومن يطلب الإلهام، يجد فيه القدوة. لقد كان مدرسة نضالية قائمة بذاتها، لا تُنسى ولا تُستبدل.

لم تكن لرفاقية الرفيق صوفي حدود، فقد تجاوزت المفاهيم التقليدية للقيادة، لتصبح علاقة وجدانية عميقة، تُشعر كل من حوله بأنه ليس فقط قائداً، بل رفيقاً وأخاً وسنداً. أنا أعشق رفاقيته، ومرتبط بها ارتباطاً لا يُفك، لأنها كانت صادقة، دافئة، ومليئة بالإنسانية.

رغم مكانته القيادية، لم يتعامل معنا من منطلق السلطة، بل من منطلق المحبة والمسؤولية المشتركة. كان يجمع حوله الرفاق والشعب، يقدم المساعدة للجميع دون تردد، ويزرع الأمل في النفوس بلغة سلسة، جميلة، ومفعمة بالحنان.

كل من التقى بالرفيق صوفي شعر بارتباط وثيق به، فقد كان يدخل القلوب دون استئذان، ويترك فيها أثراً لا يُمحى. حتى الأطفال، كان يعاملهم بروح رفاقية نادرة، تجعلهم يشعرون بالأمان والانتماء. لقد كان يصنع مكانه في قلب كل من يراه، لأنه ببساطة كان يحمل قلباً كبيراً، وروحاً لا تُنسى.

لقد كان الرفيق صوفي قائداً لا يعرف الهزيمة، دائم السعي نحو النصر، يقود المعارك في أقسى الظروف، ويصنع من التحديات فرصاً للانتصار. خاض العديد من المعارك في ساحات مختلفة، وأثبت فيها قدرته الفائقة على قيادة القوات العسكرية، وحنكته في وضع الخطط الدقيقة التي تُفضي إلى النصر الحاسم.

في خضم ثورة روج آفا، كان له دور محوري لا يُنسى، فقد كان من أوائل من وضعوا اللبنات الأولى لهذه الثورة، إلى جانب رموز خالدة مثل الشهيد خبات والشهيد رستم. لم يكن مجرد مشارك، بل كان من صانعي التاريخ، وأسّسوا لمرحلة جديدة من النضال في سوريا.

منذ عام 2013، أصبح الرفيق صوفي من القيادات الأولى في روج آفا، وترك بصمة لا تُمحى في جميع تشكيلات القوى العسكرية وقوى الحماية. لم يكن حضوره شكلياً، بل كان حجر الأساس في بناء الاستراتيجية التي قادت إلى تحقيق مكتسبات تاريخية للشعب الكردي وشعوب المنطقة كافة.

لقد كان دوره محورياً في رسم ملامح النصر، وفي ترسيخ مبادئ الثورة والدفاع المشروع. لا يمكن اختزال عطاء الرفيق صوفي في جملة أو كلمة، فهو من علّمنا معنى الإنسانية الحقيقية، والرفاقية الصادقة، وكيف تُدار الحروب والثورات بعقلٍ نيرٍ وقلب نابضٍ بالإيمان بالحرية.

لقد تعلمنا من الرفيق صوفي كيف يُصاغ الإنسان الحر، وكيف يُبنى الوعي الثوري الحقيقي. لم يكن يدرّبنا فقط على حمل السلاح، بل على حمل الفكر، وعلى بناء الإنسان الذي يُدافع عن قيمه بوعي ومسؤولية.

بالنسبة لي، فإن ما تعلمته عن نظرية الكم (الكوانتم)، تعلمته من جلسات مع الرفيق صوفي، الذي كان يتمتع بعقل حكيم وقوي، يجمع بين العمق العلمي والبصيرة الثورية. في ميدان السياسة، كان بمثابة أكاديمي بارع، ويقدّم رؤى استراتيجية تُضيء الطريق أمام الجميع.

كان الرفيق صوفي ملمّاً بنظرية الكم وتناقضاتها، لا كنظرية جامدة، بل كفلسفة حياة لم يكن الرفيق صوفي يتعلم نظرية الكم من أجل المعرفة المجردة، بل كان يغوص في تناقضاتها، يحللها بعمق، ويستخلص منها نتائج مهمة، ثم يضعها في خدمة الثورة، والشعب، والقائد.

في خضم ثورة روج آفا، بدأنا المسير معاً. في البداية، أخذ الرفيق صوفي على عاتقه النضال بين صفوف المجتمع، ومع تطور مراحل الثورة، وبعد اتخاذ قرار النضال العسكري، انتقلنا معاً إلى مركز القيادة، حيث واجهنا أصعب الظروف وأكثر اللحظات تعقيداً. وعندما كانت الأبواب تُغلق، والطرق تُسد، كان صوفي هو من يفتح نافذة للحل.

الحديث عن الرفيق صوفي صعب جداً بالنسبة لي. قضينا وقتاً طويلاً معاً، وكانت مسيرتنا الثورية متداخلة، قريبة إلى حد التماهي. كان أكثر من رفيق.

الرفيق صوفي لم يكن شخصاً عادياً، بل قائداً استثنائياً جمع بين الفكر، الفن، والعسكرية. من صفوف القوى العسكرية إلى قيادة حملات استراتيجية ضد داعش، كان دائماً في المقدمة، لا يتخلف عن أي مهمة. كان شاعراً، فناناً، ومهندساً اجتماعياً، يقرأ القائد عبد الله أوجلان بعمق ويضع توجيهاته في خدمة الشعب.

قاد معارك الرقة ودير الزور، وحقق النصر بفضل حكمته وحنكته. فقدانه خسارة لا تُستوعب، لكنه حيّ في قلوب الآلاف، يدق في قلب كل مقاتل، وكل من عرفه. نعاهده أن نواصل المسيرة على خطاه.

أنا أشتاق إليه، وأحمله في قلبي إلى الأبد.

تصريح نوروز أحمد كالتالي:

تعرفت على الرفيق صوفي في بداية ثورة روج آفا، وكان حينها قيادياً للمنطقة، في مرحلة تأسيس القوى العسكرية، وسط هجمات متواصلة على شعب المنطقة. جاء محمّلاً بفكر القائد عبد الله أوجلان، وخاصة من الناحية العسكرية، فكان حضوره بمثابة قوة حقيقية. وضع تجربته في خدمة شعبه، رغم كل الصعوبات.

كان يتقرب من كل الأعمال بروح عالية من المسؤولية، يستمع إلى آراء الجميع ويأخذها بعين الاعتبار من أجل النهوض بالثورة. لم تكن هناك أية مصاعب في ذلك، بل كان يمنح المعنويات للجميع، ويزرع الثقة في نفوسهم. نعم، كنا نمارس العمل العسكري، لكنه لم يكن قائداً بعيداً عن المقاتلين، بل كان يزورهم ويمنحهم القوة المعنوية، خاصة أثناء الهجمات التي شُنّت على سري كانيه.

كانت هناك هجمات على عدة مناطق في بداية الثورة، خاصة في مقاطعة الجزيرة، ورغم مصاعب تلك المرحلة، كان صوفي يخلق روحاً جميلة ويزرع المعنويات بين صفوف المقاتلين والشعب، ويؤثر بشكل مباشر على الجميع.

وفي خضم تلك المعارك، ورغم اختلاف القوى التي كانت تهاجمنا، كان يناقش مع الجميع مجريات المعركة، من هم المهاجمون، وكيفية التصدي لهم، ويعمل على تطوير التكتيكات المناسبة لمواجهة تلك الهجمات. وفي الحملات اللاحقة، اتخذ مكانه ضمنها، ومع تأسيس قوات سوريا الديمقراطية، كان له تأثير كبير على بنية القوى العسكرية وتوجهاتها.

كان على تواصل مستمر مع جميع مكونات المنطقة من العرب والسريان والأرمن، يعقد الاجتماعات مع الشعب والمقاتلين، ويوجه المقاتلين بشكل دقيق، بدءاً من هندامهم وانضباطهم، وصولاً إلى الاهتمام باحتياجاتهم اليومية، فكان قائداً قريباً، حاضراً، ومؤثراً في كل تفاصيل النضال. لم يكن يهتم بشخص على حساب آخر، بكل كان مهتم بالجميع.

كان الرفيق صوفي دائماً يخلق شيئاً جديداً في كل نقاش أو اجتماع يعقده، يمتلك روحاً مرحة وطابعاً مفعماً بالجاذبية، ما جعل الجميع يحرصون على حضور نقاشاته واجتماعاته. لم يكن حضوره عادياً، بل كان ينبض بالحيوية ويشعل في الآخرين شغف المشاركة

كان يجري أبحاثاً معمّقة لتطوير أسلوبه وأدائه، لا يكتفي بما هو قائم، بل يسعى دائماً نحو الأفضل. وأثناء قراءته للتاريخ، كان يسرد الأحداث وكأنه شاهد عليها، فتتحول كلماته إلى صور حيّة، وتصبح الرواية تجربة مشتركة يعيشها من حوله، وأثناء عدم معرفته بموضوع ما كان يسأل بكل عفوية، كان يحتوي النقاش والنقد بشكل رائع.

تميّز الرفيق صوفي بمرونة فكرية لافتة، جعلته منفتحاً أثناء وضع التكتيكات العسكرية، لا يتشبث برأي، بل يتعامل مع المواقف بشكل سريع لذلك كان يلقب بالزئبق، سريع الحركة، متقد الذكاء، ومفعم بالطاقة. كان يجري أبحاثاً مكثفة، لا يكلّ ولا يملّ من البحث والتقصي، ساعياً دوماً لفهم أعمق وتخطيط أدق. إلى جانب ذلك، كان ملمّاً بأوضاع المدنيين الذين يتم تحريرهم من مناطق الاشتباك، يتابع أحوالهم ويحرص على سلامتهم.

لم يكن اهتمامه مقتصراً على الجبهات، بل امتد إلى المقاتلين أنفسهم، حيث كان يوليهم رعاية خاصة، ويعمل على تطوير مهارات القادة الجدد، مؤمناً بأن النصر لا يتحقق إلا بعقول ناضجة وقلوب مؤمنة، كان يسعى لإعداد قياديين محليين من المكونات كافة.

كان الرفيق صوفي يحمل رؤية واضحة وعميقة تجاه مفهوم حرية المرأة، ويؤمن بأن نضالها جزء لا يتجزأ من النضال التحرري العام. كان يقول دائماً: "الرفيقات يواصلن عملهن، ولا أود أن أكون عائقاً أمامهن"، لم تكن هذه مجرد كلمات، بل موقف ثابت يتجلى في دعمه المستمر ومقترحاته البنّاءة بشأن نضال المرأة، خاصة في صفوف وحدات حماية المرأة.

اتخذ من أسس الرفاقية منطلقاً لإبداء رأيه، وكان يجري أبحاثاً معمّقة في هذا المجال، ساعياً لفهم أوسع ودعم أقوى، وعلى مستوى العمل المشترك، خاصة ضمن قيادة قوات سوريا الديمقراطية، كان صوفي يخلق بيئة مريحة ومحفّزة، تجعل من العمل الجماعي تجربة مثمرة. كان يدفعنا نحو البحث والتطوير، ويحرص على الالتزام الكامل بأسس الرفاقية، ليس كشعار، بل كممارسة يومية تعكس جوهر العلاقة بين الرفاق.

كان صوفي قيادياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كان قياديا شعبياً، لا يعرف الصعاب، بل يواجهها بعزيمة لا تلين. في أصعب اللحظات، خاصة خلال ما شهدته مناطق عفرين وسري كانيه وكري سبي من هجمات شرسة، كان حاضراً بفكره وبحثه، لا يغيب عن تفاصيل المعاناة، ولا يتجاهل آلام المدنيين الذين سقطوا شهداء في الهجمات التي تعرضت لها المنطقة.

كان حساساً جداً تجاه مسؤوليات القيادة، يدرك أن الإجابات التي قدمناها لم تكن دائماً كافية لشعبنا، ولذلك لم يتوقف عن البحث، بل كان يسعى دوماً لتجاوز تلك الانكسارات، وإعادة تدويرها إلى انتصارات. لم يكن يرضى بالركود، بل كان يرى في كل أزمة فرصة للنهوض، وفي كل ألم بذرة أمل.

إن استشهاده حمّلنا مسؤولية كبيرة، وسنكون على دربه سائرين، وسنواصل أعماله، وفاءً لروحه، وإيماناً بطريقه.

(أ ب)

ANHA