من أمّي إلى قارئ.. رحلة خضر تبدأ من مكتبة صغيرة

رغم تقدمه في العمر، يجلس السبعيني خضر إبراهيم بين الكتب في مكتبة صغيرة بمدينة الحسكة، واستطاع الانتصار على الأمية والنسيان بالحبر والورق، وباتت هذه المكتبة التي حققت حلم طفولته بتعلم لغته الأم، ليست فقط مكاناً للتعلم بل مساحةً لمداواة الذاكرة.

من أمّي إلى قارئ.. رحلة خضر تبدأ من مكتبة صغيرة
الأربعاء 30 تموز, 2025   07:30
الحسكة
ديار أحمد

يواصل المواطن خضر محمد إبراهيم (70 عاماً) من سكان حي الصالحية بمدينة الحسكة، ارتياد مكتبة صغيرة يومياَ، متحدياً سنوات من الأمية والحرمان من التعليم، بعد أن حالت الظروف السياسية والاجتماعية سابقاً دون حصوله على فرص التعليم في طفولته.

ومنذ ثلاث سنوات، يتوجه خضر صباح كل يوم إلى مكتبة تتبع لصحيفة "روناهي" وهي عبارة عن غرفة مسبقة الصنع (كرفانة)، تقع قرب دوار الحمامة في المدينة، حيث يقضي وقته بين رفوف الكتب، التي شكلت له ملاذاً ثقافياً، ومتنفساً لطموح طال انتظاره. ويقول إن هذه الكتب، لا سيما الكردية منها، أصبحت بمثابة "شهادة يعتز بها".

ويعتمد خضر في تنقله على دراجته الهوائية القديمة، التي ما تزال ترافقه منذ عقود في رحلاته اليومية قبل اشتداد حرارة النهار. ويصف وجهته إلى المكتبة بأنها تشبه الذهاب إلى "معبد مقدس"، حيث يستعيد من خلاله حلم التعلم المؤجل منذ طفولته.

ونشأ خضر في بيئة قروية ولم يتلقَّ التعليم، إذ عمل منذ صغره في رعي الأغنام والحصاد، وانقطع عن الدراسة بعد الصف الخامس، دون أن يتقن الكثير في اللغة العربية.

وكأي طفل كردي، أراد خضر، مثل أبناء قريته، تعلم لغته الأم الكردية. لذا، كان بعض شبان القرية يجمعونهم في ساعات المساء الأولى ضمن أحد المنازل لتعليمهم الأبجدية الكردية. لكن، نظراً للظروف السياسية والقمع الذي كان يتعرض له الشعب الكردي، لم يستطع خضر إتقان اللغة الكردية، واكتفى بحفظ الحروف وقراءة بعض الأشعار الكردية.

وفي السياق، يقول خضر إنهم في القرية كانوا يقرأون شعر الشاعر جكرخوين خفية في القرية، وكأنهم كانوا يرتكبون جريمة، وأكد أنهم كانوا ينقلون الكتب الكردية من بيت لآخر وهم يشعرون بأن هناك من يراقبهم دوماً ليزجّ بهم في السجن.

وفي ريعان شبابه عمل خضر في مواسم الحصاد وبناء المنازل من الطوب، وظل تعلم لغته الأم حسرة في قلبه، ومع تعرفه على حركة كردستان ازداد تعلقه بقضيته ومارس النشاط الجبهوي مطلع التسعينيات من القرن الماضي.

وفي عام 2004 وبعد انتفاضة قامشلو، تعرض خضر للاعتقال على يد النظام البعثي بعد أن قام بإيصال عدد من كوادر حركة حرية كردستان إلى وجهتهم في جبال كردستان الحرة.

وقضى خضر ستة أشهر في فرع فلسطين، حيث تعرض للتعذيب، ولا تزال آثارها الجسدية حاضرة، لكنه رغم هذه التجربة القاسية، واصل التمسك بقناعته بأهمية النضال الفكري والثقافي.

وقبل ثلاث سنوات، بدأ العمل في المكتبة المخصصة لبيع الكتب الكردية والعربية وأعداد صحيفة روناهي، حيث يصف خضر تفرغه للمكتبة اليوم بأنه تحقيق لحلم قديم، حيث تعلم مجدداً القراءة والكتابة، وبدأ يدوّن قصصاً وأمثالاً كردية قديمة، بهدف توثيقها وحمايتها من الاندثار.

ويضيف: "أكتب اليوم بيدي التي نست القلم منذ زمن. أكتب وأقرأ لغتي بكل حرية"، مؤكداً أن الكتب الكردية التي تحيط به تمثل بالنسبة له شهادة يعتز بها أكثر من أي شهادة مدرسية.

ويحرص خضر على بيع الكتب الموجودة في المكتبة بأسعار رمزية لتكون الثقافة متاحة للجميع، ولكنه يأسف لقلة إقبال السكان على قراءة الكتب وزيارة المكتبة، معتبراً في نهاية حديثه بأن المعرفة لا تزال "حقاً ضائعاً" يجب استعادته.

(ح)

ANHA