أصوات الأمهات من تل تمر: الكريلا يختارون السلام.. فهل تستجيب أنقرة؟

أكدت أمهات الكريلا في مدينة تل تمر، إن استجابة الكريلا لنداء القائد عبد الله أوجلان وإحراق السلاح لا يعتبر تراجعاً، بل تقدماً كبيراً نحو سلام شامل وعادل، وقلن إن على تركيا تحمّل مسؤولياتها تجاه عملية السلام والمجتمع الديمقراطي.

أصوات الأمهات من تل تمر: الكريلا يختارون السلام.. فهل تستجيب أنقرة؟
الثلاثاء 15 تموز, 2025   03:45
الحسكة
عبد الغني الهامان

في مشهد تاريخي غير مسبوق، وتجاوباً مع نداء القائد عبد الله أوجلان، قامت مجموعة من مقاتلي ومقاتلات الكريلا بإحراق أسلحتهم في مراسم خاصة، ضمن إطار عملية السلام وبناء المجتمع الديمقراطي. وقد شكّلت هذه الخطوة الرمزية رسالة متعددة الأبعاد على المستويين السياسي والاجتماعي، وأحدثت صدى واسعاً داخل كردستان وخارجها، وأعادت إلى الواجهة آمال الشعوب بفرصة جديدة للحل، وسط دعوات متزايدة بأن تتحمل الدولة التركية مسؤوليتها في إنجاح واستكمال هذه العملية.

وفي مدينة تل تمر، إحدى أبرز الساحات النضالية في إقليم شمال وشرق سوريا، التقى مراسلنا بعدد من أمهات مقاتلي ومقاتلات الكريلا لرصد آرائهن ومواقفهن حيال هذه الخطوة.

حمدية كوتي، والدة الشهيدة "جيندا" والمقاتلة "ديلبر" من قوات الدفاع الشعبي، قالت: "لم أنم تلك الليلة، كانت الصور تنتشر والناس يتحدثون. شعرت أن النار التي أحرقت السلاح لم تحرق شيئاً، بل أنارت طريقاً. بندقية ابنتي أصبحت جزءاً من رماد سلام قد يولد".

وأضافت: "لا نريد أن نُخدع مرة أخرى، ولا نريد سلاماً يستخدم كغلاف لسياسات قمعية، إنما نريد سلاماً يحفظ الدم، ويعيد الغائبين، ويمنحنا الحق في أن نسمي أبناءنا بلغتنا دون خوف".

وفي السياق ذاته، قالت جنار اليوسف، والدة الشهيد في قوات الدفاع الشعبي "باهوز جيندا": "حين رأيت النيران تبتلع البنادق، شعرت لأول مرة أن الحرب قد تتوقف، وأن نبض ابني الشهيد باهوز الذي انقطع، قد يعود في طفل يولد دون خوف. إحراق السلاح بالنسبة لنا كأننا نحرق رصاصة كانت ستصيب قلب أم أخرى".

وأكدت: "مشهد إحراق السلاح لم يُقرأ من زاوية رمزية فقط، إنما نُظر إليه كإعلان سياسي عميق، يحمّل الدولة التركية مسؤولية واضحة تجاه مستقبل العملية. فالكريلا قاموا بخطوة لم تكن سهلة، لكنها تعبّر عن نضج سياسي غير مألوف في ساحات القتال".

وأضافت: "الخطوة التي اتخذتها الكريلا يجب أن تُحتضن سياسياً وشعبياً، فهي تمثل توجهاً حضارياً وأخلاقياً ينسجم مع تطلعات شعوب المنطقة، وعلى الجميع أن يسهم في حمايتها وتطويرها".

وفي ظل هذه المبادرة، حمّلت الأمهات الجهات الرسمية في الدولة التركية مسؤولية مستقبل العملية، وأكدن أن نجاح مسار السلام مرهون بمدى استعداد الطرف الآخر للتفاعل الإيجابي والاعتراف بالإرادة الشعبية.

فهيمة الإبراهيم، والدة المقاتلة "جيان تل تمر"، قالت: "هذه الخطوة لا يجب أن تُقابل بالتجاهل أو التصعيد. على الدولة التركية أن تُظهر نية صادقة بوقف الحرب وبدء حوار جاد يضع حداً للمأساة الإنسانية المستمرة".

وترى الأمهات أن خطوة الكريلا الأخيرة تعكس إدراكاً عميقاً لأهمية اللحظة السياسية، وحرصاً على نقل الصراع من ساحات القتال إلى ميادين الحل السياسي. وأكدن أن هذه المبادرة تحمل بُعدًا أخلاقياً قبل أن تكون قراراً عسكرياً.

وتقول والدة المقاتلة جيان تل تمر: "هذه الخطوة ليست تراجعاً، إنما هي تقدم كبير نحو سلام شامل وعادل. الكريلا يؤكدون أنهم لا يريدون الحرب، ولكنهم في الوقت نفسه لن يقبلوا التنازل عن الحقوق، وعلى الدولة التركية أن تفهم هذه الرسالة وتتعامل معها بمسؤولية".

أما قمرة حسو، والدة المقاتلة في قوات الدفاع الشعبي "جيان"، فقالت: "أدمعت عيناي حين التقطت اللحظة الأولى من شعلة الحطب ولظى السلاح، لم يكن رماداً، بل كان ضوءاً يطرد ظلمة سنوات الحرب". وأكدت أن هذه الشعلة "ستحرق جدار الخوف بين الشعوب، ومهما حاولوا إطفاءها، سيشتعل فيها الأمل من جديد".

ومن بين لهب البنادق المحترقة، ومن تحت رماد السنوات الثقيلة، يرتفع اليوم صوت مختلف؛ هادئ كصلاة أم، وقوي كخطى مقاتل يصعد الجبل. خطوة الكريلا في إحراق السلاح ليست تراجعاً عن النضال، بل ارتقاء به نحو أفق لا يُكتب المستقبل بالدم، بل بالحكمة والحوار.

وفي تل تمر، حيث تختزن الأمهات ذاكرة الكفاح، تتشكّل اليوم ملامح مرحلة جديدة، عنوانها: "نختار الحياة لا الحرب، ونحرس السلام بقلوب تعبت من الانتظار، لكنها لم تفقد الإيمان".

(ح)

ANHA