خبراء بيئيون يحذرون من خطر استمرار النزاعات المسلحة على البيئة

تشير أحدث الدراسات والبيانات الصادرة عن خبراء البيئة، إلى أن النزاعات المسلحة التي تشهدها العديد من مناطق العالم لا تسبب فقط خسائر بشرية واقتصادية فادحة، بل تُعدّ من أخطر العوامل التي تسهم في تفاقم أزمة التغير المناخي على الصعيد العالمي.

خبراء بيئيون يحذرون من خطر استمرار النزاعات المسلحة على البيئة
الثلاثاء 1 تموز, 2025   12:36
مركز الأخبار

حذر خبراء بيئيون من أن آثار النزاعات المسلحة لا تقتصر على الخسائر البشرية والاقتصادية فقط، بل تمتد لتفاقم أزمة التغير المناخي وتدمير النظم البيئية، ما يهدد بقاء الحياة على كوكب الأرض. 

وتثبت الوقائع التي أعدتها صحيفة العرب، أن الحروب تسرّع وتيرة الاحتباس الحراري عبر إطلاق كميات هائلة من الغازات الدفيئة، وتدمير الغطاء النباتي، وتلويث التربة والمياه، ما يجعل الكوكب يواجه أزمة بيئية متصاعدة تهدد الأمن الغذائي والمائي، وتدفع بأنظمة الحياة إلى حافة الانهيار.

كما أوضح الخبراء في تصريحات لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) أن العمليات العسكرية تستهلك كميات هائلة من الوقود الأحفوري، وتطلق انبعاثات كربونية ضخمة تؤدي إلى تلوث التربة والمياه، وتدمير الغطاء النباتي، ما يفاقم الاحتباس الحراري ويعرقل جهود مكافحة التغير المناخي.

تراكم الغازات الدفيئة وتفاقم الاحتباس الحراري

قال البروفيسور أحمد السلايمة إن الحروب لا تقتصر أضرارها على الدمار المادي، بل "تشعل نيران التغير المناخي وتسرّع وتيرته".

وأشار إلى أن الطائرات والدبابات والصواريخ تستهلك كميات هائلة من الوقود الأحفوري، ما يؤدي إلى إطلاق غازات دفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون يسرّع ظاهرة الاحتباس الحراري.

وأضاف السلايمة أن الحروب تسبب حرائق في مصافي النفط ومحطات الطاقة، وتدمير الغطاء النباتي بما في ذلك الغابات التي تعمل كـ "أحواض كربون" تمتص ثاني أكسيد الكربون، مشيراً إلى أن كل شجرة تُحرق تمثل فقدان خزان كربوني مهم.

كما أشار إلى التلوث طويل الأمد في التربة والمياه بسبب الأسلحة الفتاكة وتأثيراتها السامة على التنوع البيولوجي.

وأوضح السلايمة أن الحروب تسرّع التصحر بسبب تآكل التربة وغياب الغطاء النباتي، إضافة إلى بقاء القنابل والمتفجرات غير المنفجرة عائقاً أمام إعادة التأهيل البيئي، وتشكّل خطراً على الحياة البرية والبشرية.

وقال إن إصلاح الأضرار البيئية يستغرق عقوداً، وقد يكون مستحيلاً في بعض الحالات مثل انقراض أنواع أو فقدان نظم بيئية فريدة، مشددًا على أن الحل الأمثل هو "الحوار لحل الخلافات وإرساء السلام".

وقود أكثر كربون أكثر.. الحروب من أخطر ملوثات البيئة

أمين عام وزارة البيئة السابق، محمد الخشاشنة، وصف الحروب بأنها من "أخطر ملوثات البيئة"، بسبب إطلاقها كميات ضخمة من المواد الكيميائية السامة، واستخدام أسلحة تدمر البيئة لعقود.

وأشار إلى أن الحروب مسؤولة عن نحو 6% من انبعاثات غازات الدفيئة عالمياً، مع ارتفاع هذه النسبة خلال النزاعات.

وبيّن الخشاشنة أن الحروب تعطل التحول للطاقة النظيفة، مستشهداً بالحرب الروسية – الأوكرانية التي أدت إلى توقف أو تدمير أكثر من 90% من محطات الرياح، ما اضطر العالم للعودة للوقود الأحفوري.

كما شدد على أن النزاعات تعطل البنية التحتية البيئية مثل شبكات المياه والصرف الصحي، وتسبب تلوثاً واسعاً.

التلوث البحري وتأثير الحروب على الموائل البحرية

أشار الخشاشنة إلى أن السفن الحربية تلوث البحار والمحيطات بالنفايات والمواد الكيميائية، ما يؤدي لتدهور الشعاب المرجانية والموائل البحرية، إضافة إلى ظهور أمطار حمضية تضر بالبيئة والصحة العامة.

كما نوّه إلى ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في تجريف التربة الزراعية لبناء المستوطنات، مؤكداً أن حماية البيئة لم تعد رفاهية بل ضرورة وجودية.

الانبعاثات العسكرية خارج حسابات الاتفاقيات المناخية

الصحافية المتخصصة في الإعلام البيئي، فرح عطيات، كشفت أن الانبعاثات العسكرية غالباً ما تبقى خارج الحسابات الرسمية للاتفاقيات المناخية مثل اتفاق باريس، الذي استثنى الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة العسكرية منذ مفاوضات بروتوكول كيوتو عام 1997.

وذكرت أن الانبعاثات العسكرية تقدر بنحو 1.2 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنوياً، تمثل نحو 2.3% من الإجمالي العالمي، لكن النسبة الحقيقية قد تكون أعلى بسبب غياب الشفافية.

وأشارت فرح عطيات إلى أن النزاعات، مثل الصراع الروسي – الأوكراني وحرب في غزة تضعف قدرة الدول على التكيف مع التغير المناخي عبر تدمير البنية التحتية وزيادة موجات النزوح واللجوء، ما يفاقم الأزمة المناخية.

دعت فرح عطيات إلى إنشاء مجلس أممي خاص بالأمن المناخي، يفرض عقوبات على الدول المتسببة بالكوارث البيئية والمناخية، مشيرة إلى أن استمرار الحروب دون مساءلة بيئية سيدفع العالم ثمناً باهظاً أمنياً وبيئياً ووجودياً.

العدوان على غزة كمثال كارثي

الخبير البيئي إيهاب عيد، وصف التغير المناخي بأنه من أخطر التحديات التي تواجه البشرية، وأشار إلى أن "العدوان الإسرائيلي على غزة تسبب بانبعاث أكثر من 1.9 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، إضافة إلى توقعات بانبعاثات إضافية تزيد على 30 مليون طن نتيجة إعادة الإعمار، ما يعمق الأزمة البيئية".

وحذر عيد من أن الأضرار المناخية للحروب قد تدفع العالم لتجاوز نقاط تحول مناخية لا رجعة فيها، مثل اضطراب الأمطار وزيادة موجات الحر والجفاف وتصاعد الأعاصير، مشدداً على أن وقف النزاعات ومساءلة المسؤولين عن الأضرار هو السبيل الوحيد لحماية الأجيال القادمة.

كما حذر الخبراء من أن هذه التداعيات لا تتوقف عند حدود اللحظة الراهنة، بل تمتد لتترك بصمات بيئية عميقة لا يمكن إصلاحها بسهولة، ما قد يؤدي إلى تجاوز نقاط تحول مناخية حرجة لا عودة بعدها، تشمل اضطرابات شديدة في أنماط الطقس، وازدياد حرائق الغابات وموجات الحر، وتصاعد حدة الجفاف والعواصف الاستثنائية.

وفي ظل استمرار الحروب وتصاعد وتيرتها، يؤكد العلماء أن العالم يواجه تهديداً وجودياً حقيقياً يتطلب وقف النزاعات المسلحة فوراً وإدماج أبعاد البيئة والمناخ في جميع عمليات السلام والمفاوضات الدولية.

(م ح)