بحث يكشف عن السلوكيات الاجتماعية في عالم الديدان

تتجمّع ديدان النيماتودا لتبني أبراجاً حيّة تتصرّف كوحدة واحدة، في سلوك جماعي مذهل يعكس روحاً تنظيمية واجتماعية غير متوقعة من كائنات صغيرة لا تتجاوز المليمتر. واعتبر أستاذ في الهندسة الميكانيكية وعلم الأحياء، أن النمل، الذي يتجمع لتشكيل أطواف طافية للبقاء أثناء الفيضانات، يُعد من الكائنات القليلة التي تُظهر سلوكاً جماعياً مشابهاً لما تفعله ديدان النيماتودا.

بحث يكشف عن السلوكيات الاجتماعية في عالم الديدان
الإثنين 9 حزيران, 2025   19:52
مركز الأخبار

شهد علماء في ألمانيا مؤخراً تقنيات بناء مذهلة تقوم بها كائنات معمارية صغيرة، تُسمى الديدان الخيطية، توجد في جميع أنحاء سطح الأرض.

وبعد أشهر من الفحص الدقيق لفاكهة الكمثرى والتفاح الفاسد في بساتين محلية، تمكّن الباحثون في معهد ماكس بلانك لسلوك الحيوانات، وجامعة كونستانس، من رصد مئات من هذه الديدان الصغيرة التي يبلغ طولها 1 مليمتر فيما تتسلق فوق بعضها، وتراكم هياكل تصل إلى عشرة أضعاف حجمها الفردي.

ولمعرفة المزيد عن الفيزياء الغامضة للأبراج اللينة واللزجة، أحضر فريق الدراسة عينات من ديدان خيطية تُسمى "الربداء الرشيقة" إلى مختبر لتحليلها.

وهناك، لاحظ العلماء أن الديدان يمكن أن تتجمع في غضون ساعات، حيث يمد بعضها أذرعه من الكتلة الملتوية كـ"أذرع" استكشافية تستشعر البيئة المحيطة، لتقوم ببناء الهياكل.

وأظهرت النتائج التي توصل إليها الفريق، المنشورة في مجلة Current Biology، أنه حتى أصغر الكائنات يمكن أن تثير تساؤلات كبيرة حول الغاية التطورية من السلوكيات الاجتماعية.

وقالت سيرينا دينغ، المؤلفة الرئيسية للدراسة والمشرفة على مجموعة أبحاث الجينات والسلوك في معهد ماكس بلانك: "ما توصّلنا إليه لم يكن مجرد ديدان تقف فوق بعضها، بل كائناً فائق التنظيم يتحرّك ويتصرف كوحدة واحدة منسقة".

ولفهم الدافع وراء سلوك البناء لدى ديدان النيماتودا، قام فريق الدراسة باختبار استجاباتها عند تعريضها لمحفزات مثل اللمس، والدفع، وحتى اقتراب ذبابة منها، خلال تجمعها في تشكيل برجي.

قالت المؤلفة الأولى للدراسة، دانييلا بيريز، وهي باحثة ما بعد الدكتوراه في معهد ماكس بلانك لسلوك الحيوانات: "لاحظنا أنها شديدة التفاعل مع وجود أي محفز. فهي تستشعره، ثم يتحرك البرج بأكمله باتجاه هذا المحفز، ويلتصق بأداة معدنية نستخدمها أو حتى بذبابة تحلق بالقرب منها".

وأشارت هذه الاستجابة المنسقة إلى أن ديدان النيماتودا الجائعة قد تتجمع معاً لتسهيل انتقالها إلى أماكن جديدة، من خلال التعلق بالحيوانات الأكبر مثل الحشرات، التي تنقلها إلى "مراعٍ" جديدة، وإن لم تكن أكثر اخضراراً لكنها أغنى بالفاكهة المتعفّنة التي تُعد مصدر غذاء لها.

وتابعت أنه "إذا فكرت بالأمر، لا يمكن لحيوان لا يتجاوز طوله مليمتراً واحداً ببساطة الزحف لمسافة مترين بهدف الوصول إلى ثمرة أخرى".

وأضافت دانييلا بيريز أن ديدان النيماتودا قادرة أيضاً على التنقل بشكل فردي، لكنها أشارت إلى أن الوصول إلى منطقة جديدة ضمن مجموعة قد يمنحها فرصة أفضل للاستمرار في التكاثر، موضحة أنّ هذه الهياكل ذاتها قد تُستخدم كوسيلة للنقل، حيث لاحظ الباحثون أن بعض الديدان شكلت جسوراً عبر الفجوات في أطباق بتري، ما مكّنها من الانتقال من سطح لآخر.

وعلّقت أوريت بيليغ، أستاذة مساعدة في علوم الحاسوب تدرس الأنظمة الحية بمعهد BioFrontiers في جامعة كولورادو بولدر، قائلة: "هذا الاكتشاف مثير للغاية. إنه لا يسلط الضوء فقط على الوظيفة البيئية لتكوين هذه الأبراج، بل يفتح أيضاً الباب أمام إجراء تجارب أكثر تحكماً لفهم العالم الإدراكي لهذه الكائنات، وكيفية تواصلها داخل مجموعة كبيرة".

أوضحت دانييلا بيريز أنّ الخطوة التالية لفريقها البحثي تتمثّل في محاولة معرفة ما إذا كان تكوين هذه الهياكل سلوكاً تعاونياً أم تنافسياً. بعبارة أخرى: هل تتصرّف ديدان النيماتودا بشكل اجتماعي لمساعدة بعضها، أم أن ما نشهده أقرب إلى فوضى تدافع؟

من جانبها، قالت سيرينا دينغ إنّ دراسة سلوكيات كائنات أخرى قادرة على التجمّع الذاتي قد توفر دلائل حول القواعد الاجتماعية لدى ديدان النيماتودا، وتساعد في الإجابة على هذا التساؤل.

أما ديفيد هو، وهو أستاذ الهندسة الميكانيكية وعلم الأحياء في معهد جورجيا التقني، فاعتبر أن النمل، الذي يتجمع لتشكيل أطواف طافية للبقاء أثناء الفيضانات، يُعد من الكائنات القليلة التي تُظهر سلوكاً جماعياً مشابهاً لما تفعله ديدان النيماتودا.

وأشار هو إلى أن "النمل يُظهر قدراً هائلاً من التضحية لصالح المجموعة، ولا يحدث قتال داخلي عادةً داخل المستعمرة، وذلك بسبب التركيبة الجينية المشتركة لهذه الكائنات".

وأوضحت بيريز أن ديدان النيماتودا، مثل النمل، لا تبدو عليها أي علامات واضحة للتمييز في الأدوار أو وجود تسلسل هرمي داخل الأبراج. فكل دودة، من قاعدة البرج حتى أعلاه، تتمتّع بالقدرة على الحركة بالقدر ذاته، ولا تُوجد مؤشرات على وجود منافسة.

من جهتها، قالت أوريت بيليغ إن الكائنات التي تتعاون اجتماعياً تميل غالباً إلى استخدام نوع من أشكال التواصل. ففي حالة النمل، يكون ذلك عبر مسارات الفيرومونات، بينما يعتمد نحل العسل على رقص طقسي، وتستخدم فطريات الوحل إشارات كيميائية نابضة.

(م ش)