"الفزعة" في مقاطعة دير الزور... إرث يجسد روح التطوع في كل الأعمال

تُعد المبادرة التعاونية "الفزعة" في مقاطعة دير الزور أحد أهم النماذج التراثية للعمل المجتمعي والتطوعي، التي تجسد روح التعاون ورمز الصمود المشترك لمواجهة الصعوبات، والتي يعتمدها الأهالي عبر عقود.

"الفزعة" في مقاطعة دير الزور... إرث يجسد روح التطوع في كل الأعمال
"الفزعة" في مقاطعة دير الزور... إرث يجسد روح التطوع في كل الأعمال
"الفزعة" في مقاطعة دير الزور... إرث يجسد روح التطوع في كل الأعمال
"الفزعة" في مقاطعة دير الزور... إرث يجسد روح التطوع في كل الأعمال
"الفزعة" في مقاطعة دير الزور... إرث يجسد روح التطوع في كل الأعمال
"الفزعة" في مقاطعة دير الزور... إرث يجسد روح التطوع في كل الأعمال
"الفزعة" في مقاطعة دير الزور... إرث يجسد روح التطوع في كل الأعمال
الثلاثاء 3 حزيران, 2025   05:01
دير الزور
فاطمة العبد

تعود جذور العمل التطوعي بمقاطعة دير الزور إلى العادات العشائرية الراسخة التي تعزز التكافل الاجتماعي، مثل تقديم الدعم في الأفراح، ومساعدة المزارعين في مواسم الحصاد، أو دعم الأسر المتضررة أو المحتاجة لشيء ما. ومع مرور الزمن، تحولت هذه التقاليد إلى مبادرات تلقائية تنبثق من المجتمع نفسه دون أي تخطيط مركزي. 

وتعتمد "الفزعة" على مبدأ التكيف مع الظروف، حيث يشارك الأهالي بشكل عفوي في تنظيم المناسبات الاجتماعية وغيرها من الأعمال التي تتطلب تعاوناً مشتركاً، انطلاقاً من مفهوم "الفزعة" كإرث تقليدي متجذر.

وسط زحام الأيادي العاملة وحماس المتطوعين الذين ينتشلون الركام وينظفون الشوارع وقنوات استجرار مياه الري إلى الأراضي الزراعية، يقف الشاب نزال الحمود صامتاً كالسنديانة الراسخة. لا تنطلق من فمه كلمات، لكن عينيه تتحدثان بلغة أعمق من كل الخطابات. يحمل في يده الأدوات البسيطة التي يشارك من خلالها في مبادرة تنظيف القناة في أحد مشاريع الري بمدينة هجين.

فعلى الرغم من فقدانه للنطق، لم ينتظر من أحد ليعرف دوره، بل صنعه بإرادة لا تعرف المستحيل، من خلال عمله ومتابعته للأماكن التي تحتاج إلى تنظيف. وكأن صمته تحول إلى لغة عالمية يفهمها الجميع، ليثبت أن العطاء لا يحتاج إلى عضلات قوية، بل إلى قلب يخفق بالمسؤولية وإرادة ترفض أن تكون على الهامش.

دور المرأة والشباب مشاركة دون قيود

يبرز دور المرأة كشريك فاعل في جميع مراحل المبادرات، بدءاً من ترميم المنازل وحتى تنظيم الحملات التوعوية والزراعية والثقافية. كما يلعب الشباب دوراً محورياً أيضاً في هذه المبادرات التقنية والبيئية، بينما يساهم كبار السن بخبراتهم التاريخية في تقديم التوجيهات والمقترحات لتنظيم هذه المبادرات المجتمعية.

ويقول ابن مدينة هجين وأحد السباقين في المبادرات التعاونية "الفزعة"، خالد العبيد: "نساهم لأننا نُعدّ هذا واجباً تجاه أرضنا وأهلنا".

وتابع العبيد: "الفزعة عندنا عادة أصيلة نعتز بها، ليست مجرد مساعدة عابرة، بل رمز للتلاحم بين العائلات والأهل والجيران. منذ طفولتنا، ونحن نرى كيف يتجمع الجميع في مواسم الحصاد أو جني القطن أو أي عمل يحتاج إلى جهد جماعي."

"اليوم، نحن كمجموعة من شباب أبناء مدينة هجين مجتمعون في أحد الحقول الزراعية التابعة لجيراننا، ونقوم بعملية حصاد الشعير يدوياً".

وأضاف: "لا ننتظر من أحد أن يطلب المساعدة، بل نبادر إلى فزعة إخواننا وجيراننا كواجبٍ علينا، وهم بدورهم يفعلون الشيء نفسه معنا. وهذه العادة ليست جديدة، بل هي إرث توارثناه عن آبائنا وأجدادنا، نحرص على الحفاظ عليه".

وأكد العبيد: "الفزعة تعلمنا أن القوة في الوحدة، وعندما نتجمع لننجز عملاً ما، لا يقتصر الأمر على إنجاز المهمة بسرعة فحسب، بل يصبح العمل أكثر إتقاناً، والنتيجة أفضل بكثير مما لو عمل كل منا بمفرده". ونوه العبيد: "للفزعة مفهوم أشمل نطبقها في كل مناحي الحياة، في الأفراح، وحتى في مشاريع البناء أو تنظيف الحي. الذكرى الأجمل هي عندما يتجمع الشباب وكبار السن معاً كلٌّ يقدم ما يستطيع، فينشأ حوار بين الأجيال، وتبنى روابط لا تنكسر، حتى في الأعمال المنزلية البسيطة، ترى الجار يمد يده للجار قبل أن يسأل. 

 ومن جانبه قال أنس عبد اللطيف: "الفزعة عندنا ليست مجرد عمل مؤقت، بل هي عرق يسري في جسد المجتمع عموماً كما أنها مبدأ نحمله كإرث من آبائنا ونحرص أن نورثه لأبنائنا، لا نميز بين كبير وصغير، ولا بين رجل وامرأة، الجميع يشارك حسب طاقته".

الفزعة نهر جاري

ووصف عبد اللطيف الفزعة بمثابة نهر، إن توقف عن الجريان جف. لذلك نغرس في أبنائنا أن العمل الجماعي مهم، وأن ترك الفزعة يعني تخلي عن جذورنا.

وفي الختام، قال "عبد اللطيف": "أتمنى أن تبقى ثقافة الفزعة حية في مجتمعاتنا، وأن ننشر قيمها خارج نطاق المنطقة. لو تعلم كل إنسان أن يداً واحدة لا تصفق، لكن الأيدي المتشابكة تغيّر العالم، لاختلفت حياتنا. الفزعة ليست مجرد عادة، بل هي مدرسة نتعلم منها معنى الإنسانية والتضامن".

(أ)

ANHA