مظفر رمضان.. المناضل في حياته والشهيد في مقاومة سد تشرين

في كل حيّ هناك رجلٌ يعرفه الجميع، ليس لأنه يبحث عن الأضواء، بل لأن وجوده يشبه جذور الشجر، عميقٌ، ثابتٌ، ويمنح الحياة لمن حوله، وكان مظفر رمضان أحد هؤلاء الأشخاص الذين حملوا هموم الشعب على كتفيه وعلى لسانه كلمتان لا تفارقانه: الحرية وكردستان، فكتب اسمه في صفحات تاريخ ثورة شمال وشرق سوريا بروحه الحرة التي لا تقبل الذل.

مظفر رمضان.. المناضل في حياته والشهيد في مقاومة سد تشرين
مظفر رمضان.. المناضل في حياته والشهيد في مقاومة سد تشرين
مظفر رمضان.. المناضل في حياته والشهيد في مقاومة سد تشرين
مظفر رمضان.. المناضل في حياته والشهيد في مقاومة سد تشرين
مظفر رمضان.. المناضل في حياته والشهيد في مقاومة سد تشرين
مظفر رمضان.. المناضل في حياته والشهيد في مقاومة سد تشرين
مظفر رمضان.. المناضل في حياته والشهيد في مقاومة سد تشرين
مظفر رمضان.. المناضل في حياته والشهيد في مقاومة سد تشرين
مظفر رمضان.. المناضل في حياته والشهيد في مقاومة سد تشرين
مظفر رمضان.. المناضل في حياته والشهيد في مقاومة سد تشرين
مظفر رمضان.. المناضل في حياته والشهيد في مقاومة سد تشرين
الأربعاء 5 شباط, 2025   07:30
قامشلو
سيما بروكي

هناك أناسٌ يعيشون حياتهم كالماء، هادئين، عابرين، يذوبون في الأيام دون أن يتركوا أثراً، لكن هناك آخرون، أرواحٌ وُلدت من نار الأرض، تنبض بالمقاومة، وتحفر أسماءها في ذاكرة الوطن. هؤلاء لا يبحثون عن مجدٍ شخصي، ولا يسألون عن ثمن تضحياتهم، بل يمنحون حياتهم للحرية دون تردد، وكأنهم منذورون لفداء الأرض.

في مقاومة سد تشرين وفي كل خندق، هناك من يواجه الموت بصدورٍ مفتوحة، لا يخشون الطائرات التي تحوم في السماء، ولا الرصاص الذي يتربص بهم عند كل زاوية. إنهم يعرفون أن الحياة بلا كرامة ليست حياة، وأن الأوطان تُروى بالدم قبل أن تزهر بالحرية.

وحين يسقط أحدهم شهيداً، لا تنطفئ روحه، بل تنتقل إلى ذاكرة شعبه، تسكن في قلوب الأمهات اللواتي يزغردن على الرغم من الألم، وفي عيون الأطفال الذين يكبرون حاملين راية المقاومة؛ لأن هؤلاء الرجال والنساء لا يموتون، بل يتحوّلون إلى أغنيةٍ تُغنّى في ساحات النضال، وإلى نجومٍ تضيء ليالي الثوار.

هذه قصة رجلٍ لم يعرف الخوف، لم يساوم، ولم يتراجع أبداً. هذه قصة مظفر رمضان الذي بدأ نضاله في حيّه، وانتهى شهيداً في سبيل وطنه.

طفولة مشبعة بالانتماء

وُلد مظفر محمود رمضان، المعروف بـ "أبو يوسف"، عام 1961، في قرية تل شعير التابعة لمدينة تربه سبيه، ونشأ في حي قدوربك، أحد أقدم أحياء مدينة قامشلو في مقاطعة الجزيرة، وسط أسرة كبيرة مكوّنة من 4 إخوة و3 أخوات. درس المرحلتين الابتدائية والإعدادية في مدارس قامشلو، وكان شديد التعلق بعائلته ومجتمعه، راسماً لحياته معنىً عميقاً في كل تفصيلة من تفاصيلها.

وفي عام 1990، تزوّج في المنزل ذاته الذي وُلد فيه، ورُزق بستة أطفال (بنتان و4 أولاد)، فكان أباً مخلصاً، يغرس فيهم قيم العدل والحرية والكرامة. كانت وصيته الدائمة لهم: "لا تكونوا ظالمين، لا تتسرّعوا، وإذا تكلمتم، فتكلموا بوعي وحكمة".

النضال في زمن القمع

عمل مظفر موظفاً في شركة نفط تابعة للنظام السوري مدة 34 عاماَ، لكن عمله لم يكن يقتصر على كسب العيش، بل كان يسعى لتنشئة أطفاله على حب الوطن والاعتزاز بالقومية الكردية، وعلى الرغم من منع اللغة الكردية، حرص على تعليم أبنائه هذه اللغة سرّاً، وأصرّ على أن يظل الوعي الكردي متقداً في عائلته.

تعرّف مظفر رمضان على حركة التحرّر الكردستانية في التسعينيات من القرن الماضي، وانخرط في العديد من الأنشطة الثورية في المدن السورية، متّخذاً من فكرها مرجعاً لتحقيق العدالة والمساواة بين جميع المكوّنات.

ومع انطلاق ثورة 19 تموز 2012، تبنّى فكر الأمة الديمقراطية، وأصبح أحد أعمدة تطبيق الإدارة الذاتية في حيّ قدوربك، الذي يضم خليطاً واسعاً من المكونات.

العمل السياسي والاجتماعي.. من الكومينات إلى حماية الأحياء

في عام 2013، انضمّ مظفر رمضان إلى حزب الاتحاد الديمقراطي، بالتزامن أصبح رئيساً مشتركاً لكومين الشهيدة مديا في قامشلو، ثم انتقل إلى مجلس الحي، وبعدها إلى مجلس الشعب في قامشلو، حتى تولّى منصب نائب الرئاسة المشتركة للمجلس عام 2017.

وتتذكر رفيقته في النضال بالحي وتأسيس الكومينات والمجالس وحتى مجلس الشعب، حسنة رمو: "كان يحمل مسؤولية جميع المكونات، لم يميّز بين كردي وعربي وسرياني أو حتى المهجّرين من حلب وعفرين ودير الزور. لم يفضّل نفسه على أحد، ولو كانت لديه كسرة خبز واحدة، لشاركها مع رفاقه".

لم يقتصر نشاطه على السياسة، بل كان مظفر عضواً في قوات الحماية المجتمعية  (HPC)، وأسهم في حماية مجتمعه بلا كلل، حتى وهو في عمر الستين، وسط رفاق يصغرونه سنّاً، كما كان حاضراً في كل اجتماع ومسيرة ومظاهرة في المدينة.

التمسك بنهج القائد عبد الله أوجلان

منذ أن تعرف مظفر رمضان على فكر القائد عبد الله أوجلان، ظل متمسكاً به، لأنه رأى الخلاص في هذا الفكر، ولذلك كان يحمل دوماً صور القائد في كل مناسبة يشارك فيها.

كما شارك في العديد من الدورات الأيديولوجية للتعمق في فكر القائد أكثر وأكثر لتطبيقها عملياً على أرض الواقع، وعمل على تجسيد ما تعلمه على أرض الواقع، فأصبح مثال الشخصية المناضلة التي تطبق ما تقول.

ويصف ابن مظفر، محمود، ارتباط والده بفلسفة القائد عبد الله أوجلان بهذه الكلمات: "رأيت في عينَي والدي كردستان والقائد"، ويقول محمود إنّ والده عرّف لهم الكرد وكردستان وهويتهم من خلال فكر القائد عبد الله أوجلان وتابع حديثه قائلاً: "لطالما أراد والدي رؤية القائد".

مقاومٌ في كل الجبهات

لم يقتصر عمل مظفر رمضان على البقاء في الأحياء والعمل ضمن المجالس والكومينات، بل كان حاضراً في دعم كل مقاومة في شمال وشرق سوريا وفي كل مكان كان فيه الشعب يتعرض للإبادة.

ففي عام 2014، توجه مع أهالي مقاطعة الجزيرة إلى شنكال لحماية الإيزيديين من إبادة مرتزقة داعش، وفي عام 2018، توجه إلى عفرين لتقديم الدعم لمقاوميها في وجه غزو الاحتلال التركي، وفي عام 2019، كان حاضراً لدعم مقاومة سري كانيه وكري سبي، ليكون جنباً إلى جنب مع المقاتلين الذين يقاومون هجمات الاحتلال التركي.

ويؤكد ابنه محمود رمضان أن والده لم يكن بعيداً عن الخطر، بل كان دائماً في المقدمة، قائلاً: "لطالما رأيت والدي يردد كلمتين: الحرية وكردستان".

رحلة إلى سد تشرين.. نحو الخلود

مع بدء هجمات الاحتلال التركي على سد تشرين، في كانون الأول 2024، قرر مظفر رمضان الالتحاق برفاقه المحتجين على جسم سد تشرين، رفضاً لهجمات الاحتلال التركي. قبل مغادرته، خاطب حفيده قائلاً: "سأذهب.. فليكن لديكم شهيد".

وفي 18 كانون الثاني 2025، أثناء المناوبة في سد تشرين، استهدفت طائرة مسيّرة للاحتلال التركي المحتجين هناك، ليستشهد مظفر رمضان مع خمسة من رفاقه، مقدماً روحه كما أراد دائماً، في سبيل الدفاع عن الوطن.

إرث خالد.. وروح لا تموت

لم يكن مظفر رمضان مجرد مناضلٍ عابر، بل كان مدرسة في النضال والإيثار. يصفه رفيقه حسين عبد الرحمن قائلاً: "لم يكن مجرد رفيق.. كان أخاً وأباً، كان قائداً في تواضعه، وكان مقاتلاً في التزامه".

أما ابنه محمود، فيختصر إرث والده بكلمات بسيطة: "لطالما افتخرنا به في حياته، واليوم نفتخر به أكثر.. لن نتخلى عن نهجه، وسنسير على خطاه حتى النهاية".

(ح)

ANHA