روني ولات الابن البار

تقدّم الصفوف الأمامية خلال سنوات الحرب الطويلة ضد مرتزقة داعش، وصفته عشائر وقبائل دير الزور بالابن البار، سعى لوأد الفتنة التي حاول بعض المرتزقة إشعالها في دير الزور، وهب حياته لخدمة شعبه، ناضل دون كللٍ أو ملل.

روني ولات الابن البار
الإثنين 18 كانون الأول, 2023   03:29
مركز الأخبار
أحمد سمير

في 13 آذار 1979، أبصرت عينا شيروان حسن الحياة في مدينة قامشلو، في كنف أسرة وطنية معروفة بنضالها وخدمتها للقضية الكردية منذ عام 1985، وتعود أصول الأسرة المؤلفة من الأب والأم إلى جانب 6 فتيات، و4 شبان، إلى قرية جيلكا في ريف ناحية كركي لكي في مقاطعة الجزيرة، وشيروان هو الابن الثاني في الأسرة.

تميّز شيروان حسن بذكائه الحاد في طفولته، وثقته بنفسه من بين أطفال العائلة، لذلك أطلقت جدته عليه لقب "الزعيم"، وبات هذا اللقب شائعاً بين أفراد أسرته وأصدقائه.

درس شيروان الابتدائية في مدرسة صلاح الدين، والإعدادية في الطلائع، والثانوية في مدرسة الخوارزمي للمهن الصناعية في مدينة قامشلو، وعلى الرغم من كفاءته ومؤهلاته العلمية، إلا أنه اختار أن يسلك طريق الحرية.

في شبابه، عام 1997 بدأ شيروان حسن يتأثر بالأفكار الوطنية والنضال الذي تخوضه حركة حرية كردستان، مستمداً ذلك من والده، وراح يواكب هذا النضال انطلاقاً من عام 1999، ووهب حياته في سبيل القضية الكردية وقضية شعب المنطقة.

والد شيروان حسن، حسين رمو حسن أوضح أن شيروان: "محب لعائلته ونحبه، عزيز على قلوبنا، كان يرافقني دائماً في الزيارات التي أجريها، نشأ شيروان في مرحلة كانت الأفكار الوطنية فيها تنبع وتنتشر في كردستان للتحرر من القيود المفروضة عليه، لذلك تعرف على النضال في مقتبل عمره، وبدأ حراكه ونشاطه الثوري مع رفاقه بين القاعدة الشعبية".

والد شيروان يهوى لعب الشطرنج، علّم نجله اللعبة، وبات شيروان يشارك في بطولات الشطرنج على مستوى مقاطعة الجزيرة وسوريا، وأحرز المراتب الأولى في البطولات التي نُظمت.

يستحضر حسين بعض ذكريات طفولة نجله التي لا زالت عالقة في مخيلته، وقال: "في إحدى ليالي أعياد نوروز، أشعل شيروان ورفيقه العربي النيران في الإطارات عشية عيد نوروز ابتهاجاً بقدوم العيد، وطاردتهم السلطات الأمنية التابعة للنظام البعثي، وتم اعتقالهم، وبعد فترة وجيزة تم إطلاق سراحهما".

شيروان حسن، الذي عُرف باسم روني ولات، تحضّر مسبقاً للمشاركة في ثورة 19 تموز بحماس وقوة، وبعد هبوب رياحها، جنح محلقاً ليقوم بتنظيم مجتمع شمال وشرق سوريا، وله دور ريادي في تشكيل قوات واجب الدفاع الذاتي، ومع ظهور مرتزقة جبهة النصرة وداعش وشنّهم هجمات على مناطق شمال وشرق سوريا، أخذ دوره في الجبهات ليصد تقدمهم ويدافع عن شعبه.

كافح القيادي روني ولات في جميع حملات تحرير مدن شمال وشرق سوريا، حتى إعلان الانتصار النهائي على مرتزقة داعش في آخر جحرٍ له في بلدة الباغوز. وأكدت قوات سوريا الديمقراطية في بيان عقب استشهاد القيادي روني بالقول: "كان أحد المناضلين الذين قادوا وتقدموا الصفوف الأولى خلال سنوات الحرب الطويلة ضد التنظيم الإرهابي في كل من (تل أبيض، ومنبج، والرقة، والطبقة) وأيضاً في دير الزور التي قاد فيها معركة تحرير مدينة هجين من تنظيم “داعش” الإرهابي، وظل متابعاً النضال ضده حتى استشهاده".

وذكر حسين حسن بعض خصال نجله، حيث زاره في إحدى الليالي في الجبهة التي كان يحارب فيها في قرية تل خنزير التابعة لمدينة سري كانيه المحتلة، وقال: "رأيت مدى عشقه وهيامه لوطنه وشعبه؛ وقد كان شعبه يبادله الحب؛ لأنه جدير بذلك، فقد كان على استعداد دائم ليخاطر بحياته ويضحي بروحه من أجلهم".

درأ الخطر عنهم بمقاومته وروحه الفدائية

وفي تفاصيل ما جرى في تلك الليلة التي بقيت راسخة في مخيلته، قال حسين حسن: "قبل بزوغ الفجر، وصلت معلومات تفيد بأن مجموعة من المرتزقة يحاولون محاصرة القرية وسكانها، وعليه هبَّ مسرعاً لإنقاذ سكان القرية ورفاقه المحاصرين، ودرأ الخطر عنهم بمقاومته وروحه الفدائية في تلك المعركة".

وسرد حسين موقفاً آخر لنجله، عندما كان في زيارة عمل إلى مدينة قامشلو: "بالصدفة شاهدنا معاً خطاباً له على التلفاز وهو يرافق العشائر العربية، سألته عما كان يفعله، فأجاب، إنهم من عشائر الشعيطات. وكان داعش قد ارتكب بحقهم مذابح ومجازر، ذهبنا للتعاون في تنظيمهم وتدريبهم، وتشكيل كتيبة تحمل اسم شهدائهم. لهذا كان أهل دير الزور يعتبرون الرفيق روني ابناً لهم".

وخالج حسين مشاعر مختلفة، بعد استماعه لحديث العشائر العربية عن نجله، وقال: "غمرني شعور الفرح عندما قالوا نحن نتألم أكثر من ذويه، هو ابننا البار، هذا الحديث يثبت مدى ارتباطهم به. روني لم يناضل من أجل والديه، بل من أجل شعبه وحرية جميع الشعوب ولإيصالهم إلى بر الأمان، كان أسمى أهدافه رفع الظلم، لم يكن محباً للقتل".

وأكدت خالة الشهيد روني، منور أحمد: "اتسم روني بالإنسانية؛ كان مميزاً في علاقاته، معلماً لأخوته ومرشداً لهم، يعلمهم وينير الطريق أمامهم وكان قدوة لهم، ومعلمهم في الحياة والمدرسة".

وأوضحت منور أحمد أن روني كان يتحلى بخصائل جمّة، على رأسها القوة والتطور، وله نظرة ثاقبة وقوية في التحليل، يراعي قيم الإنسان ومشاعره، لم يكن مغروراً، بل متواضعاً ولا يتباهى بدوره ومهامه القيادية. قالت: "استشهاده خسارة كبيرة للثورة".

شقيقة الشهيد روني ولات إلهام حسن، قالت: "تربطنا به علاقة قوية من الصغر، وهو دائماً كان داعماً لنا، ومعلمنا، ومدرسنا وقيادي بالنسبة لنا".

ونوهت إلهام حسن: "كأنه العيد، يدخل البهجة إلى قلب الجميع عند قيامه بزيارة خاطفة إلى المنزل، تتحّول الأجواء في المنزل إلى عرس يكتظ المنزل بالكبير والصغير، الجميع يأتي لرؤيته، أفراد العائلة الجيران الأصدقاء".

ونوّهت إلهام حسن إلى أن روني ولات ومنذ طفولته كان دائماً يؤسس علاقاته مع باقي المكونات ويطورها، لا سيما مع المكون العربي، وفي نضاله أيضاً لم يفرق ويميز بين أحد.

وذكرت إلهام إحدى محطات طفولتها التي لم تمحَ من ذاكرتها، وكيفية تعرضها للضرب من قبل معلمتها في المدرسة لمجرد حديثها باللغة الكردية التي كانت ممنوعة ومحظورة، وقالت: "عند عودتي إلى المنزل كنت أذرف الدموع، سألني روني عن سبب ذلك، وقلت له إن معلمة الصف لا تسمح لي بالحديث باللغة الكردية، فقال لي (لماذا تخافين) هذا حق مشروع".

ونوّهت إلهام حسن: "عند هجوم داعش على المنطقة كنا نخاف قليلاً. إلا أن روني أبعد ذلك الخوف وقال لنا (لماذا تخافين منهم إلى هذه الدرجة، هم الذين يخافون منا).

وأكدت إلهام أنها استمدت قوتها من روني، وقالت: "كان له تأثير كبير علي في التخلص من الخوف، الآن لا أخاف من أي شيء، تلك القوة تجري في دمي".

سعى القيادي روني ولات لوأد الفتنة في مهدها وبشكل خاص في منطقة دير الزور، التي حاولت بعض المجموعات التابعة لقوات حكومة دمشق إشعالها، وكان للقيادي روني دوراً كبيراً في درئها، منور أحمد أوضحت: "عند حدوث أي فتنة نحتاج لشخصية يملك في داخله الإنسانية، لا يحمل الشرور والحقد والتمييز والتفرقة بين القوميات، وروني امتلك تلك الصفات الإنسانية، وأهل دير الزور وعشائرها كانوا يدركون تلك الصفات التي تحلى بها روني، لذلك أوكلوا ثقتهم إليه".

وأعلنت القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية استشهاد عضو مجلسها العسكري، وعضو قيادة مجلس دير الزور العسكري، القيادي روني ولات: "إثر عملية إرهابية جبانة تعرض له شرق دير الزور، أثناء أداء واجباته الوطنية والأخلاقية تجاه شعبه ووطنه في 5 كانون الأول".

وأكدت قوات سوريا الديمقراطية: "إن القيادي روني قاد الكثير من عمليات المصالحة والتوافق لتعزيز اللحمة المجتمعية جنباً إلى جنب مع شيوخ ووجهاء الشعائر، وكان من القادة الأوائل الذين كافحوا لوأد الفتنة، مفضلاً الحوار ونبذ الاقتتال الأهلي الذي حاولت حينها الجهات المرتزقة المعادية لشعبنا جر المنطقة لها".

ووري جثمان القيادي روني ولات الثرى في 9 كانون الأول، في مزار الشهيد دليل ساروخان في مدينة قامشلو بحضور حشد غفير من سكان إقليم شمال وشرق سوريا.

(أ ب)

ANHA