عمالة الأطفال.. ضياع للأجيال في غياهب الأزمة السورية

مازال مستقبل ملايين أطفال السوريين ضائعاً في تيه الأزمة التي تعصف في بلادهم، فقد تركت الأعوام الـ 13 الماضية أثراً مروّعاً عليهم، ودفعتهم الظروف القاهرة إلى العمل في بيئات شديدة الخطورة وغير صحية وبذلك، تُعدّ أعمالهم بأجسادهم الصغيرة إحدى أبشع الإفرازات التي خلّفتها الأزمة السورية.

عمالة الأطفال.. ضياع للأجيال في غياهب الأزمة السورية
عمالة الأطفال.. ضياع للأجيال في غياهب الأزمة السورية
عمالة الأطفال.. ضياع للأجيال في غياهب الأزمة السورية
عمالة الأطفال.. ضياع للأجيال في غياهب الأزمة السورية
عمالة الأطفال.. ضياع للأجيال في غياهب الأزمة السورية
عمالة الأطفال.. ضياع للأجيال في غياهب الأزمة السورية
الأربعاء 12 حزيران, 2024   03:40
قامشلو
خالد عته

قلبت الأزمة السورية المستمرة منذ 2011، حياة الأطفال رأساً على عقب، فنشأ نصف أطفال هذا البلد وهم لا يعلمون عن بلدهم سوى الحروب والأزمات، التي دفعت ملايين السوريين إلى براثن الفقر، وأجبرتهم على العمل في ظروف وبيئات شديدة الخطورة وغير صحية.

فظاهرة عمالة الأطفال من أخطر الظواهر التي يعاني منها العالم بأسره، فهي تمثل خطراً كبيراً على الأطفال وعلى مجتمعاتهم على حد سواء، فالأطفال الذين لا يزالون في طور النمو الجسدي والعقلي، يختلفون في تركيبتهم وقدرتهم على التحمل مقارنةً بالبالغين.

ويُعدّ اليوم العالمي لمكافحة عمالة الأطفال، والذي يصادف 12 حزيران من كل عام، فرصة للتوعية بخطورة هذه المشكلة والعمل على وضع حد لها. فبرغم أن سوريا لم تعد تتصدر عناوين الأخبار العالمية بهذا الخصوص، بشكل منتظم، إلا أن الصراع لا يزال يؤثر بشكل كبير على مستقبل الأطفال وحياتهم، وفقاً لليونيسف.

تأثير الأزمة على الطفل السوري

مع مرور أكثر من 13 عاماً على الأزمة، تقدر يونيسيف أن أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، ولا يتمكن 12 مليون شخص على الأقل من الحصول على ما يكفي من الغذاء الكافي، ويحتاج 15 مليون شخص منهم 7,5 مليون طفل على الأقل، إلى أحد أشكال المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، وأكثر من 600 ألف طفل يعانون من سوء التغذية، وفق تقريرها الذي صدر في آذار العام الجاري.

وعن حرمان الأطفال من التعليم يؤكد التقرير أن 2,5 مليون طفل في سوريا لا يتلقون التعليم حالياً، و1,6 مليون آخرون مهددون أيضاً بالمصير ذاته، ما جعل معدلات عمالة الأطفال تصل إلى مستويات خطيرة، وإن كانت البيانات الدقيقة حول عمالة الأطفال غير متوفرة.

قصص لأجساد صغيرة وُلِدت مع ولادة الأزمة

فالطفل (م . ح) ذو 16 ربيعاً من العاصمة السورية دمشق، عوضاً عن السير باتجاه مدرسته كل صباح، يسير منذ 3 أعوام إلى العمل، بعد وصوله نازحاً إلى مدينة قامشلو في إقليم شمال وشرق سوريا من دمشق، يعمل في محل بالمنطقة الصناعية بمدينة قامشلو.

الطفل الذي يعيش مع عائلته الآن بمدينة قامشلو في منزلٍ بالإيجار، بجسده النحيل يحمل مطرقة ويقوم بصيانة دراجة مركونة أمام محلٍّ يعمل فيه منذ شهرين، بمعدل يتراوح بين (6 إلى 8) ساعات يومياً، لقاء أجر أسبوعي 150 ألف ليرة.

يقول لوكالتنا عن دوافع تركه لمقاعد الدراسة واللجوء إلى العمل: "أعمل منذ 3 سنوات، الحالة المادية لعائلتي ضعيفة وأبي مريض لا يستطيع العمل، تركت مقاعد الدراسة منذ أن كنا في ديارنا بدمشق وأنا في الصف السابع، وهذا ما فعله أخي الآخر قبلي".

(ج . أ) طفل سوري عمره من عمر الأزمة السورية من مدينة كركي لكي (13 عاماً)، هو الآخر ضحية تداعيات الأزمة السورية على الأطفال، يعمل في المنطقة الصناعية بمدينته نتيجة لأوضاع أسرته المادية، ترك مقاعد دراسته ويعمل منذ عام في محل لتزيين السيارات.

ويستغل الكثير من أصحاب المهن والمحال حاجة أُسر الأطفال المادية، لتشغيل الأطفال بأجور منخفضة في أعمال لا تتناسب مع أعمارهم، كما أوضح في حديث أحد أصحاب مهنة الخراطة في المنطقة الصناعية بمدينة قامشلو، الذي رفض الظهور والتحدث بشكل مباشر لوكاتنا، حيث قال إنه يفضّل أن يعمل لديه أطفال كونهم لا يطالبون بزيادة الأجور، كونهم مجبرين على التحمل بسبب حاجتهم.

وحول الآثار التي تخلّفها عمالة الأطفال، تؤكد عضوة منسقية حماية الطفل في الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، همرين حاج حسين "أن العمل في سن مبكرة يحدّ من نمو الطفل وتطوره مع مرور الوقت، ويؤثر على مستقبله وصحته، فهو يكدّ ويتعب لساعات عمل طويلة، خاصة أن الكثيرين منهم يعملون في ظروف في غاية الخطورة أو في بيئة غير صحية".

جهود الإدارة الذاتية الديمقراطية

وتؤكد همرين حاج حسين، أن المنسقية تعمل وفق استراتيجية لتقليل عمالة الأطفال في مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية، وتهدف لحماية الطفل ولضمان حقوقه في جميع مجالات الحياة "نركز بشكل كبير على عمالة الأطفال، ولدينا برنامج بهذا الخصوص لمكافحته".

وعن عملهم تضيف: "نقوم بشكل مستمر بدراسات ميدانية، نزور العوائل والنقاط التي تشهد تشغيل الأطفال، وتمكّنّا من إعادة عدد كبير من الأطفال إلى المدراس، ونقوم بمساعدة الأهالي مادياً للحد من هذه العمالة".

وتشير إدارية مكتب حماية الطفل ونائبة رئيسة هيئة المرأة في الإدارة الذاتية الديمقراطية لمقاطعة الجزيرة، وردة حنا، أن الإدارة الذاتية الديمقراطية تولي اهتماماً كبيراً في هذه الشأن، وتعمل عبر مؤسساتها وفق برامج وقانون الطفل؛ للحدّ من عمالة الأطفال ومعالجتها.

وترى نائبة رئيسة هيئة المرأة في الإدارة الذاتية الديمقراطية لمقاطعة الجزيرة، أن القضاء على هذه المشكلة تتطلب جهوداً محلية ودولية متمثلة في الدرجة الأولى بحلّ الأزمة السورية، وأشارت لتلك الجهود بالقول: "يتطلب العمل على تطوير وتحسين سبل العيش وتوفير الأمان والتعليم المؤثرين، وإعطاء الأولوية للقضاء على أسوأ أشكال عمالة الأطفال، والاستثمار في تعزيز الأنظمة والخدمات الوطنية والمجتمعية لحماية الطفل".

ولتوفير بيئة آمنة للأطفال، ينص العقد الاجتماعي لإقليم شمال وشرق سوريا على "حماية الأطفال ومناهضة كل أشكال الاضطهاد والاستغلال السياسي والفكري والاقتصادي والاجتماعي لهم، وتبني كل الاتفاقيات والمواثيق الدولية الأممية الخاصة بالطفل لضمان حياة ومستقبل أفضل"، وخصصته بقانون يحمل الرقم 7 من القوانين التي أصدرته الإدارة الذاتية.

ويضم القانون في مادته الـ 31 نظام رعاية بديلة "توفير رعاية اجتماعية ونفسية وصحية للأطفال التي حالت ظروفهم دون أن ينشؤوا في بيئة طبيعية، وتوجهوا إلى العمل بأعمال غير شرعية لا تناسب أعمارهم".

ويعدّ مركز الشهيدة حلبجة التابع للإدارة الذاتية الديمقراطية، إحدى مراكز الرعاية البديلة للأطفال في مقاطعة الجزيرة، التي تعمل للقضاء على عمالة الأطفال، وكذلك "النبش في القمامة والتسول" ولرعاية المشردين، عبر إعادة تأهيل الأطفال وتأمين أجواء عائلية من خلال برامج "تعليمية، نفسية، اجتماعية، ترفيهية".

ومنذ افتتاح هذا المركز عام 2022، قام المركز برعاية قرابة 700 طفل وإعادتهم إلى حياتهم الطبيعية، وترى نتائجه مرضية، وفق ما أكدته إدارية المركز ثريا عباس.

ANHA