شيلان.. مسيرة من النضال ونموذج للمرأة الثورية

تمردت ضد النظام السوري وهي صغيرة، واختارت مسيرة الحرية لتصبح ثورية ومقاتلة وقائدة وشاعرة لترسم مسيرة حياتها بنضالها إلى أن أصبحت شعلة تنير درب جميع النساء.

شيلان.. مسيرة من النضال ونموذج للمرأة الثورية
الخميس 30 تشرين الثاني, 2023   03:28
كوباني
زانا سيدي

تمر الذكرى السنوية الـ 19 لاستشهاد المناضلة شيلان كوباني (ميساء باقي) عضوة اللجنة المركزية في حزب الاتحاد الديمقراطي PYD ورفاقها؛ زكريا، وجوان، وفؤاد وجميل الذين طالتهم يد الغدر والخيانة في مدينة الموصل في العراق، إثر مؤامرة مشتركة من قبل القوى العميلة لحكومة دمشق والنظام التركي في 29 تشرين الثاني 2004، أثناء قيامهم بمهمة على الحدود العراقية – السورية.

مسيرة شيلان

وِلدت المناضلة ميساء باقي (شيلان) في كوباني عام 1971، في قرية كورعلي الواقعة 25 كم غرب مقاطعة كوباني. وترعرعت في محيط يحكمه التقاليد والأعراف العشائرية، وسط أسرة مكونة من الأب والأم و(5 شابات و4 شبان)، اضطرت إلى الانتقال مع أفراد أسرتها إلى مدينة حلب، بداعي العمل نهاية سبعينيات القرن الماضي.

تعرفت شيلان في عمر الـ 9 سنوات - عام 1980- على حركة حرية كردستان، وارتبطت بشخصية القائد عبد الله أوجلان وفكره، وكبرت على طموحاته متمنية أن تصبح مناضلة تليق بفكره.

اعتقلت شيلان للمرة الأولى على يد النظام السوري عندما بلغت عامها الـ 12، إثر مشاركتها في فعاليات حزبية، وعقب إنهائها المرحلة الإعدادية وبلوغها سن الـ 14، أرادت الالتحاق بصفوف حزب العمال الكردستاني والتعرف على الحركة عن قرب؛ عبر زيارة معسكرات الحزب في لبنان، لكنها لم تنجح في ذلك، حيث اعتقلت على الحدود السورية اللبنانية وبقيت قيد الاعتقال قرابة الشهرين.

عُرفت شيلان بشخصيتها المتمردة وحب الاطلاع والمعرفة، وكان والدها يمنعها من تلقي التعليم منذ صغرها، لكنها أصرت على أن تدرس سراً دون علمه، ونتيجة تفوقها في الدارسة، رضخ للأمر الواقع وتابعت شيلان تعليمها.

لاقت شيلان صعوبة بالغة أثناء التحاقها بالمدرسة الابتدائية، كونها فتاة كردية لا تجيد اللغة العربية، بعيدة عن ثقافتها الأصلية، لكن إصرارها على التعلم منحها ميزة التفوق في دراستها.

ولأول مرة، أعلنت شيلان العصيان ضد مدرستها عندما منعتها ورفيقاتها من المشاركة في احتفالات عيد نوروز (21 آذار) من كل عام، وعلى إثر ذلك نظمت ورفيقاتها مقاومة جديدة سميت بـ "الإضراب عن الدراسة"، وبسبب موقفها السياسي، اعتقلتها السلطات السورية.

شكلت بعض العادات والتقاليد الاجتماعية الضاغطة على المرأة الكردية والقوانين العشائرية، مجموعة من علامات الاستفهام لدى شيلان في الصغر، ما جعلها أكثر دفاعاً عن المرأة الكردية ضد تلك العادات.

شيلان وحركة التحرر الكردستانية

في عام 1981، تعرفت شيلان كوباني على حركة التحرر الكردستانية عبر كوادر الحزب المنتشرين في روج آفا والمدن السورية الأخرى، حيث زار كوادر الحزب لعديد المرات منزل عائلة شيلان وساعدوها في إتقان اللغة الكردية، لتتحول شيلان عقب ذلك إلى معلمة للغة الكردية في مدينة حلب، وبدأت بتعليم الطلبة اللغة الكردية سراً لأول مرة آنذاك.

أدركت شيلان أن حركة التحرر هي ما كانت تبحث عنه، وبدأت بالانخراط في الفعاليات المجتمعية وفعاليات المرأة والفرق الفنية في مدينة حلب، ولم تتوقف عن العمل الثوري بين الطلبة الكرد متنقلة بين حلب وعفرين، والانضمام للتدريب الأيديولوجي مع كوادر الحزب.

زارت شيلان كوباني معسكرات حزب العمال الكردستاني في سهل البقاع اللبناني عدة مرات، وتلقت التدريب هناك، كما شاركت كعضوة في المجموعة المنظمة لإذاعة "صوت الكريلا".

وفي آب عام 1988 انضمت إلى نضال حركة حرية كردستان في مدينة حلب، وسارت برفقة 4 رفيقات لها متوجهات إلى لبنان، وعند نقطة العبور على الحدود السورية اللبنانية تم توقيفها من قبل السلطات اللبنانية وبقيت في سجن نسائي مدة شهرين، عرفت في السجن الكثير مما كانت تجهله عن طبيعة الحياة الاجتماعية.

ثم التحقت بأكاديمية معصوم قورقماز في لبنان، وتلقت هناك تدريباتها العسكرية والسياسية، وسميت في بداية مسيرتها النضالية باسم "سعادت"، ولاحقاً باسم "شيلان".

وبقيت مدة عام قريبة من القائد عبد الله أوجلان في معسكرات الحركة في لبنان، وعلى الرغم كم صغر سنها فإنها أصرت على خوض الكفاح المسلح في جبال كردستان، وذلك ما لم يقبله القائد عبد الله أوجلان لصغر سنها، لتعود للعمل ضمن الفعاليات الشعبية في عفرين ومدينة حلب حتى عام 1991.

شيلان في جبال كردستان

مع بداية التسعينيات وصلت شيلان إلى جبال كردستان، وأرادت أن تثبت أن المرأة بإمكانها خوض الكفاح المسلح وأن تلعب دوراً طليعياً في ذلك، وبتلك الروح بدأت مرحلة جديدة من النضال في جبال كردستان امتدت 15 عاماً في تلك الجبال.

ومع تأسيس حزب المرأة بشكل رسمي في مؤتمر المرأة الوطني الثاني الذي عقد في آذار عام 1999، وتحت اسم حزب المرأة العاملة الكردستانية (PJKK) أخذت شيلان مكانها في إدارة الحزب في وقت كان تحزب المرأة بمثابة جواب صارم ضد الذهنية الذكورية، وضد المؤامرة الدولية التي حيكت ضد شخصية القائد عبد الله أوجلان.

وبهدف انفتاح المرأة الكردية والشرق أوسطية على كافة نساء العالم وبسبب الطابع الاشتراكي والأممي لحركة حرية المرأة، تم تنظيم الحزب في الفترة ما بين أعوام 1999 و2000 باسم PJA أخذت هذه المرة أيضاً شيلان مكانها في إدارة الحزب لتصبح عضوة مؤثرة في الحزب بنشاطاتها وفعالياتها الحزبية والتنظيمية بين جميع الرفيقات.

ومع انعقاد مؤتمر حزب الاتحاد الديمقراطي عام 2003 في منطقة "شهيد هارون" انتخبت كعضوة في اللجنة المركزية للحزب بأغلبية الأصوات.

وبعدها توجهت إلى روج آفا عام 2004، للمشاركة في النشاطات والفعاليات التنظيمية فيها بناءً على طلب الحركة. وبقيت فترة في العديد من مناطق روج آفا وسوريا، وحلب ودمشق وخطت خطوات عديدة على الصعيد التنظيمي والعملي بين الشعب ونالت ثقتهم، إلا أنه وخلال فترة قصيرة وصلت المعلومات للسلطات والاستخبارات السورية بوجودها في روج آفا ووضعوا تحركاتها تحت المراقبة لكي لا تستطيع التحرك بحرية وإعاقة حركتها ونضالها في المنطقة.

وبعدها توجهت شيلان بناء على قرار الحركة إلى مدينة الموصل العراقية بهدف تنظيم الفعاليات الحزبية لحزب الاتحاد الديمقراطي هناك.

لجأت الأجهزة الاستخباراتية السورية إلى حبك المؤامرة وتسخير عملائها في العراق وبعض الخونة من الكرد، وتم اغتيالها أثناء قيامها بمهمة  في 29 تشرين الثاني عام 2004 ، حيث استشهدت شيلان بيد الغدر مع أربعة من رفاقها، وهم كل من "زكريا وجوان وفؤاد وجميل" بمدينة الموصل في العراق.

ووري جثمانها الثرى مع 4 من رفاقها في مزار الشهيد هارون في جبال قنديل.

وتخليداً لذكرى استشهاد شيلان ورفاقها والاقتداء بنضالهم البطولي، تُنظم سنوياً فعاليات متنوعة في منطقة روج آفا وشمال وشرق سوريا.

كانت الرفيقة شيلان ورفاقها العظماء يتحلون بصفات راقية، وكانت عزيمتهم والتزامهم بفكر القائد عبد الله أوجلان وبنهج الثورة في أعلى درجاته، وكان موقفهم صارماً تجاه الخونة.

(ز س/ي م)

ANHA