سوريا تبحث عن حل لأزمتها فهل من مجيب؟ - هيفيدار خالد

 سوريا تبحث عن حل لأزمتها فهل من مجيب؟ - هيفيدار خالد
الجمعة 3 مايو, 2024   04:00

تشهد الساحة السورية تطوراتٍ متسارعةً على الصعد السياسية والميدانية والاجتماعية كافةً، بوتيرة عالية تفرض تحدياتٍ كبيرةً على المشهد العام في البلاد، وتخلق العديد من العراقيل والصعوبات أمام الشعب في أنحاء الجغرافيا السورية كاملةً، ترافقها تعقيدات كبيرة وتداخلات كثيرة في مناطق النفوذ لأطراف الصراع المتعددة. كل المتدخلين في الشأن السوري منذ بدء الأزمة، باتوا في حالة صراع وتضاد في بعض الأحيان، كل طرف يحاول النيل من الآخر والحد من نفوذه، وأصبحت البلاد على صفيح ساخن بعد أن أضحت ساحة صراع بين القوى الكبرى ممثلةً بأمريكا وروسيا، وسط مخاوف من أن يشهد الوضع القائم انفجاراً مرةً أخرى في أي لحظة، نتيجة التصعيد الحاصل في كل الجبهات المشتعلة أصلاً في الوقت الحالي بالإضافة إلى التصعيد الإيراني الإسرائيلي داخل الأراضي السورية.

نعلم بأن محافظة السويداء السورية تشهد احتجاجاتٍ شعبيةً منذ أكثر من ثمانية أشهر، وما فتئت تطالب بالتغيير السياسي وتحقيق العدالة. وكثيراً ما ينظر إلى هذه الاحتجاجات بأنها لم تحقق أهدافها التي خرجت من أجلها حتى الآن، وبأن الرئيس السوري بشار الأسد لا يولي أهميةً لهذه المحافظة، ولم يعّلق حتى الآن على مطالب أهالي السويداء. إلا أن استمرار هذه المظاهرات ربما خير من جمودها، ومواصلتها تمثل الرد القاطع والصريح في وجه سياسات الحكومة السورية وحزب البعث إذا صح التعبير، وهي رسالة يراد إرسالها للعالم بأن الشعب في هذه المحافظة غير راض عن سياسات الحكومة وأجهزتها الأمنية القمعية.

حيث إن سكانها يعانون من مئات الأزمات ممثلةً بالأزمة الاقتصادية والسياسية، والاجتماعية، بالإضافة إلى أن مصير العشرات من أبناء هذه المحافظة مجهول والسلطات السورية هي المسؤولة عن كل هذه الممارسات والانتهاكات، فضلاً عن سياساته الاستبدادية بحقهم وتشديد الخناق عليهم وجعل مدينتهم بوابةً لعبور وتهريب شحنات المخدرات إلى الخارج، وانتشار المواد المخدرة بين الشباب وبالتالي استهداف أمن وأمان المحافظة وجعلها تحت قبضته الأمنية؛ لذا باتت أمال الشعب معلقةً على المظاهرات التي يخرجون بها ويطالبون فيها برحيل بشار الأسد وتحقيق العدالة لهم.

على الجانب الآخر من البلاد دخل الوضع الأمني في المناطق المحتلة من قبل تركيا، مرحلةً جديدةً من الصراعات على النفوذ والمال، فقد شهدت مناطق شمال البلاد فوضى عارمةً بين الفصائل الإرهابية التابعة للاحتلال التركي وتحديداً في ريف ناحية مارع قبل أيام، بسبب السرقات والصراع على المال وانتشار الفساد بين عناصر عديدة من هذه الفصائل. الأمر الذي يؤدي في معظم الأوقات إلى وقوع حالات قتل بين الطرفين، وعزل في صفوف زعمائهم. وسط صمت دولي مطبق عما ما يجري هناك من جرائم واسعة وجسيمة يندى لها جبين الإنسانية، نتيجة سياسات تركيا الممنهج في هذه المناطق السورية.

من اللافت أن بعض الأطراف الإقليمية والدولية تحاول الإفادة من هذه الصراعات واستغلالها خدمةً لمصالحها وعلى رأسها الدولة التركية المحتلة لجغرافيا واسعة بالبلاد، ولدى تركيا حسابات كثيرة في هذه المناطق التي عاثت فيها خراباً وفساداً في كل النواحي، وهي تحاول المتاجرة بهذه الفصائل لإعادة العلاقات مع الحكومة السورية وخوض مسار التطبيع معها بعد سنوات من القطيعة، صعد خلالها أردوغان من لهجته وخطاباته تجاه بشار الأسد، وأحد هذه الخطابات جاء في مقابلة مع صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية عام 2011 توعد فيها أردوغان بالقتال والموت من أجل سوريا وقال  مخاطباً بشار الأسد: "تستطيع أن تبقى في السلطة بالدبابات والمدافع فقط لفترة معينة ليس إلا، وسيأتي اليوم الذي سترحل فيه أنت أيضاً".

أما في الجنوب السوري فقد تصاعد التوتر والانفلات الأمني وتحديداً في درعا نتيجة سياسات الحكومة السورية الفاشلة وخضوع المحافظة لما يعرف بنموذج التسويات التي تقودها روسيا منذ عام 2018 لتوسيع نفوذها في سوريا، وتحقيق مزيد من المكاسب السياسية والعسكرية على الأرض، بعيداً عن التفكير بمصلحة الشعب السوري أو قضاياه الأساسية المتمثلة بالحياة الكريمة وتوفير أبسط مقوماتها، حيث إنه يعاني من أزمة اقتصادية حقيقية. وسط أزمة حقيقية تشهدها كافة القطاعات الخدمية والصحية والاقتصادية والصناعية في معظم المحافظات السورية الخاضعة لسيطرة الحكومة ومن كافة النواحي، وسط عجز الحكومة عن مواجهة هذه التحديات في الوقت الحالي.

وفي شمال شرق سوريا وعلى وجه الخصوص في دير الزور (المناطق الخاضعة لسيطرة دمشق)، حيث تشهد المحافظة حالة فوضى كبيرة نتيجة هجمات خلايا داعش بشكل مستمر، بالإضافة إلى الفوضى التي تخلقها مجموعات مسلحة تابعة للحكومة السورية بين الفينة والأخرى، بهدف ضرب الأمن والاستقرار هناك، وبالتالي تحويل المحافظة إلى ممر لتجارة المخدرات لإدخالها إلى مناطق الإدارة الذاتية التي يسودها الأمن والاستقرار، ولأجل نشر هذه الظاهرة بين صفوف المجتمع وإبعاده عن أهدافه وقضاياه الأساسية، والنيل من المشروع الديمقراطي في المنطقة والسعي لاستعادة هذه المنطقة من قبل الحكومة وبسط سيطرتها وتوسيع نفوذها وإعادة الأوضاع إلى مربعها الأول، ولكن كل هذا بات من سابع المستحيلات في الوقت الحالي، فلا الحكومة السورية قادرة على ذلك ولا الأوضاع والتطورات الجارية تسمح لذلك لأن الظروف تغيرت بشكل كامل.

يعرف العالم كلّه من يقف وراء الهجمات التي يشنها مرتزقة داعش ضد المنطقة، فقد ظهر ذلك من خلال الوثائق والأدلة الرسمية التي كشفت في وسائل الإعلام الإقليمية والدولية، كيف تقوم دولة الاحتلال التركي بتقديم الدعم المادي واللوجستي لداعش لإحيائه من جديد في المنطقة واستخدامه كما تشاء خدمةً لأجنداتها وأهدافها التوسيعية في المنطقة. نرى كيف حول المناطق المحتلة في سوريا إلى مركز لتصدير الإرهاب إلى المنطقة والدول العربية ومن ثم إلى العالم وآخرها كان إرسال دفعة من المرتزقة السوريين إلى النيجر للقتال هناك خدمةً لمصالح أردوغان التوسعية، وكل ذلك يتم أمام مرأى ومسمع القوى الدولي.

فقد أصبحت سوريا بلد الصراعات والحروب المدمرة بعد أن تدخلت في شؤونها قوى إقليمية ودولية. فالكل يحاول الحصول على حصته منها. وآخر ما قاله المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، غير بيدرسون، عن هذا البلد الذي أصبح ممزقاً بسبب الحرب الدائرة فيه منذ سنوات وحلبةً للمصارعة بين جميع القوى العالمية، إن هذا البلد "تحوّل إلى ساحة لتصفية الحسابات"، يجسد حقيقة المشهد الذي تعيشه البلاد اليوم، مؤكداً أن "كل الاتجاهات تتحرك أكثر في الاتجاه الخاطئ" في إشارة إلى الصراع الدامي الذي يخلف يومياً عشرات القتلى والجرحى، بالإضافة إلى نزوح وتهجير المئات من ديارهم نتيجة آلة الحرب القاتلة بين أطراف الصراع المتعددة.

وما يفهمه المرء والمتابع للشأن السوري عن كثب، أن مسار الحل للأزمة مازال بعيداً والجهود في هذا الاتجاه تقريباً غير موجودة وجميع الآليات والمسارات باتت واقفةً عن العمل "مكانك راوح" لإنقاذ الشعب السوري من الدوامة التي يعيش فيها، حيث الوضع الإنساني الكارثي الذي تشهده البلاد مؤخراً. وبيدرسون نفسه أصبح عائقاً أمام الحل السياسي في سوريا في الوقت الحالي، حيث إنه لا يمتلك الصلاحيات الكاملة والإرادة المطلوبة لتحريك العملية السياسية وجمع الأطراف البارزة كافةً على طاولة حوار متكاملة تشمل جميع السوريين وتناقش معاناتهم وآلامهم وبالتالي تطلعاتهم.

في المحصلة يظلّ أفضل تعبير عن الوضع الحالي في سوريا بأن المعاناة مستمرة طالما الحلول مفقودة وطالما الأطراف السورية الفاعلة والتي تمتلك مشروع حل حقيقي لأبناء الشعب السوري كافةً مستبعدة من المنابر وطاولات الحوار الدولية، والتي من الممكن أن تجد حلاً للمعضلة السورية وتنهي حالة الحرب المشتعلة.

يبدو بوضوح أنه ليس هناك لدى المجتمع الدولي أي مبادرة حل في الوقت الحالي لوضع حد لهذه الأزمة المعقدة وبالتالي إنهاء الحالة الموجودة التي تضاعف آلام ومعاناة الشعب السوري يوماً بعد آخر. ولسان حال الشعب السوري يقول ألم يحن الوقت ليعيش الشعب على أرضه بأمن وأمان بعيداً عن الاحتلالات والتدخلات والهجمات والاقتتال والهجرة والنزوح إلى دول الجوار؟ 

وأخيراً يبقى الحل السياسي والحوار السوري ـ السوري هو البوابة الأساسية لإنهاء الأزمة القائمة اليوم في البلاد، وأن الحل الحقيقي يكمن في نظام الإدارة الذاتية الديمقراطية القائم اليوم في شمال وشرق سوريا. ولا نعتقد أن هناك جديةً حقيقيةً لما يعرف بالمجتمع الدولي المنافق وجهوداً لوضع حد للمقتلة السورية.