سلاح الأب ورسالة الابن.. قصة باران قامشلو التي لا تُنسى

حينما تحمل قضيةً أكبر من عمرك، وتصنع من آلامك درباً للمجد، تصبح رمزاً خالداً في ذاكرة الأوطان. باران قامشلو، الشاب الذي نشأ على حب الأرض والدفاع عن شرفها، لم يكن مجرد مقاتلٍ في الجبهات، بل كان شعلةً متقدةً بالإيمان بقضيته، ومثالاً للوفاء لأمانة والده الشهيد. في كل خطوة خطاها، ترك بصمةً من العزيمة والشجاعة، وفي استشهاده، كتب نهايةً ملحمية لقصة بطولة لن تُنسى.

سلاح الأب ورسالة الابن.. قصة باران قامشلو التي لا تُنسى
سلاح الأب ورسالة الابن.. قصة باران قامشلو التي لا تُنسى
سلاح الأب ورسالة الابن.. قصة باران قامشلو التي لا تُنسى
سلاح الأب ورسالة الابن.. قصة باران قامشلو التي لا تُنسى
سلاح الأب ورسالة الابن.. قصة باران قامشلو التي لا تُنسى
سلاح الأب ورسالة الابن.. قصة باران قامشلو التي لا تُنسى
سلاح الأب ورسالة الابن.. قصة باران قامشلو التي لا تُنسى
سلاح الأب ورسالة الابن.. قصة باران قامشلو التي لا تُنسى
الخميس 23 كانون الثاني, 2025   03:50
قامشلو
سلافا عبد الرحمن - أحمد سمير

في حي خانيكا بمدينة قامشلو، فتح برجس سراج عبد العزيز عينيه على الحياة عام 2001. كان طفلاً يشعّ بالنور في كل مكان يحلّ فيه، بوجهه البشوش وأخلاقه العالية التي جعلته محبوباً من الجميع. منذ صغره، كان يتميز بالشجاعة والحكمة، ويرفض الظلم، مما جعله مثالاً يُحتذى به بين أقرانه.

لم تكن طفولة باران كسائر الأطفال. فقد نشأ في بيت مليء بالحب والقيم الوطنية. والده، سراج برجس عبد العزيز، كان أحد أفراد قوى الأمن الداخلي (الآسايش)، وغرس في ابنه منذ نعومة أظفاره حب الوطن والدفاع عنه بكل غالٍ ونفيس.

صدمة الاستشهاد وحمل الأمانة

في 21 نيسان 2016، هزّ انفجار انتحاري دوار الوحدة في قامشلو، ارتكبه مرتزقة داعش. كان والد باران ضمن ضحايا هذا الهجوم الوحشي. كان عمر باران حينها 15 عاماً فقط، لكنه شعر بثقل المسؤولية التي تركها والده على عاتقه.

تأثر باران بشدة باستشهاد والده. تخلى عن الدراسة، رغم أنه كان تلميذاً متفوقاً، وقرر أن يتحمّل مسؤولية العائلة الصغيرة، مؤدياً دور الأب والأخ في آنٍ واحد. تعهد أمام نفسه وأمام روحه الثائرة أن يحمل سلاح والده، وألّا يدع دمه يذهب هدراً.

"أرضنا هي شرفنا وعرضنا"

انضم باران إلى صفوف حركة الشبيبة الثورية، وبدأ رحلة العمل والكفاح. ومع كفاحه هذا كان يعمل في مجالات متعددة؛ في الصناعة، وفي مطبعة الغد أيضاً، لمساعدة عائلته. كان الابن الثاني في عائلته، لكنه أخذ على عاتقه رعاية الجميع، وخصوصاً أخته الصغيرة جين، التي كانت تتعلق به تعلقاً شديداً.

وتستعيد جين ذات العشرة أعوام بذاكرتها إلى الوراء وتقول: "عندما قرر أخي الذهاب إلى الجبهة، قال لأمي: إذا لم نذهب أنا ورفاقي، فسيأتي المرتزقة إلى مدينتنا بكل أريحية. نحن أبناء الشمس والنار، وأرضنا هي شرفنا وعرضنا ولن نتخلى عنها مهما كان الثمن".

وتضيف بابتسامة تمزج بين الفخر والحزن: "أخي كان بالنسبة لي كل شيء. كان يقول لي دائماً: إذا حصلتِ على درجات عالية، سأشتري لك كل ما تريدين. وإذا لم تحصلي على درجات جيدة، فلن أشتري شيئاً. كان يريدني دائماً أن أكون مميزة. أنا فخورة به وبأبي. لقد رفعا رأسنا عالياً".

الشجاعة والحكمة في كل خطوة

كانت شجاعة باران استثنائية منذ الصغر. والدته، إيمان علي، تقول عنه: "باران كان ابني الثاني، لكنه كان مميزاً جداً بين إخوته الأربعة. كان يمتلك شجاعةً وحكمةً فاقت عمره. كان نشيطاً، مفعماً بالحياة، يدخل البهجة إلى قلوبنا جميعاً. ترك فراغاً كبيراً لا يمكن ملؤه".

وتضيف الأم بحب ممزوج بالحنين: "كان باران شديد التعلق بوالده. عندما كان صغيراً، كان يصرّ على الذهاب معه إلى أداء واجبه كونه كان عنصراً في قوى الأمن الداخلي، وكان يحمل سلاح والده ويتظاهر بأنه يرافقه كجندي. تعلم من والده حب الوطن، وأدرك أن الدفاع عنه هو واجب مقدس".

سلاح الأب ومسيرة الوفاء

بعد سنوات من الحزن والكفاح، قرر باران أن يُكمل المسيرة. في عام 2021، انضم إلى قوات الكوماندوس في قوات سوريا الديمقراطية، حاملاً سلاح والده الذي لطالما عدّه رمزاً للأمانة والوفاء.

وتروي الوالدة إيمان علي تفاصيل وصية ابنها قبل استشهاده، قائلةً: "أوصى باران رفاقه بأنه عندما يستشهد، يجب أن يفرحوا. قال لهم: احتفلوا بي كأنني في حفل زفافي. ارقصوا، واهتفوا، وأطلقوا رصاص النصر. وأخبروا أمي أن ترفع رأسها بشهادتي، وأن تعتني بأخته جين".

معارك وبطولات

شارك باران في العديد من الحملات العسكرية التي أُطلقت في شمال وشرق سوريا. من الحسكة (سجن الصناعة) إلى الرقة ودير الزور، كان دائماً في المقدمة. لم يكتفِ بذلك، بل شارك في حملات تمشيط مخيم الهول الثانية والثالثة والرابعة.

وفي الثاني من كانون الأول 2024، ارتقى باران شهيداً أثناء معركة في مدينة حلب. أصابته رصاصة غادرة في صدره، حيث كان يقود الصفوف الأمامية كما اعتاد دائماً.

وفي السياق، يقول شاهين حسين خال الشهيد باران عنه: "بعد استشهاد والده، عمل باران معي في المطبعة. كان صغيراً، لكنه كان يتحلى بروح المسؤولية. عندما انضم إلى القوات العسكرية، كان دائماً في المقدمة. استشهد ورصاص العدو في صدره، لأن مكانه الطبيعي كان دائماً في الصدارة".

رفيق دربه، حازم خلف كجو، وصفه قائلاً: "باران كان صديق الأيام الصعبة. شجاع، رحيم، ويمتلك روحاً فدائية نادرة. عندما كنا في الجبهات، كان يقول لنا: أنا أفديكم بروحي. أنتم كونوا خلفي. لم يكن مجرد مقاتل، بل قائداً بالفطرة".

"إذا متُّ، سأكون شهيداً"

وكان باران يردد دائماً مقولة: "أنا لا أنام على وسادتي وأموت. إذا متُّ، سأكون شهيداً". هذه الكلمات لم تكن مجرد عبارات، بل كانت تجسيداً لروحه الثائرة، وشجاعته التي لا تعرف حدوداً.

إرثٌ خالدٌ ومقاومةٌ لا تموت

ترك باران خلفه إرثاً خالداً من الشجاعة والإخلاص. حيث يقول رفاقه: "نحن مدينون له بحياتنا وحريتنا. سنواصل مسيرته، وسنحمي الأرض التي دافع عنها بدمه. باران ليس مجرد شهيد، بل رمزٌ للمقاومة، وشعلةٌ لا تنطفئ".

باران قامشلو، قصة كفاحٍ وإصرارٍ على الحق، ستبقى تُروى للأجيال القادمة لتُلهمهم حب الأرض والتضحية في سبيلها.

(ح)

ANHA