رحلة الإدارة الذاتية الديمقراطية

ضمت الإدارة الذاتية الديمقراطية التي بدأت عام 2014 بإعلان المقاطعة، تحت لوائها خلال 10 سنوات، جميع أنحاء شمال وشرق سوريا، وتحولت إلى عنوانٍ لحل الأزمات. 

رحلة الإدارة الذاتية الديمقراطية
الأحد 21 كانون الثاني, 2024   04:28
 مركز الأخبار
جيهان بيلكين

وصل الربيع الشعبي الذي اندلعت شرارته الأولى في تونس إلى سوريا في 15 آذار عام 2011، وانتفض الشعب على السلطة، مطالباً بالحرية والديمقراطية، وأدى تدخل القوى الإقليمية والعالمية إلى تحول الانتفاضة الشعبية السلمية إلى صراع وحرب على المصالح خلال فترة قصيرة، وهو ما تسبب بالمجازر، والدمار، والنزوح واللجوء والتهجير والاحتلال. 

ومع بداية الربيع الشعبي، اختلف الوضع في روج آفا، ففي هذه المنطقة التي شهدت على مر عقود طويلة نضالاً مستمراً وفق فلسفة القائد عبد الله أوجلان، بدأ التنظيم، والمعرفة والتعليم يتحول إلى عمل مؤسساتي.

الخط الثالث

توج الكرد في روج آفا تجارب نضالهم التي دامت عقوداً، بنظام الإدارة الذاتية وبدأوا بتشكيل المؤسسات. وعملوا على وحدة صف البيت الكردي من ناحية، وتفاوضوا مع باقي مكونات المنطقة من العرب، والسريان والأرمن من أجل توحيد النضال في سبيل وحدة الشعوب وحريتهم، وفي هذا السياق، ابتعدت جميع مكونات المنطقة (الكرد، والعرب، والآشور، والسريان، والأرمن) عن التدخلات الخارجية ولم يعتمدوا على أي قوى أخرى واختاروا الخط الثالث.

  خطوات نحو الثورة

حُدد نمط الإدارة الذاتية والعلاقات في إطار الإدارة الذاتية الديمقراطية، وفي تشرين الأول عام 2011، تأسست حركة المجتمع الديمقراطي كمظلة مؤسساتية، ثم تم تشكيل مجلس شعب غرب كردستان (MGRK) والذي كان يتكون من 359 شخصاً 40 بالمائة منهم من النساء.

ومن ناحية أخرى، كانت حركة المجتمع الديمقراطي تدير الأنشطة بمشاركة جميع مكونات روج آفاي كردستان وتحولها إلى عمل مؤسساتي منظم، واتُخذت خطوات مهمة من الكومينات إلى المجالس، ومن التعليم إلى الحماية، ففي عام 2011، أُسست وحدات حماية الشعب كقوات لحماية جميع المكونات. وفي هذا السياق، بدأت أعمال تشكيل الكومينات في جميع القرى والأحياء، عام 2013، افتُتحت الكومينات الأولى في القرى.

19 تموز

أدت الخطوات المتخذة إلى اندلاع الثورة عام 2012، حيث اندلعت شرارتها الأولى في كوباني في 19 تموز (2012)، ثم امتدت هذه الشرارة إلى عفرين، وسري كانيه، والدرباسية، وعامودا، وديرك، وكركي لكي، وتربه سبيه، وقامشلو، وتل تمر والحسكة، وتعززت ثقة الأهالي وإيمانهم بالحياة المشتركة والحرة، حيث كانت قوات الحماية تتطور وتزداد قوةً يوماً بعد يوم. .

نمط الإدارة

أخذت الثورة التي ترددت صداها في المنطقة والعالم أجمع، تحدد نمط الإدارة أيضاً، فقد شُكلت في المدن المحررة مجالس الشعب، ودور الشعب ولجان عمل تابعة لها، وكان الناس يحلون جميع مشاكلهم عبر هذه المؤسسات حتى عام 2013، ثم بدأ النقاش والحديث حول نظام يضم تحت لوائه المنطقة بأسرها بكافة مكوناتها.

وجرت المناقشات حول الإدارة من جانبين، أحدهما يتجسّد بالمباحثات التي جرت بين الأحزاب السياسية، والآخر المناقشات التي جرت بين جميع مكونات المنطقة، وأسفرت المباحثات بين الأحزاب الكردية عن تشكيل الهيئة الكردية العليا في 24 تموز 2012، التي تألفت من مجلس شعب غرب كردستان (MGRK) والمجلس الوطني الكردي (ENKS)، وشُكّلت تحت لوائها اللجان الدبلوماسية، الخدمات الاجتماعية والحماية.

الإدارة على الرغم من مصاعب خلقها المجلس الوطني الكردي

بعد مناقشات البيت الكردي وباقي المكونات (العرب، والسريان، والأرمن، والشركس) اقتُرح مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية، فتبنت الهيئة الكردية العليا المشروع، وعُرض المشروع على الأحزاب والمؤسسات، وفي هذا الصدد، وقّع مجلس شعب غرب كردستان والمجلس الوطني الكردي في 8 أيلول عام 2013، على وثيقة مكونة من 9 بنود، ونصّت هذه الوثيقة على إعداد عقد اجتماعي وتشكيل قوى الأمن الداخلي لضمان أمن المنطقة، وبعد إتمام جميع التحضيرات لإعلان مؤسسات الإدارة، وقبل يومٍ واحد من إعلانها، انسحب المجلس الوطني الكردي بأوامر تركية.

المجلس التأسيسي المؤقت والعقد الاجتماعي

باءت محاولات المجلس الوطني الكردي بالفشل، فقد أعلن أهالي المنطقة الذين بنوا وحدتهم في 12 تشرين الثاني عام 2013، المجلس العام التأسيسي للإدارة المؤقتة، وينص المشروع على إدارة مناطق روج آفا على شكل مقاطعات، وتحديد 3 مقاطعات هي الجزيرة، وكوباني وعفرين، على أن تنشئ كل مقاطعة مجلسها الخاص.

وفي 6 كانون الثاني عام 2014، وبمشاركة ممثلين عن 52 حزباً، ومنظمة، وحركات المجتمع المدني، وحركات المرأة والشبيبة، و15 شخصية مستقلة، تمت المصادقة على "نمط الإدارة"، و"العقد الاجتماعي" و"قوانين الانتخابات" ومن أبرز بنود العقد الاجتماعي تلك المتعلقة باللغات الرسمية (الكردية، والعربية، والسريانية)، والحرية، والعدالة، والمساواة، والتعليم، والصحة، وحماية البيئة، وحرية المرأة، وحماية حقوق المرأة والطفل.

إعلان المقاطعات

أسفرت الاجتماعات العديدة والمناقشات العامة مع الأهالي، والمؤسسات والأحزاب، عن تحديد الشكل النهائي لنظام الإدارة الذاتية الديمقراطية، وفي 21 كانون الثاني عام 2014، اجتمع المجلس التشريعي المؤقت في الإدارة الذاتية الديمقراطية في مدينة عامودا وأعلن عن الإدارة الذاتية المؤقتة لمقاطعة الجزيرة، فخرج جميع مكونات المنطقة من الكرد، والعرب، والسريان، والآشور، والكلدان، والأرمن، والشركس والتركمان إلى الساحات احتفالاً بذلك، وبعد الجزيرة، أُعلنت الإدارة الذاتية في كوباني في 27 كانون الثاني والإدارة الذاتية في عفرين في 29 من الشهر ذاته.

وتأسست الإدارة الذاتية الديمقراطية على أساس الشخصية الحرة، والحياة الديمقراطية المشتركة، والمجتمع السياسي والأخلاقي، والتعايش الحر، والاستقلال الاقتصادي، وبنية القانون، والثقافة، ونظام الحماية والدبلوماسية، وبدأ تأسيس الهيئات الخدمية، وانخرطت جميع مكونات المنطقة في العمل في المجالس، والهيئات والمكاتب بشكل متساوٍ وديمقراطي بهوياتهم وثقافاتهم.

منسقية المقاطعات

كانت هناك مناطق خاضعة لسيطرة المرتزقة، بين المقاطعات الثلاثة، لذا لم يكن التواصل بين المقاطعات مرضياً، ولسد هذه الفجوة، تم في عام 2015، تأسيس منسقية المقاطعات التي لعبت دوراً مهماً في القضايا المشتركة كالحماية، والأمن، والتعليم، والسياسة والدبلوماسية.

الممثليات الخارجية

تردد صدى الإدارة الذاتية الديمقراطية التي خلقت حماساً كبيراً لدى شعب المنطقة، في الخارج أيضاً، لذا بدأت الجهود الدبلوماسية للإدارة الذاتية تؤتي ثمارها شيئاً فشيئاً، وافتُتحت في السليمانية عام 2015، أول ممثلية للإدارة الذاتية، ثم افتُتحت ممثليات أخرى، في النمسا، وفرنسا، وألمانيا، وروسيا، وفي بلجيكا باسم دول البنلوكس (بلجيكا، هولندا، لوكسمبورغ) وفي السويد باسم الدول الاسكندنافية (السويد، والدانمارك، وفنلندا، والنرويج، وأيسلندا)، وافتتاح مكاتب للإدارة في لبنان والإمارات.

توسع نظام الإدارة الذاتية

وتزامنَ مع إنشاء شبكة الإدارة الذاتية الديمقراطية، تحرير المناطق الخاضعة لاحتلال المرتزقة وإنشاء المجالس فيها، حيث حررت قوات سوريا الديمقراطية (QSD) التي تأسست عام 2015، كري سبي عام 2015، ومنبج عام 2016 والطبقة والرقة عام 2017، وتأسست في هذه المناطق بعد تحريرها مجالس الشعب، وفي عام 2017 وبهدف المواءمة بين جميع المناطق وتطبيق نظام الإدارة الذاتية تم إعلان فيدرالية شمال سوريا عام 2017، وفي هذا السياق، حددت التقسيمات الإدارية في الإدارة الذاتية بثلاثة أقاليم (الجزيرة، والفرات وعفرين) و6 مقاطعات (قامشلو والحسكة التابعتين لإقليم الجزيرة، وكري سبي وكوباني التابعتين لإقليم الفرات، وعفرين والشهباء التابعتين لإقليم عفرين)، فيما حددت منبج والرقة والطبقة كإداراتٍ مدنية.

وبعد تطهير دير الزور من مرتزقة داعش عام 2019، تعمقت المناقشات حول نمط الإدارة فيها. وفي السادس من أيلول عام 2018 تم إعلان الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.

الاعتراف الرسمي بالإدارة الذاتية

وفي هذه الأثناء، استمرت الحركة الدبلوماسية للإدارة الذاتية، التي أسفرت عن اعتراف برلمان إقليم كتالونيا الذي يتمتع بالحكم الذاتي التابع لإسبانيا، بالإدارة الذاتية رسمياً في الذكرى السنوية لتحرير مدينة الرقة (20 تشرين الأول عام 2021).

العقد الاجتماعي والتعديلات الأخيرة

أدى تحرير المناطق المحتلة وامتداد النظام، إلى توسع المناقشات والمحادثات حول النظام والعقد الاجتماعي، وفي هذا السياق، وبعد الاجتماعات التي عقدتها مكونات المنطقة، طُرحت مسألة إعادة صياغة العقد الاجتماعي على جدول الأعمال، وبعد عامين من العمل المستمر، تم الانتهاء من مسوّدة العقد الاجتماعي وعُرضت على المجلس العام في الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا الذي صادق عليها في اجتماعه الـ 91 (2023)، وأعلن عن مصادقته عليها عبر بيانٍ للرأي العام في 12 كانون الأول الماضي (2023).

ونصّ العقد الاجتماعي الجديد الذي يتألف من 4 أبواب و134 مادة، على إجراء تغيير في نظام الإدارة الذاتية وتغيير اسم الإدارة إلى الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، وإلغاء نظام الأقاليم الثلاثة (الجزيرة، والفرات، وعفرين) واعتماد نظام المقاطعات، لتتكون مناطق الإدارة الذاتية في تقسيماتها الإدارية من إقليم واحد يضم 7 مقاطعات (عفرين والشهباء، والجزيرة، وكوباني، ومنبج، والرقة، ودير الزور، والطبقة).

(ر)

ANHA