حزنة عبدي أيقونة النضال الشعبي.. استشهدت وهي تهتف: "تحيا مقاومة قسد"

كبرت في بيت مناضل، وتشرّبت حب الثورة منذ طفولتها، فكان لا بد أن تسير على درب الشهداء. حزنة عبدي، تلك المرأة التي وهبت حياتها للنضال، لم تعرف يوماً التراجع أو الاستسلام، بل كانت في طليعة المقاومة حتى لحظة استشهادها في سد تشرين. صحيح أنها رحلت، لكن وصيتها بقيت: "المقاومة مستمرة.. تحيا مقاومة قسد".

حزنة عبدي أيقونة النضال الشعبي.. استشهدت وهي تهتف: "تحيا مقاومة قسد"
حزنة عبدي أيقونة النضال الشعبي.. استشهدت وهي تهتف: "تحيا مقاومة قسد"
حزنة عبدي أيقونة النضال الشعبي.. استشهدت وهي تهتف: "تحيا مقاومة قسد"
حزنة عبدي أيقونة النضال الشعبي.. استشهدت وهي تهتف: "تحيا مقاومة قسد"
حزنة عبدي أيقونة النضال الشعبي.. استشهدت وهي تهتف: "تحيا مقاومة قسد"
حزنة عبدي أيقونة النضال الشعبي.. استشهدت وهي تهتف: "تحيا مقاومة قسد"
الإثنين 10 آذار, 2025   05:01
قامشلو
كلثومة علي

في صباح شتوي بارد، وقبل أن تغادر منزلها في قرية كلهي التابعة لمنطقة كوجرات في ريف مدينة ديرك في مقاطعة الجزيرة، ألقت حزنة عبدي نظرة أخيرة على والدتها، كما لو أنها كانت تودّعها بصمت. لم يكن ذلك يوماً عادياً، بل يوماً للمقاومة.

بابتسامتها الهادئة وعينيها المشبعتين بالإصرار، خرجت حزنة للمشاركة في الاحتجاجات الشعبية التي ينظمها أهالي شمال وشرق سوريا منذ الـ 8 من كانون الثاني الفائت في سد تشرين لحماية السد من هجمات دولة الاحتلال التركي. لكن لم تكن تعلم أن هذا اليوم سيكون الأخير في حياتها، وأن كلماتها الأخيرة ستصبح شعاراً يردده رفاقها من بعدها: "تحيا مقاومة قسد".

نشأة في كنف النضال

وُلدت حزنة عبدي عام 1979 وسط عائلة كردية وطنية، تشبّعت بمبادئ الحرية والمقاومة منذ نعومة أظافرها. كانت والدتها وأفراد عائلتها من أوائل الذين تعرفوا على فكر وفلسفة القائد عبد الله أوجلان في ثمانينيات القرن الماضي، وهذا ما ترك أثراً عميقاً في وجدان حزنة، حيث نشأت وهي ترى في النضال وسيلة لتحقيق العدالة والكرامة لشعبها.

ومنذ انطلاق ثورة شمال وشرق سوريا، لم تكن حزنة مجرد متفرجة على الأحداث، بل انخرطت في العمل الشعبي من خلال تنظيم النساء في قراها، وتوعيتهن بأهمية الحرية والحقوق، ومواجهة الذهنية الذكورية والتمييز العنصري. كانت تؤمن بأن للمرأة دوراً أساسياً في بناء المجتمع الحر، وكانت تردد دائماً: "لا حرية للمجتمع دون حرية المرأة".

في عام 2013، قررت أن تأخذ دورها النضالي إلى مستوى آخر، فانضمت إلى قوات حماية المجتمع - المرأة، حيث برزت كشخصية قيادية، عُرفت بقدرتها على التنظيم، وحرصها على الدفاع عن أهالي منطقتها في مواجهة التهديدات المختلفة.

"لم تكن مجرد أخت.. كانت صديقة ومعلمة"

كانت حزنة شخصية فريدة بين أفراد عائلتها، فهي لم تكن فقط الابنة الوسطى بين عشرة إخوة وأخوات، بل كانت الروح الحنونة والقلب الدافئ للجميع. يتحدث باور عبدي، شقيقها الأصغر، عن علاقتها المميزة بالعائلة قائلاً: "لم تكن مجرد أخت، بل كانت صديقتي ومعلمتي. كانت مصدر القوة لنا، وعندما نواجه أي مشكلة، كانت دائماً أول من يقدم الحلول. كانت تمتلك روحاً صبورة، لم تغضب يوماً، ولم تشتكِ من المصاعب، بل كانت دائماً تحفّزنا على التمسك بمبادئنا".

لم يكن ارتباطها بفكر القائد عبد الله أوجلان مجرد إعجاب، بل كان إيماناً راسخاً، كانت تكرّس وقتها لنقل أفكاره إلى الشباب والنساء في منطقتها، وتحثّهم على النضال لتحقيق مجتمع ديمقراطي مبني على العدالة والمساواة.

اليوم الأخير.. الرحلة إلى سد تشرين

في يوم 21 كانون الثاني الفائت، تحركت قافلة من أهالي ديرك وقرى كوجرات نحو سد تشرين، احتجاجاً على هجمات الاحتلال التركي المستمرة على السد. كانت حزنة في مقدمة المسيرة، تردد الشعارات، وتشجّع الجميع على الاستمرار رغم التهديدات.

ويستذكر ممدوح أحمد، أحد المشاركين في المسيرة، تفاصيل الساعات الأخيرة قبل استشهادها، قائلاً: "منذ اللحظة التي بدأنا فيها المسير، كانت تقول لنا: ’لا تخافوا، نحن هنا لنقول كلمتنا، ولن نسمح لهم بترهيبنا!‘ كانت تبعث فينا المعنويات، وتؤكد أننا نقوم بعمل مشروع، وأن الدفاع عن أرضنا وكرامتنا ليس خياراً، بل واجباً".

وأثناء وقوف المحتجين في الساحة القريبة من السد، وبينما كان البعض يرقص على أنغام الدبكة تعبيراً عن صمودهم، باغتتهم طائرة مسيّرة تركية بغارة جوية استهدفت المحتجين في السد.

أصيبت حزنة عبدي بجروح بالغة، لكنها رغم الألم لم تتراجع عن موقفها. وبينما كان أحد رفاقها يحملها على كتفه لنقلها إلى مكان آمن، نظرت إليه وقالت بصوت متقطع، لكنه لا يزال يحمل قوة الإرادة: "تحيا مقاومة قسد! لا تتركوا مقاومة سد تشرين".

لم تمضِ سوى دقائق حتى ارتقت روحها، لكنها تركت خلفها وصية تحولت إلى شعار للمقاومين في المنطقة.

وداع الأم.. "كانت ابنتي وصديقتي"

في منزل العائلة، جلست حزني كلش، والدة حزنة، تحتضن صور ابنتها، تحاول أن تستوعب فراقها. ورغم الحزن الذي غمر قلبها، كانت فخورة بالطريق الذي اختارته ابنتها، وتقول بصوت متماسك: "حزنة لم تكن مجرد ابنتي، كانت صديقتي، كانت تساعدني في كل شيء، وكانت سنداً للعائلة بأكملها. لم تكن تفكر بنفسها فقط، بل بكل من حولها. كانت تعيش من أجل الآخرين، وكانت ترى أن الحياة الحقيقية هي النضال من أجل الكرامة".

إرث لا يُنسى.. ووصية مستمرة

استشهاد حزنة عبدي لم يكن مجرد فقدان فرد من عائلتها أو مجتمعها، بل كان خسارة لرمز من رموز المقاومة الشعبية. لا تزال كلماتها الأخيرة تتردد في أذهان من عرفوها، وأصبحت قصتها جزءاً من تاريخ النضال في شمال وشرق سوريا.

ويقول شقيقها باور عبدي في ختام حديثه: "قد يكون جسدها قد رحل، لكن روحها لا تزال بيننا. لقد تركت لنا إرثاً من الإصرار والقوة، وعلّمتنا أن المقاومة ليست مجرد خيار، بل قدر يجب أن نعيشه بكل تفاصيله. سنكمل ما بدأت به، وسنبقى على العهد الذي قطعته هي وكل الشهداء من قبلها".

رحلت حزنة، لكن اسمها بات محفوراً في ذاكرة رفاقها، وفي كل زاوية من زوايا القرى التي سارت فيها، وفي كل صوت يصدح بشعارها الأخير: "تحيا مقاومة قسد".

(ح)

ANHA