حرب باردة بين أمريكا وروسيا في الساحل الأفريقي

كشفت وسائل إعلام أمريكية عن عزم واشنطن إنشاء قواعد للطائرات المسيّرة في عدد من مطارات الدول الأفريقية، وبالتحديد في غانا وساحل العاج وبنين؛ لملاحقة الجماعات المتشددة بالمنطقة، يراها مراقبون خطوة أمريكية تستهدف تمدد النفوذ الروسي في أفريقيا.

حرب باردة بين أمريكا وروسيا في الساحل الأفريقي
الثلاثاء 16 كانون الثاني, 2024   07:41
القاهرة
محسن المصري

بحسب صحيفة وول ستريت جورنال، فإن واشنطن تحاول بهذه الخطوة إيقاف انتشار المسلحين المتشددين في القارة الأفريقية، مشيرة إلى أن هذه المسيّرات ستسمح للقوات الأميركية بمتابعة تنقلات المقاتلين وإعطاء توصيات تكتيكية للقوات المحلية أثناء إجراء عمليات قتالية، لكن مراقبين يرون أن التحرك الأمريكي يهدف بالأساس لمناكفة موسكو التي أصبحت تمتلك نفوذاً واسعاً بالمنطقة.

وبحسب تقارير، تنتشر تنظيمات القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، و"داعش" بشكل كبير في المنطقة حيث يسيطران على أكثر من 38% من أرض النيجر خاصة المناطق الغربية والشمالية، 40% من غرب بوركينا فاسو فضلاً عن مناطق واسعة بشمال مالي.

وشهدت الفترة الأخيرة تنامي النفوذ الروسي بالقارة الأفريقية، خاصة بعد الانقلابات العسكرية التي شهدتها دول مالي وبوركينا فاسو والنيجر، والتي أطاحت بأنظمة موالية للغرب وتحديدا باريس، التي كانت تمثل المصالح الغربية بإفريقيا.

وعلى خلفية الانقلاب الأخير بالنيجر أواخر يوليو الماضي، اتخذت السلطات العسكرية قرارات ضد النفوذ الفرنسي بالبلاد، حيث أمرت بطرد سفير باريس في نيامي وإنهاء الوجود العسكري الفرنسي بالبلاد، وهو نفس ما فعلته السلطات في بوركينا فاسو ومالي في أوقات سابقة.

وعلى مدار عقود، كانت منطقة الساحل الأفريقي بعيدة عن التجاذب الروسي الأمريكي وكانت محسوبة على فرنسا بشكل كبير، ولكن بعد الانقلابات التي شهدتها المنطقة وتوسع النفوذ الروسي بها دفع الأمريكان لتغيير موقفهم والقبول بالتعامل مع الانقلابين خاصة بالنيجر، نظراً لما تمتلكه من ثروات طبيعية.

ويرى مراقبون أن الخطوة الأمريكية تستهدف في الأساس التصدي لتمدد النفوذ الروسي في عموم القارة الأفريقية، وخاصة بمنطقة الساحل والصحراء على خلفية الانقلابات التي شهدتها عدد من الدول الأفريقية مؤخراً ضد النفوذ الغربي الذي كانت تمثله فرنسا.

خنق روسيا

ويؤكد الباحث في شؤون دول الساحل والصحراء والجماعات المسلحة، محمدن حبيب أيب أن “الهدف الرئيسي من التحركات الأمريكية في دول بنين وساحل العاج وغانا هو التواجد قرب مناطق النفوذ الروسي خاصة مع انتشار فاغنر بدول مالي وبوركينا فاسو والنيجر".

وقال حبيب لوكالتنا: "الأمر لا علاقة له بمكافحة الإرهاب خاصة أن الوجود العسكري الأمريكي بالمنطقة يتجاوز عشر سنوات توسعت فيها قدرات الجماعات الإرهابية بشكل كبير".

ويشير حبيب، وهو باحث موريتاني مقيم في العاصمة المالية باماكو إلى أن "رغبة أمريكا في التواجد بالمنطقة هدفه الرئيسي شد الخناق على الوجود الروسي الذي بات واقعياً بدول مالي وبوركينا فاسو والنيجر، خاصة بعد التقارير التي تتحدث عن توجه روسيا لإقامة 4 قواعد عسكرية وعقد شراكة اقتصادية لبناء أكبر معمل لتنقية الذهب في مالي، فضلاً عن تولي ضباط روس عملية التأمين والحماية الشخصية لإبراهيم تراووي زعيم بوركينا فاسو، كما يجري الحديث عن تولي فاغنر أعمال أمنية في النيجر أيضاً".

وبحسب الباحث "تستهدف الولايات المتحدة نشر طائرات مسيّرة في دولة بنين المحاذية للنيجر، إضافة لساحل العاج التي تقع على خط التماس مع مالي، فضلاً عن غانا التي لها حدود مع بوركينا فاسو".

واعتبر حبيب أن "الوجود الأمريكي بمنطقة الساحل الأفريقي هو وجود احتكاك كما يحدث في أوروبا الشرقية، ويشبه لحد كبير ساحة صراع حرب باردة عنوانها منطقة الساحل والصحراء".

موطئ قدم

واتفق معه في الرأي، الداه يعقوب، الباحث في الشؤون الأمريكية مؤكداً أن "واشنطن تعمل على التنسيق مع دول غانا وبنين وساحل العاج من أجل قطع الطريق على روسيا التي أصبح لها نفوذ واسع بالمنطقة".

وقال يعقوب لوكالتنا "الولايات المتحدة تحاول أيضاً عبر هذه التحركات أن تجد موطئ قدم لها بمنطقة الساحل، وأن تتمكن من تعقب الجماعات المسلحة المنتشرة بالمنطقة وتوفير فضاء أمني لها لاستهداف هذه الجماعات".

وأشار يعقوب إلى أن "الولايات المتحدة غابت كثيراً عن منطقة الساحل وعن الاهتمام بأفريقيا بشكل كبير وهو ما تسبب في نفوذ روسي وصيني كبير بالمنطقة وأصبح هناك مصالح عسكرية واقتصادية كبيرة لموسكو وبكين مع دول الساحل ودول الغرب الأفريقي، خاصة بعد تراجع النفوذ الفرنسي بالمنطقة".

اتفاقيات عسكرية

وأكد أن "أمريكا تخطط لعقد اتفاقيات عسكرية واقتصادية وتقديم دعم مادي وعسكري لهذه الدول من أجل إبعادها عن روسيا العدو اللدود لواشنطن، خوفاً من تمدد نفوذ موسكو بالمنطقة الأفريقية التي بدأت تخرج تدريجياً من النفوذ الغربي لصالح روسيا وهو ما ترفضه واشنطن بشكل كامل".

وبحسب يعقوب فإن "هناك حرباً باردة جداً بين أمريكا وروسيا بالساحل الأفريقي، حيث يسعى الطرفان للبحث عن ولاءات الأنظمة التي وصلت لسدة الحكم عبر انقلابات، وواشنطن من جانبها تريد تحييد هذه الدول عن روسيا لتصبح الوريث الشرعي والحليف الرسمي لهذه الدول خلفاً لفرنسا التي أطاحت الانقلابات الأخيرة بمصالحها ونفوذها".

استهداف فاغنر

بدوره، يرى خبير الشؤون الروسية، الدكتور عمرو الديب أن "المفاوضات الأمريكية مع دول بنين وغانا وساحل العاج بمثابة خطوة موجهة لوجود فاغنر في هذه المنطقة".

واستبعد الديب في حديث لوكالتنا أي احتمالية لحدوث مواجهات بين الولايات المتحدة وروسيا في تلك المنطقة مؤكداً أن "هذه الأمور ما هي إلا نوع من الضغوط المتبادلة بين الطرفين".

كما استبعد خبير الشؤن الروسية لجوء موسكو لاتخاذ أي موقف رداً على التحركات الأمريكية معتبراً أن "أي موقف روسي قد يكلّفها الكثير، خاصة أن روسيا لا تستطيع  أن تبسط سيطرتها على دول أفريقية أخرى".

 ويرى الديب أن "الوجود الروسي يقتصر على دول مقسمة وبها حروب أهلية ولا تتواجد موسكو في أي دولة بها حكومة موحدة وجيش موحد".

ووصف خبير الشؤون الروسية "التحرك الأمريكي بالساحل الأفريقي بأنه موجة جديدة من الحرب الباردة".

(ي ح)

ANHA