تجربة ساكنة عقيدة الحرية - ناكهان آكارسال

يصادف اليوم الذكرى السنويّة الـ 11 لاستشهاد القياديّة في حركة التحرّر الكردستانيّة والنضال في سبيل حرية المرأة، القياديّة البارزة ساكنة جانسيز (سارا) التي اغتيلت في باريس في الـ 9 من كانون الثاني عام 2013، مع المناضلتين؛ ليلى شايلمز وفيدان دوغان، على يد عملاء الدولة التركية.  

تجربة ساكنة عقيدة الحرية - ناكهان آكارسال
الثلاثاء 9 كانون الثاني, 2024   02:30
مركز الأخبار

وبهذه المناسبة، ننشر هنا مقالة كتبتها الصحفية والمثقفة، ناكهان آكارسال عن الشهيدة ساكنة جانسيز. 

ونُشرت مقالة ناكهان آكارسال التي اغتيلت في السليمانية في الـ 4 من تشرين الأول عام 2022، على يد عملاء الاستخبارات التركية، في عدد كانون الثاني 2022 من صحيفة (Newaya Jin).

"إنّ البساطة عمق، وتعطي شعوراً بالحياة، وتدعو إلى تأمل متفائل ووضوح معنوي، لأنّ البساطة عقيدة الحياة، وديالكتيك (جدلية) الخلق، إنّها الخلق. إنّها الخروج من القلب في ديالكتيك اللحظة، المعنى، الفهم، إنّها بناء الحياة، فمن يبنون الحياة الصحيحة، هم الذين يدركون المعنى الفعلي لـ "الخلق"، لأنّهم يبنون اللحظة على أساس عقيدة الحرية، ويسجّلون عملية البحث عن معنى للكون، وهمّهم الوحيد هو تسخير قلبهم وعقلهم لوحدة النموذج.

وهكذا هي تجربة الرفيقة ساكنة جانسيز (الرفيقة سارا)، إّنها بسيطة جداً، ومليئة بالحماس وواضحة ومفعمة بالحياة.. وكذلك استثنائية وأصيلة ومناضلة.. وتشكّل الوحدة في جدلية حياتها عقيدة الحرية، إنّها تجربة الأرض، المرأة، الإيمان والعمل. أو تجربة مناضلة بسيطة تبحث عن حلّ لصراعات الجنس، الأعراق، القوميات والمعتقدات.. لذا فإنّ الحديث عنها، يُعدّ بمثابة الحديث عن الهويات أو الكيانات الخاضعة للسلطة ومقاومتهم، لأنّ تجربة ساكنة في النمو على نفس جذر أو أصل إنسانٍ اغترب عن أصوله وجذوره، غضب الأرض المغتصبة، قوّة ومعنى الولادة بين الثلوج والعواصف تمثّل حكاية الحفاظ على الأصل، وتُعدّ حكاية ساكنة قصّتنا جميعاً، لأنّها تمكّنت من الحفاظ على أصلها والبقاء على طبيعتها، لأنّه عندما تجري الأنهار نحو البحار، فإنّها دائماً ما تبقى متّصلة بمنبعها".. وكما قال القائد عبد الله أوجلان: "نضال ساكنة هو خطّ الحرية".   

المعاني المتراكمة في الذكريات

ولهذا فإنّ سرد حكاية الحرية أشبه بلمسة نسيج من الضوء الملون.. والشعور بتدفّق المعاني المتراكمة في الذكريات.. والبحث عن العشق، والسعي لمعرفة الذات والحرية.. وبقدر ما يُعدّ هذا جهدٌ فكري، بقدر ما هو أيضاً جهد روحي أو عمل العشق، فالعشق يعني الثقة اللامحدودة، المحبة الخالصة النقية والتعلّق غير المشروط. وحكاية ساكنة هي عشق يحتوي على معرفة عميقة في التعامل مع الحقيقة، عشق مبنيّ على الجراح.. موقف حياتي ذو قيم أخلاقية وجمالية.. حكاية ساكنة هي كفاحها السلمي النابض بحرية في الكيان.. وهذا الكفاح يمثّل بوصلة كلّ ثائر يسير في هذا الدرب.. وتبدأ ولادتها بجراح ديرسم.. فوالداها هما أبناء مجزرة ديرسم.. وعلى لسانهم أغنية حداد صامتة.. وتحمل أعينهم شوقاً بعيداً.. وفي قلوبهم التي تُعدّ موطن الخوف والغضب ألمٌ لا يوصف.. وأسلوبهم في التعامل مع الألم يكمن في نصيحتهم عقب كلّ حديث أو ذكر للمجزرة بـ "كونوا حكماء". لكنّ الأرض أيضاً كانت تحمل روحاً، وكانت ساكنة تشعر بذلك الصوت الذي يتردّد على الصخور من بسه إلى بيريتان، منذ صغرها، وحملت في قلبها مانيفستو هذه الروح من سيّد رضا إلى يلماز ديرسمان.  

المحطة الثانية في عملية التكوّن

تشكّل الكردايتية المحطة الثانية في عملية تكوّنها وولادتها.. عندما انتقلوا إلى الوحدات السكنية، شعرت بالخجل من تحدّث والدتها بالكردية، فنصحتها والدتها التي شعرت بذلك "لا تخجلي من كونك كردية"، وعلى الرغم من غضبهم كانوا يعلمون أنّ الخوف لن يستطيع السيطرة على حياتهم.. وعلى الرغم من كلّ شيء، أصبح فيما بعد نبعاً تتدفّق منه الحياة من القلب، من قرية فيس التابعة للجة نحو تأسيس حركة النضال في سبيل حرية كردستان.. بحيرة خضر التي تقع عند ملتقى نهري منذر وهارشك، مزار بابا دوزغون الواقعة على إحدى الجبال.. والينابيع الواقعة على الطريق إلى ذلك المزار والتي أصبحت مصدر الجمال لأشجار التوت، نبع حنية خاسكار الذي ينبع من تشققات الصخور، هو مصدر إيمانها.. ولديها القدرة على إيصال معنى العقيدة العلوية التي تستمدّ فلسفتها من الطبيعة.. وفي أدعيتها وأمنياتها من "خضر" دائماً ما تطلب الحرية..

منحت المرأة القوّة، وحدّدت القيم للرجل بموقفها

وفي خضم معرفة نظرية اليسار في أعوام "68".. والأوقات التي شعرت فيها بالحاجة إلى أسلوب جديد للحياة، ومع تغيير النموذج الأولي.. وفي وحدة المشاعر والأفكار بقيادة الشبيبة، والبحث عن طريقة العمل، الهوية وحرية المرأة على ضفاف نهر.. تلك الأوقات التي كانت تنضمّ إلى الاحتجاجات بلا كلل، وتدافع عن رفاقها ورفيقاتها، وتعزّز حسّها الثوري.. انضمّت إلى إضراب العاملات في المصنع، وعاشت أوّل تجربة لها في السجن. وهي تقول للأعداء أنّها تأثّرت جداً بليلى قاسم التي انتفضت على الجلادين وعلى التواطؤ، عندما قالت: "لم أسلك هذا الطريق، لقد خلقت على هذا الدرب". وتعزّز إيمانها بأنّه لا يمكن للمرأة الكردية الانعتاق من العبودية إلّا بالنضال، فسارت ساكنة على خطا ليلى، وانتفضت على جميع التقاليد التي يمكن أن تحرمها من الحرية وسارت هكذا.. إنّها قائدة ورياديّة تحمل إلى جانب اختياراتها التاريخ.. إنّها تبدأ من أصعب مكان، من عالم العواطف الذي كان الأكثر تضرّراً بالتقاليد، وهذه هي الشجاعة. لأنها لا تختار العبودية التي تعيق مشاعرها وأفكارها. وتكافح المشاعر التقليدية المتغلغلة في روحها بشراسة.. إنّها تمنح المرأة القوة، وتحدّد القيم للرجل بموقفها، إنّها تقدّم للعقل والمعرفة الأخلاقية والجمالية فكرة "لقد دفعتني امرأة إلى الشعور بالعار من رجولتي الطائشة.

'معنى الحياة، هو لا نهائية التدفّق بذاته'

هذا التكوّن، هذا التدفّق هو لقاء قائد الثورة، القائد عبد الله أوجلان بقيادة المرأة الحرة. ففي قرية فيس في لجة، أصبحت أحد الأعضاء المؤسسين لحزب العمال الكردستاني. وأعدّت الوثيقة الأولى تحت عنوان "دور المرأة وأهميتها في نضال التحرّر الوطني". وحوّلت ثورة المرأة إلى ثورة اجتماعية، وجمعت بين التحرّر الوطني والنضال في سبيل حرية المرأة ووحّدت بينهما. وبهذه الطريقة ربطت بين المحلي والعالمي، وهي مقاومة غير مسبوقة في السجون. إنّها الإرادة التي تجعل عدوها يقول: "عندما سمعت أنّ ساكنة جانسيز لم ترضخ أو تستسلم أمام تعذيب أسعد أوكتاي، علمت أنّه لا يمكن هزيمة حزب العمال الكردستاني" هذه العقلية وهذه المعرفة تقولان: "لقد خجلت حتّى من التأوّه أمام التعذيب الذي تعرّضت له"، لقد استمرّت تلك الإرادة من بسة إلى بيريتان التي رمت بنفسها من الصخور لئلا تقع بيد عدوّها. وكتبت زيلان البيان النسائي الحزبي الهادف في ديرسم بجسدها. واجتمعت القوة الجوهرية بالنظام الكونفدرالي. وكما تقول الشهيدة هيلين ديرسم في أبحاثها في جنولوجيا (علم المرأة): "حياة الرفيقة سارا تمثّل تاريخ المرأة الحرة". وكانت تواقة للحرية منذ بداية حياتها وعندما اغتيلت في عاصمة الحداثة الرأسمالية، باريس مع رفيقتيها فيدان وليلى، نسوا (الأعداء) أنّ نضال الرفيقة ساكنة كسبت روح الحرية منذ البداية. وكما تقول في كتابها (حياتي كلّها صراع): "معنى الحياة، التنفس، نبض القلب، والسير نحو هدف محدّد، تدفّق لا نهائي، أو أنّه لا يمكن إدراك قيمتهم بالحواس.

(ر)