بين مشقة الحياة وحسرات الشوق.. يتحدّى شيخوخته أملاً بالعودة

رجل سبعيني يحمل على كاهله مشقة الحياة، ويخفي في صدره حسرات الشوق إلى قريته المحتلة. لا يزال يتحدى شيخوخته أملاً في العودة، واحتضان أشجار الزيتون مرةً أخرى.. 

بين مشقة الحياة وحسرات الشوق.. يتحدّى شيخوخته أملاً بالعودة
الإثنين 23 يلول, 2024   07:00
الشهباء

في مدخل قرية تل قراح في غرفة معزولة على يمين الطريق، يجلس رجل سبعيني يحمل في يده خيطاً ومسلّة، يحيك بها حذاءً قديماً، وكأنه يحاول إصلاح آماله التي بدأت تهترئ.

عندما اقتربنا منه، رفع بصره إلينا وكأنه ينتظر أن نخبره بأن وقت عودة الزيتون قد حان، لكن سرعان ما تلاشى أمله حين عرف مقصدنا.

كان أحمد محو، الشيخ الذي يبلغ من العمر 70 عاماً، يفترش أرضية الغرفة التي يعمل بها ولا تتعدى المترين بمتر، حصيرة صغيرة، وعليها أدوات عمله البسيطة.

يقول أحمد محو إنه تعلم هذه المهنة - تصليح الأحذية - هنا في الشهباء، بعد أن أجبرته ظروف التهجير على ذلك.

أدوات عمل أحمد بسيطة جداً، عبارة إبرة خيط كبيرة تسمى "المسلة" فيما سكان المنطقة يسمونها بـ "المخياط"، إضافة إلى خيوط بلاستيكية ومقص كبير.

ملامح أحمد الرجل السبعيني لا تتردد أبداً في إظهار غضبه تجاه ما فعله الاحتلال التركي به وبأولاده وأحفاده، رغم أن العمل في هذا العمر المسن قد أثقل كاهله.  

بات من الواضح أن أحمد يعاني من إدخال الخيط في ثقب الإبرة، فيما تعاني أصابعه في تمرير الإبرة داخل الحذاء. وأثناء محاولته إدخال الإبرة والخيط في أطراف الحذاء، يتذكر كيف كان معوله يحرث الأرض وهو يتصبب عرقاً، ليروِي الزيتون من كدحه.

يقول مردفاً: "دائماً ما أحدّث أحفادي عن جمال قريتنا وهوائها، عن أشجار الزيتون وجنة الورود في حوش منزلنا، ودائماً ما أوصيهم بألّا ينسوا حب الوطن، ذلك الوطن الذي حمل نسلنا منذ الأزل".

إلى اليسار من غرفة أحمد، التي يسميها "دكانته"، يقبع منزله على بعد خمس دقائق باتجاه الشرق. يتكون منزله من غرفة واحدة، ولا تزال جوانبه تحتفظ بآثار المعارك التي اندلعت في المنطقة أثناء تحريرها من مرتزقة "داعش".

أثناء المسير نحو المنزل في اتجاه الشرق، يتوقف أحمد ليولي وجهه نحو عفرين، التي لا تبعد سوى بضع كيلومترات، ليستنشق الهواء القادم منها، ويملأ رئتيه بعبق الزيتون والرمان وأشجار الصنوبر.

تقع قرية محو المعروفة باسم "بليلكو" في ناحية راجو، وهي منطقة ترتفع عن سطح البحر نحو 500 متر، ما يجعل الهواء القادم منها ينتشر إلى عشرات الكيلومترات في محيطها.

يحيط بالمنزل سور مرتفع بُني كما باقي الأسوار في منطقة الشهباء، من الأحجار السوداء المتراصفة فوق بعضها البعض، وهي ميزة تشتهر بها هذه المنطقة.

داخل السور، حاول أحمد أن يزرع بعض أنواع الأزهار والورود التي تذكره بمنزله في القرية، لتؤنسه في أمسياته الليلية الطويلة مع زوجته خديجة.

لا تبعد خديجة كثيراً عن أحمد في العمر، وهي امرأة قصيرة وسمراء، اعتادت أن ترتدي الثياب الكردية الفلكلورية، وتجلس كعادتها أمام باب المنزل في انتظار عودة زوجها من العمل.

تشارك خديجة زوجها أحمد السنين الطويلة، واعتادا على التشارك في كل شيء، من العمل في الحقل إلى الأعمال المنزلية عندما كانا في قريتهما سابقاً. ومع ذلك، أصيبت بمرض في عينيها بعد التهجير، مما جعلها تعاني من ضعف في الرؤية.

بات أحمد وزوجته الآن يتشاركان التعب والإرهاق، وسباقاً مع الزمن لتأمين أدوية العيون وقوت الحياة اليومية، خصوصاً أن دخل أحمد اليومي الآن، لا يتجاوز الـ 15 ألف ليرة سورية، وفي أحيانٍ أخرى أقل من ذلك.

لدى أحمد وزوجته أربعة أولاد جميعهن فتيات متزوجات، وفي المجمل يملكان 6 أحفاد، يتواصلان معهم بين الفينة والأخرى، ويحب أحمد أن يتحدث كثيراً لأحفاده عن قريتهم ويصفها أمامهم بـ "جنة الله على الأرض".

ينتهي يوم أحمد بالاستلقاء بجانب زوجته في المساء داخل سور المنزل، على مرتبة من الاسفنج موضوعة على قطعة من السجاد، ليشاهدا معاً فسيفساء النجوم في السماء، ويتبادلان الحديث عن ذكرياتهما، وفي النهاية، ويخطفهما النوم، على أمل أن يستيقظا صباحاً ويجدان نفسيهما ينظران إلى السماء ذاتها، لكن في قريتهما.

 ANHA

(ج ع/ك ش)