السودان يواجه شبح التقسيم والسيناريو الليبي وارد

مع انشغال العالم بالحرب على غزة ومباحثات الهدنة بين حماس وإسرائيل، تتجه الأوضاع في السودان نحو مسارات أكثر تعقيداً للصراع المسلح الذي تشهده البلاد منذ قرابة 8 أشهر وسط مخاوف من سيناريو انفصال جديد ينتظر السودان على غرار ما حدث بالجنوب عام 2010. فإلى أين يتجه السودان وما السيناريوهات المتوقعة للصراع بالبلاد؟

السودان يواجه شبح التقسيم والسيناريو الليبي وارد
الجمعة 1 كانون الأول, 2023   06:31
القاهرة
محسن المصري

تطورات متسارعة يشهدها الصراع المسلح في السودان في ظل انشغال العالم بالحرب في غزة التي سحبت الأضواء من الصراع الممتد من أكثر من 7 أشهر بالسودان دون أن تنجح القوى الدولية والإقليمية في إقناع طرفي الصراع بوقف الحرب التي أدت لتشريد ملايين السودانيين، فضلاً عن ألاف القتلى والمصابين.

وبحسب تقارير سودانية، فإن قوات الدعم السريع تقترب من السيطرة على إقليم دارفور في غرب السودان، بعد أن تمكنت من الاستيلاء على فرق الجيش الرئيسية في ولايات جنوب ووسط وغرب وشرق دارفور، ولم يتبقَّ أمام بسط نفوذها على الولايات الخمس، سوى الفاشر العاصمة السياسية والإدارية لإقليم دارفور، التي أعلنت الحركات المسلحة الرئيسية أنها ستدافع عنها إلى جانب الجيش، مما يهدد بصراع إثني وانقسام الإقليم على أساس عرقي.

وبحسب مراقبين، فإن الحرب التي أحرقت الأخضر واليابس بالسودان لا تبدو نهايتها قريبة، وربما ينتهي بها الأمر لسيناريو التقسيم الذي يخشاه معظم السودانيين، خاصة بعد انفصال جنوب السودان منذ سنوات.

سيناريو بغيض

ويرى الخبير المصري في الشؤون الأفريقية رامي زهدي، أن "الأمور في السودان تسير بوتيرة متباطئة أحياناً ومتسارعة في معظم الأحيان نحو مزيدٍ من التعقيد".

وقال لوكالتنا: "منذ بداية الصراع من نحو سبعة أشهر مضت، اتفقت آراء خبراء كثر أن طول أمد الصراع في السودان وغياب أفق الحل أو مبادئها علي الأقل، ليس في مصلحة الشعب السوداني ولا الدولة السودانية التي تتجه نحو سيناريو بغيض وهو سيناريو التقسيم".

وأشار إلى أن "هذه الفكرة حتى وإن نجحت في إيقاف الحرب إلا أنها تظل النهاية الأسوأ على الإطلاق للأزمة، والبداية لمزيد من التوتر والصراعات في المستقبل القريب وفقدان لدولة هامة كبيرة مؤثرة في المنطقة وهي السودان، الذي لم يلبث أن يحاول النهوض بعد أن فقد جنوبه وانفصلت عنه دولة جنوب السودان، والآن يلوح في الأفق للأسف احتمالات مرجحة لفقدان شرقه أو غربه أو كليهما، وبات التقسيم على أساس جغرافي أو عرقي أو بقوة السيطرة العسكرية على الأرض خطر قريب للحدوث".

وبحسب الباحث "فإنه إن لم يكن التقسيم بشكل مباشر وواضح، فالخطر التالي في الأزمة هو وجود حكومتين وجيشين وربما شعبين، خاصة مع توارد الأنباء عن انتصارات لقوات الدعم السريع مع غياب للحسم من قبل القوات المسلحة النظامية السودانية"، معتبراً أن "هدف تقسيم الدولة السودانية لأكثر من إقليم أو دولة مع تعدد نطاقات النفوذ الخارجية يظل هدفاً استراتيجياً لقوى خارجية تحاول فرض مزيدٍ من السيطرة على المنطقة، خاصة منطقة البحر الأحمر. وكذلك السيطرة على مناطق الثروات الطبيعية سواء المعدنية أو النفطية وبقاع الأراضي الأكثر خصوبة والمؤهلة للزراعات الحديثة والمزارع الحيوانية المتطورة".

وتابع: "حتى الآن، تحدثنا الأنباء سواء الرسمية أو عبر مشاهدات غير رسمية، لسيطرة قوات الدعم السريع على مناطق في الخرطوم، وتقدم كبير في إقليم دارفور (غرباً). في المقابل، تحصن أعضاء الحكومة وقادة الجيش في مدينة بورتسودان المطلة على البحر الأحمر في شرق البلاد، ما يعني أن الطرفين مازالا في مراحل من الشدة والتمسك بتحقيق نصر حاسم يقضي به أحدهم على الآخر، وأنهما لا يرغبان في تقديم أي تنازلات لإنهاء حالة الحرب وتناول حلول سياسية عاجلة ممكنة".

لافتاً إلى أنه "إن ظلت الأمور هكذا، وإن افترضنا إمكانية وصول أي من الطرفين لانتصار حاسم على الطرف الثاني، فإن ذلك يعني أننا في طريقنا لأن نفقد السودان الدولة والشعب، وأن تواجه المنطقة ودول الجوار خاصة بيئة صراع وتوتر غير مسبوقة تهدد أمن وسلم المنطقة بالكامل وربما تمتد آثارها للعالم".

ووفقاً لزهدي، فإنه "حتى الآن لم تفلح جولات التفاوض المتعددة سوى في إبرام وقف مؤقت للقتال، التي كانت سرعان ما تستأنف بمجرد انتهاء المهل، وكانوا يعتبرونها فرصة للاستعداد لمزيدٍ من القتال والمعارك والتحرك اللوجستي".

وشدد على أن "الجميع يعلم أنه لا حل على الإطلاق مهما تعددت الوساطات الدولية، مالم توجد النية الصادقة لدى أطراف المشكلة للحل وتغليب صالح السودان فوق مصالحهم الشخصية".

خطر جديد

وكشف الباحث أنه "يظهر في الأفق خطر جديد، يتمثل في توسيع وتعدد أطراف القتال بدخول قبائل وعشائر إما لنصرة أو لدعم أي من الطرفين، أو دخولهم كطرف رئيسي في المعارك دفاعاً عن مصالح أو خوفاً من ضرر، وبالتالي ظهرت موجات من عملية تسلح المدنيين، والتزود بمزيد من السلاح والتحصينات للقبائل التي كانت في الأصل مسلحة ما يهدد بارتفاع أعداد الضحايا".

وأشار إلى أن "الخسائر البشرية فقط حتى الآن تشير لمقتل أكثر من 10 آلاف شخص، وفق تقدير لمنظمة "أكليد" يعتقد على نطاق واسع أنه أدنى من الحصيلة الفعلية، لأن غياب البيانات الرسمية وعمليات الحصر الدقيق في مثل هذه الحروب التي علي الأغلب تنتهك فيها الكثير من المعايير الدولية للحروب، وتحدث بها جرائم حرب يصعب في أحيان كثيرة إثباتها بالأدلة الكاملة، كذلك تسببت المعارك بنزوح أكثر من ستة ملايين شخص، وتدمير معظم البنية الأساسية في السودان الذي كان يعد حتى قبل اندلاع النزاع من أفقر بلدان العالم، وعانى شعبه قبل الثورة وبعدها على حد سواء".

وحول السيناريو الأقرب للسودان في ظل المعطيات الحالية، أكد خبير الشؤون الأفريقية "أنه من المتوقع أن يشهد السودان تكرار للسيناريو الليبي لعدة سنوات، وأن تظل السودان دولة بلا دولة، وبلا سيادة واستمرار نزوح الشعب السوداني داخلياً أو هجرته خارجياً، ويتوقع ظهور حركات سياسية ضد فكرة التقسيم وقد يظهر دعم قوى دولية صديقة للسودان للعمل على رجوع الدولة السودانية،  لكن وبصيغة عامة، الأمر ليس قريباً على المدى الزمني، سواء انتهى بالتقسيم، أو بوقف الحرب وإدارة عملية سياسية".

(ي ح)

ANHA