الحرب العالمية الثالثة والحماية الذاتية للمرأة- هيفي حسن

الحرب العالمية الثالثة والحماية الذاتية للمرأة- هيفي حسن
الثلاثاء 26 تشرين الثاني, 2024   04:00

الحق في الدفاع عن النفس والحماية الذاتية هي عملية مقدسة للحفاظ على الوجود وضمان الحرية مهما كانت الظروف، ما دام هناك انتهاك ظالم للقيم الحياتية على أي مستوى وفي أي وقت. 

يعبّر قتل النساء عن التعصب الجنسي والإبادة الأكثر شمولاً في جميع المراحل التاريخية سواء على الصعيد الجنسي أو الكيفي، وهناك حاجة إلى كشف الغزو الثقافي والأيديولوجي والاجتماعي والمادي أكثر من أي شيء آخر، لذا ينبغي النظر إلى إبادة المرأة على أنّها إبادة المجتمع؛ لأنّ التاريخ، تاريخ إبادة ممنهجة، ولمعرفة هذا التاريخ، يجب أن نعلم أنّ قتل النساء هو شكل من أشكال الاستغلال الشامل، ولا يمكن التعبير عنه إلّا بالعنف الجسدي أو الميل البيولوجي، لكن التأريخ الوضعي القائم على هيمنة الرجل، مشكلة مرفوضة في الماضي والحاضر أيضاً، لأنّ هناك حاجة لتقارب مختلف للبشرية جمعاء وليس فقط من أجل قضية المرأة، فإنّ تمّ قبول إبادة المرأة، فهذا القرار بحد ذاته يؤدي إلى إعادة تقييم وبناء العلاقة بين التاريخ والمجتمع والدولة لصالح الحرية.  

استمرار الإبادة الجنسية بأشكال مختلفة

تستمرّ سياسات الإبادة الجنسية التي ينتهجها نظام الهيمنة الذكورية حيال المرأة بطرق وأشكال مختلفة من التجارب الفردية إلى التجارب الجماعية، ولا يمكن اعتبار الإبادة الجنسية على أنّها "العنف في مناطق الحروب والنزاعات؛ العنف الجنسي، العنف في أماكن العمل" لأنّها عبارة عن نظام واحد، يبني تحالفات مختلفة مبنية على السياسات الخاطئة، العنصرية، الاستعمار، التعصب الجنسي، التعصب الديني وشبكة الحداثة الرأسمالية، وهناك حرب غير معلنة ضدّ النساء في مناطق الحروب أو في الدول "الأكثر تقدماً" في الحداثة الرأسمالية.

وضع المرأة في حروب الهيمنة

لم تنتهِ الحروب في العالم منذ بداية تاريخ الهيمنة الذكورية التي قضت على جميع قيم نظام المرأة وأعلنت هيمنتها وحتّى الآن، وشعرت النساء بتأثير الحروب والصراعات على المجتمعات بأعنف الأشكال، فقد دفعت قوة الهيمنة الذكورية الفاشية المتعصبة قومياً التي تُعد أداة السلطة التقليدية للدولة الذكورية بقتل النساء في جميع الميادين إلى الأمام، ووفق استراتيجية "استهداف المرأة أولاً" يستهدفون النساء أولاً في جميع الحروب على المجتمعات والشعوب والهويات، وتعرّضت مئات الآلاف من النساء خلال حروب الهيمنة والتقسيم في القرنين العشرين والواحد والعشرين للاغتصاب أو الاستغلال الجنسي من قبل الجنود، ويُعدّ الاغتصاب في مناطق الحروب والصراعات جريمة الحرب الأشنع والأشد انعداماً للأخلاق، ويستخدم كأداة للتدمير الأخلاقي للطرف الآخر وإبادة المجتمع.   

وتعرّض المرأة للاغتصاب والتحرش وجميع أنواع الضغوط وشتّى أشكال العنف خلال الحروب، ليس من قبيل الصدفة، فالسيطرة على النساء يعني السيطرة على الأرض والمجتمع، ولا سيما في مجتمعات الشرق الأوسط التي تعتبر المرأة وطناً.

"استهداف النساء أولاً"

من جهة أخرى، إنّ الشرف المحدد في تصور الرجل ونظام الرموز الجنسي هو السبب الرئيس لنجاح العنف ضدّ المرأة، ويعدّ "الاعتداء" على النساء مصيبة للرجال، فالنظام الذي يجعل المرأة ملكية، هو الذي يجعلها الهدف الأول للعنف، لذا يُعدّ جسد المرأة الساحة الأولى للسيطرة على أنظمة الرجال الغزاة ذات التعصب للدولة، لذا أصبح الشعار الأول للحداثة الرأسمالية هو "استهداف النساء أولاً". ولم يكن من قبيل الصدفة، أنّ الصرب في البوسنة وفاشية هتلر في ألمانيا وبربرية داعش في شنكال استخدموا الاغتصاب كأداة وتكتيك للحرب.

لا يجوز ترك حماية المرأة تحت رحمة الرجل

إلا أن التاريخ الاجتماعي الذي استمر لآلاف السنين قبل تاريخ الحضارة، يُشكل مرحلة مهمة في تكوين الوعي، العواطف والأفكار الإنسانية وفي تحقيق هذه التطورات كالحماية الذاتية للإنسانية، لذا سيكون من الخطأ الكبير الاستهانة بالتاريخ الاجتماعي وتاريخ المرأة وقوتها الخلاقة والإبداعية والقيادية والدفاعية، لذا يشكّل الوعي والمعرفة والكتابة الصحيحة للتاريخ الاجتماعي وكتابة الحماية الذاتية آنذاك أساس الحماية الذاتية اليوم.

وبالطبع، علينا أن نميز بين القوى العسكرية الكلاسيكية ومناطق الثورة الاجتماعية التي تتبع أيديولوجية تحررية تدعم الحماية الذاتية، فحماية المرأة قضية جدية ولا ينبغي تركها تحت رحمة الرجل.

أسمّيه "نظرية الورود"

إنّ وعي الحماية الذاتية هو أحد أهمّ ركائز نهج تحرير المرأة مع الوعي بالحرية، لكن أي نوع من الحماية الذاتية؟ يقول القائد عبد الله أوجلان: "أسمّيه (نظرية الورود) فقد تأملت الوردة فرأيتها تنتج الأشواك لحماية نفسها، حتّى الورود والنباتات لديها طريقة لحماية نفسها ومن أجل الحماية الذاتية يكفي أن يتأمل المرء الطبيعة فقط، ألا يحقّ لنا الدفاع عن أنفسنا بقدر ما يحق للورد؟ لهذا طرحت مفهوم الحماية الذاتية، لقد ذكرت أنّه يتوجب على كل جماعة وفرد وامرأة والمرأة بالتحديد حماية نفسها، قلت إن عليهم حماية أنفسهم، وعلى الجميع أن يعرفوا كيفية حماية أنفسهم بالوعي والإرادة" يقدّم القائد عبد الله أوجلان نظرية الحماية الذاتية العالمية للنساء بأفضل الطرق.

نموذج مهم لنساء العالم

يجري التحكم بحياة المرأة تماماً، لذا فإنّ الاستفادة من تجربة المرأة الكردية في مناطق الحروب والنزاعات هي ضرورة للحماية الذاتية كشرط للحرية، وعلينا التركيز على هذه المسألة مجدداً، لقد أصبحت عملية تجييش المرأة (تأسيس جيش نسائي) ضمن حركة حرية المرأة الكردستانية من وحدات حرية المرأة إلى وحدات المرأة الحرة- ستار، ومن وحدات حماية المرأة إلى وحدات نساء شنكال وقوات حماية المرأة، على مدار 40 عاماً نموذجاً هاماً لنساء العالم فيما يتعلق بوعي وتنظيم الحماية الذاتية. وتُعدّ الصيغة الأسطورية لشعار "المرأة، الحياة، الحرية" الذي أصبح الشعار الأول للنضال في سبيل حرية المرأة من الهند، إندونيسيا وكينيا إلى أفغانستان الدليل الأكبر على ذلك.

إنّ النضال الذي يجري على نهج الوعي الجندري، الحب الجندري والنضال الجندري القائم على أيديولوجية تحرير المرأة، تبني مؤسساتها على الصعيد الأيديولوجي والاجتماعي، إنّ أيديولوجية تحرير المرأة التي تعبر عن إعادة بناء عالم المرأة، الحزبية والكونفدرالية الآخذة بالتطور، تحقّق المعايير الأيديولوجية والاجتماعية للحماية الذاتية، ويجب تقييم المبادئ الأساسية لأيديولوجية تحرير المرأة، الوطنية، قوة الفكر، الإرادة التنظيمية والجمال الأخلاقي على أساس هذا النهج، يجب مشاركة تجربة المرأة الكردية مع نساء العالم، وبناء كونفدرالية المرأة من خلال تشكيل تحالف مناهض للكراهية أو العداء تجاه المرأة؛ لأنّنا الآن نشهد حرب الهيمنة الثالثة، لذا فإنّ موقف ومقاومة وتنظيم المرأة وقوى الحرية هي التي ستحدّد مسار وصورة وطابع القرن الحادي والعشرين.

(ر)