الاحتفال بـ 8 آذار في خضم المقاومة والظلم - نرجس إسماعيل

الاحتفال بـ 8 آذار في خضم المقاومة والظلم - نرجس إسماعيل
الأربعاء 6 آذار, 2024   04:32

أسرت ظاهرة الحضارة المليئة بالاستبداد، المرأة والمجتمع والأسرة والطفل والحياة الاجتماعية، بين جدران نظام الهيمنة، بعيداً عن طبيعتهم الاجتماعية أو التمتع بحقوقهم الطبيعية والاجتماعية. وما دفع الفرد إلى الابتعاد عن الأسرة والمجتمع هو ظاهرة التمدن والحضارة التي قامت على أساس المجتمع الزراعي والريفي، وما اهتمت به هو العلاقات التجارية، والتجارة، والبيع والشراء على حساب القيم الاجتماعية.

وحول هذا النظام الذي لا يشبه طبيعة المجتمع، المجتمع إلى "كتلة من العبيد" المحرومين من هويتهم وطاقتهم الطبيعية، ما يتناقض مع العلاقة التكافلية التشاركية المبنية على أساس المجتمع الطبيعي، والذي أثر سلباً على المرأة والأسرة، وتسبب بالكوارث والحروب على البيئة، والطبيعة والمجتمعات المتماثلة.

وتُعد الحداثة الرأسمالية إحدى أخطر الكوارث على المرأة والأسرة، لأنها تتعامل مع الجانب المادي فقط، بعيداً عن الجانب الفكري والأيديولوجي والثقافي والاجتماعي وتستخدم المرأة كملكية للحكام والسلطة، وإذا قارنا مفهوم الحضارة بمفهوم الأمة الديمقراطية، فإننا نجد أن التجربة العملية لثقافة الأمة الديمقراطية التي طُبقت على مستوى مناطق شمال وشرق سوريا تمثل الروح والإرادة الحرة، فقد اتخذت المرأة مكانها كعنصر رئيس في الإدارة الذاتية الديمقراطية.

منذ عام 2011 وخلال سنوات الثورة وبالإرث التنظيمي المتمثل في بناء نظام ديمقراطي قائم على فكر وأيديولوجية حرية المرأة التي تمثل بالتالي حرية المجتمع وعلى أساس الأخلاق الاجتماعية، تم اتخاذ خطوة تاريخية. ويتمثل المجتمع الطبيعي في العلاقات الودية مع البيئة المجتمعية والانسجام مع الطبيعة والبيئة، ومن المهم جداً أن يُنظر إلى تلك الثورة التي عُرفت بالربيع العربي على نطاق واسع، على أنها خطوة تاريخية وفرصة للتغيير من أجل حرية المرأة وتحرير المجتمعات.

لقد أدت ثورة 2011 التي اتخذت من حرية المرأة عنصراً أساسياً في التغيير والتحول، إلى بناء نظام ديمقراطي بجهود المرأة، ويحارب ذلك النظام نهج الهيمنة القومية، على أساس التنوع والتعدد من خلال تنظيم جميع شرائح المجتمع بجميع مكوناته الاجتماعية، والثقافية والطائفية والدينية والعرقية، والمرأة والشبيبة والطفل. فتلك الدول التي قامت على أساس "فكر واحد، لون واحد، لغة واحدة، ثقافة واحدة، وقومية واحدة" لم تتمكن من الخلاص من العقليات الدوغمائية العنيفة.

وفي الحضارة تتزايد ظاهرة الطبقية والسيطرة الأحادية، فيما تتراجع فيها العلاقات والروابط الاجتماعية. أما الأمة الديمقراطية فلديها آفاق ومعايير في كافة النواحي الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية والسياسية، والعدالة والمساواة بين الرجل والمرأة.

والأمة الديمقراطية ذات مجتمع ديمقراطي، وأخلاقي، وبيئي يحافظ على البيئة والطبيعة، وتُبنى العلاقة بين المرأة والرجل فيها على المساواة، والنقطة المشتركة بين جميع المكونات المنضوية تحتها هي التعايش المشترك.

ولأول مرة في تاريخ كردستان والشرق الأوسط، قدّم المفكر والقائد عبد الله أوجلان تحليلات مفصلة ومتعمقة في قضايا المرأة، وعلم المرأة (جنولوجيا)، وثقافة المرأة، والمرأة والأسرة، والمرأة والأسرة الديمقراطية، وجعل من قضايا المرأة والتنظيم الاجتماعي وغيرها وشكل العلاقات والحياة الحالية وثورة الحرية، أساساً وأيديولوجية وعملاً فلسفياً كأساس مهم.

ويقول القائد عبد الله أوجلان: "أجمل امرأة هي التي تتمتع بأكبر حرية، بالنسبة لي، حرية المرأة أهم من أي شيء آخر، لأن الرابط بين (امرأة مضطهدة ورجل مهيمن) ليس له أي قيمة، ولا يوجد ما هو أجمل وأثمن من التحرر، والأجمل هو أنه بتطوير العلاقات وتعزيز الرابط بين المرأة الحرة والرجل المتحرر تماماً من التسلط والسيطرة، يصبح للحياة معنى".

لذا غالباً ما لا يتم الاحتفال بـ 8 آذار في العديد من بلدان الشرق الأوسط، وحتى لو احتُفل بها فإنها تُفسر فقط (كيوم واحد للمرأة)، ولا تزال المرأة في الدول العربية تتعرض للقمع والظلم، وهذا ليس من قبل السلطة فقط، إذ لا يزال مفهوم "تمثل المرأة شرف العائلة، والقبيلة والعشيرة والأسرة" سائداً، ولا تزال حقوق المرأة موضوع جدل ونقاش باعتبار أن المرأة مكانها المنزل وضمن الأسرة.

اتبع خلال السنوات الأخيرة أسلوباً يقوم على أنه علينا مواكبة العالم والسير معه، لكن للأسف يتطلب موضوع إلى متى ستنجح هذه الفكرة الكثير من البحث والدراسة والتفكير، ولا يزال هناك تأثير معاكس للدين والتدين على ثقافة المجتمع، فالقيمة الكبيرة التي منحها الدين للمرأة والأم، تراجعت بمرور السنين وتشوهت.

يُحتفل بـ 8 آذار كيوم عالمي للمرأة، سواء في مصر، وتونس، والجزائر وغيرها من الدول بالندوات والمحاضرات، والتجمعات والمؤتمرات، ويجري الحديث عن حقوق المرأة في العمل ووجودها كجزء أساسي من المجتمع في هذا اليوم فقط، أما في الواقع، لا يزال الاضطهاد الذي تتعرض لها المرأة السودانية والأفريقية وفي باقي الدول الأفريقية والأردن مستمراً بوضوح بأقسى الطرق. والمشكلة الأساسية هي أن النساء ما زلن غير قادرات على التعبير عن أنفسهن وعن أعمالهن على مستوى العالم، وهذه مشكلة كبيرة جداً، فعلى الرغم من اعتبار 8 آذار كيوم للمرأة، لكن لا يزال يُحتفل به بإذن من الرجل، وحتى المؤسسات التي تنادي بحقوق المرأة والدفاع عنها، فإنها تعمل بإذن الحكومات القائمة.

ولا تتمتع المرأة بحريتها لا في بلدها ولا في مجتمعها، وحتى في القوانين الطبيعية قد تتمتع بعشرة بالمائة من حقوقها أو لا، وهذه مشكلة خطيرة، فهي لا تضر بالمجتمع فقط، بل تفاقم العديد من المشاكل والعقد وتبقى بعيداً عن الحل، وعلى الرغم من وجود العديد من المؤسسات والأجهزة في الدول العربية خلال السنوات الأخيرة، لكن لا يزال هناك حاجة لمقاومات واحتجاجات ذات معنى في مضمونها، فالمرأة في الشرق الأوسط تتمتع بقوة تاريخية، ويمكنها التغلب على جميع الأزمات بأصالتها وثقافتها الأصيلة، إنها تحتاج فقط إلى التعمق في أيديولوجية تحرير المرأة، إن المرأة في الشرق الأوسط اليوم تكافح وتقاوم، وفي خضم المقاومة والاحتلال، تنتفض في 8 آذار، وهذا مهم جداً، لذا يجب أن تكون جميع أيام العام بالنسبة للمرأة 8 آذار، أي يوم عودة فلسفة المرأة الأصيلة، الحياة الحرة ذات المغزى، والحرية التي تشمل المجتمع بأسره.

(ر)