سدّ النهضة والصراع الإقليمي على قيادة المنطقة

"مصر هبة النيل" عبارة أطلقها المؤرخ اليوناني هيروديت، في وصفه لمصر منذ قديم الأزل، ولكن مع وجود سدّ النهضة الأثيوبي أصبح بقاء النيل في مصر محل شك؛ خاصة أن سنوات المفاوضات لم تنجح في منع أديس أبابا من استكمال السد الذي يهدد مصر بالجفاف. فهل تواصل مصر طريق المفاوضات أم يكون لها موقفاً آخر؟

سدّ النهضة والصراع الإقليمي على قيادة المنطقة
الإثنين 2 تشرين الأول, 2023   04:25
القاهرة - محسن المصري

على مدار ثماني سنوات لم تتوقف المفاوضات الثلاثية بين مصر وأثيوبيا والسودان حول سد النهضة، دون التوصل لأي اتفاق بين الأطراف حول قواعد ملء وتشغيل السد، الذي أعلنت أديس أبابا منذ أيام انتهاء مرحلة الملء الرابع له.

وتسود الخلافات بين أثيوبيا (دولة المنبع) ومصر والسودان (دولتي المصب)، حول السد وطريقة تشغيله؛ خاصة في ظل مخاوف مصرية من تأثير السد على حصة مصر من ماء النيل، ما يهدد بأزمة كبيرة قد تواجهها الدولة المصرية التي تعتمد على النيل في الزراعة بشكل كبير.

حرب كلامية

وعقب فشل الجولة الأخيرة من المفاوضات الثلاثية التي استضافتها العاصمة الإثيوبية أديس أبابا يومي 23، 24 أيلول الماضي، تبادلت مصر وأثيوبيا الاتهامات والبيانات الرسمية.

وانتقد بيان رسمي لوزارة الخارجية الإثيوبية مطالبة مصر بحصة وصفها بـ"استعمارية" من المياه، وتمسكها بما وصفه البيان بـ "معاهدة إقصائية تعود للحقبة الاستعمارية"، في إشارة إلى اتفاقيتي 1902 و1929، اللتين عقدتهما بريطانيا (دولة الاحتلال لمصر والسودان) وإثيوبيا بتحديد حصة مصر المائية، وإلزام إثيوبيا بعدم إقامة أي مشروعات على النيل، من شأنها إعاقة تدفق النهر، إلا بموافقة مصر.

كما استنكر البيان الإثيوبي نهج الوفد المصري الذي شارك في جولة المباحثات معتبراً أنه يقوّض "اتفاق إعلان المبادئ عام 2015″، الموقع في العاصمة السودانية (الخرطوم)، بين الدول الثلاث.

من جانبها، صعّدت مصر من موقفها الرافض للممارسات الأثيوبية في ملف سد النهضة، حيث أعرب وزير الخارجية المصري سامح شكري، في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، عن رفض مصر لسعي إثيوبيا لفرض الأمر الواقع على 100 مليون مصري، لافتاً إلى معاناة مصر من نُدرة مائية، وعجز في احتياجاتها المائية يصل إلى 50%.

ورغم هذه الحالة من التلاسن والحرب الكلامية، هناك جولة مباحثات جديدة بين الدول الثلاث من المقرر عقدها في القاهرة خلال أكتوبر الجاري.

أزمة تهدد مصر

وتعتبر مصر أكثر المتضررين من سد النهضة، خاصة أنها من أكثر دول العالم المهددة بالفقر المائي.

رقمياً، مصر لديها موارد مائية تقدر بحوالي 60 مليار متر مكعب سنوياً، معظمها من النيل واحتياجاتها الفعلية 114 مليار متر مكعب أي حوالي الضعف.

كما تعتمد في مصادرها المائية على ٩٥٪؜ من النيل، وتبلغ حصة كل مواطن حوالي 560 متر مكعب، أي حوالي نصف خط الفقر المائي الذي يقدر بألف متر مكعب مياه للفرد.

كما تعاني مصر من ثبات حصتها من الموارد المائية المتجددة منذ منتصف القرن الماضي رغم تضاعف تعداد السكان أربعة أضعاف.

ويهدد سد النهضة مستقبل الزراعة في مصر، ما سيكون له تأثيرات سلبية كبيرة حيث أن القطاع الزراعي يمثل مصدر الرزق الوحيد لأكثر من 50% من السكان.

وبحسب مراقبين، فإن الخطر الذي يمثله سد النهضة يمثل تهديداً وجودياً على الدولة المصرية، يتطلب تحركات ربما أكثر من مجرد التفاوض التي لم تجنِ مصر منها على مدار سنوات سوى إضاعة الوقت واكتمال بناء السد.

صراع إقليمي

ويرى الباحث في شؤون الشرق الأوسط، الدكتور طه علي أحمد، أن "قضية سد النهضة تعكس حالة توازن القوى الإقليمية في منطقة حوض النيل، والتي لم تعد لصالح الدولة المصرية على مدار السنوات العشر الأخيرة، كما نؤكد أيضاً بأن هذه القضية أضحت مسرحاً لعدد من الفاعلين الذي يشتركون في مناكفة الدولة المصرية لأغراض تخص مشروعاتهم الإقليمية، والتي تقتضي إضعاف الدولة المصرية في المقام الأول".

وقال لوكالتنا: "لهذا، فقد استند الموقف الإثيوبي منذ بداية الأزمة على حالة الوهن التي أصابت الدولة المصرية بعد عام 2010، حيث لم تبد أية جدية، بل وسعت للتلاعب بالدولة المصرية، وقد أكدت على ذلك الطريقة التي تم الاعلان بها عن السد، والتي تزامنت مع حالة الضعف التي أصابت الدولة المصرية بعد 2010، حيث تغيرت مسميات السد بين "السد إكس"، و"سد الألفية"، ثم "سد النهضة"، فضلاً عن رفض الجانب الأثيوبي لقبول أية عروض من الجانب المصري بشأن ضمان معايير الأمن والسلامة، وأمور أخرى تؤكد على النهج غير التعاوني من جانب الاثيوبيين".

وبحسب الباحث فإن "صانع القرار المصري اختار المضي في المسار التفاوضي، حيث ترفض الدولة المصرية الإقدام على أي عمل عدائي تجاه دولة إفريقية، الأمر الذي يترتب عليه الدخول في حالة عدائية مع الأفارقة، فضلاً عن القيود التي يفرضها المجتمع الدولي من عقوبات وحصار محتمل، لافتةً إلى أنه رغم خطورة الموقف الإثيوبي على الأمن القومي المصري بشكل عام، لكن القيادة المصرية ترى أنه لا تزال ثمة إمكانية للحل التفاوضي".

أما عن خطورة سد النهضة على مصر، فيؤكد الباحث أنه "تكفي الإشارة إلى أن العام الحالي لم يصل لبحيرة ناصر سوى مقدار قليل جداً من المياه، ما جعل مصر تعتمد على مخزون بحيرة ناصر والذي لا يكفي لأكثر من عامين أو ثلاثة على أقصى تقدير، ناهيك عن ضعف قدرة السد العالي على توليد الكهرباء، وتأثر الزراعة المصري بشكل كارثي مؤكد".

دعم دولي لأثيوبيا

وأشار علي إلى أن "غالبية المجتمع الدولي يدعم الموقف الإثيوبي، وفي مقدمتها إسرائيل وتركيا والولايات المتحدة ودول أوروبية أخرى، بالإضافة لبعض الدول الخليجية الداعمة للموقف الإثيوبي؛ سواء من خلال الاستثمارات أو الدعم السياسي لرئيس الوزراء أبي أحمد. وهو ما يعكس حالة من الانفصال بين التوجهات القومية العربية المزعومة من جانب هذه الدول ومواقفها الحقيقية، إذ يمثل الإضرار بمصالح مصر المائية تهديداً عميقاً لمنظومة الأمن القومي العربي بشكل عام".

أما بخصوص الهدف من وراء ذلك الدعم، فيرى الباحث أن "اسرائيل عدو تقليدي للدولة المصرية، رغم وجود معاهدة للسلام معها، حيث يمثل إضعاف مصر وشغلها في أزمات داخلية طوال الوقت تأميناً ضد أية مخاطر محتملة قد تصلها من الجبهة الحدودية مع مصر، والحال نفسه بالنسبة لتركيا التي تخوض صراعاً إقليمياً مع الدولة المصرية، التي وقفت في وجه المخطط الإقليمي لتركيا منذ عام 2013، أما الدول العربية فإن إضعاف الدولة المصرية وعدم تبوأها قيادة العالم العربي يفسح المجال أمام المشاريع الإقليمية المتصاعدة والمتنافسة أيضاً، كالإمارات والسعودية، كما أن إضعاف الدولة المصرية يجعلها في موقف "التابع" للرياض وأبوظبي، وهو ما يتجلى في انخراطهما في مشاريع تؤثر بالضرورة على الدولة المصرية، كالاستثمارات الإماراتية في إثيوبيا وإسرائيل، وأخيراً الانخراط السعودي والإماراتي في المشروع الاقتصادي الدولي الجديد الذي ينطوي على الإضرار بقناة السويس المصرية".

ويعتقد الباحث "أن كل ذلك ينطلق من رؤية ضيقة من جانب هذه الدول تجاه أمنها ومشروعاتها الإقليمية، والتي تصطدم في واقع الأمر بإضعاف الأمن القومي العربي من خلال تعزيز أوضاع الخصوم التقليديين للعرب كإسرائيل وتركيا وإيران وإثيوبيا.

خيارات مصر

ويرى الدكتور علي أنه "لا يوجد إمكانية لحل الأزمة على مائدة التفاوض"، مشدداً على أن "الخبرة التاريخية وواقع سلوك الحكومة الإثيوبية تؤكد على استحالة حل القضية من خلال المسار التفاوضي التقليدي الذي طال لأكثر من 10 أعوام بدون جدوى".

وشدد الباحث على أن "المطلوب من الجانب المصري، تفعيل أوراق بديلة للمسار الدبلوماسي التقليدي"، معتبراً أن "التلويح بالورقة العسكرية يساعد على إدخال القضية في حالة من التوتر يمكن أن تؤثر بالضرورة على المفاوض الإثيوبي، خاصة أن فكرة الضغط الإقليمي والعربي تحديداً على أديس أبابا غير واردة، لاسيما مع الدعم الإماراتي للسياسة المائية لأثيوبيا والتي عبرت عنها مشاركة الرئيس الإماراتي في فعاليات افتتاح "معرض المياه والطاقة" خلال زيارته لأديس أبابا في  آب الماضي، وعليه لا يتوقع ممارسة أية ضغوط إقليمية على أثيوبيا، بل إن الواقع يشير لما يشبه التنسيق الإقليمي لدعم الموقف الاثيوبي ضد أمن الدولة المصرية، وهو ما يعزز أهمية التلويح بالورقة العسكرية لإحداث اضطراب في البيئة الاقليمية بشكل يدفع الجميع لإعادة النظر في الوضع الراهن".

(ي ح)