خلفيات ومآلات الصراع في قره باغ

تجددت المعارك في إقليم ناغورني قره باغ بعد توقفها منذ أشهر، وذلك وسط عدم وضوح موقف حليف أرمينيا التقليدي (روسيا) بعد أن أظهر الرئيس الأرميني نواياه بالتقرب أكثر من الغرب، ما يشير إلى أن هذه المعارك قد تدوم طويلاً على وقع التنافس بين موسكو والدول الغربية، فما هي خلفية هذا الصراع؟

خلفيات ومآلات الصراع في قره باغ
الجمعة 22 يلول, 2023   02:19
مركز الأخبار – يحيى الحبيب

أطلقت أذربيجان، يوم الثلاثاء 19 أيلول، ما أسمتها "عمليات لمكافحة الإرهاب" تستهدف القوات الأرمينية في منطقة ناغورني قره باغ المتنازع عليها بين الطرفين.

وأشارت إلى أن العملية تأتي كردّ على مقتل 4 من الشرطة والمدنيين بانفجار لغمَين في ناغورني قره باغ، واتّهمت القوات الأرمنية في قره باغ بالوقوف وراء ذلك.

وفي وقت أعلن المكتب الرئاسي لأرتساغ - ناغورني قره باغ، أنه تم: "التوصل إلى اتفاق بشأن وقف كامل للأعمال العدائية في أرتساغ - ناغورنو قره باغ، اعتباراً من الساعة 13:00 يوم 20 أيلول، بوساطة قيادة حفظ السلام الروسية"، وأعلنت أرمينيا أنها لم تشارك في صياغة أي اتفاق وتلا ذلك تبادل القصف، ما يشير إلى أن جهود التهدئة لا تزال تواجه تحديات.

خلفية الصراع

تم الإعلان عن جمهورية ناغورني قره باغ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، لكن ذلك لم يحظَ باعتراف دولي وفي عام 1992، اندلعت الحرب بين أرمينيا وأذربيجان. واستمرت حتى عام 1994، وتمكنت أرمينيا من السيطرة على المنطقة، وخلال الحرب الثانية على ناغورني قره باغ عام 2020، سيطرت أذربيجان على أجزاء كبيرة من المنطقة، وانتهت الحرب بشكل رسمي في تشرين الثاني 2020 عبر التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق للنار بوساطة روسية.

تجددت سخونة التطورات بعد أن بدأ ما يسمّون بالنشطاء الأذريين في ديسمبر 2022 بإغلاق ممر لاتشين، وفي أبريل 2023، أنشأت أذربيجان نقطة تفتيش أمنية جديدة على طول الطريق. وقد أدت هذه التحركات إلى قطع تدفق الأشخاص والبضائع بين أرمينيا وناغورني قره باغ.

تلا ذلك تحذير أرمينيا خلال الأسابيع الماضية من أن أذربيجان تقوم بتحشيد قواتها على الحدود، وطالبت وزارة الدفاع الأذربيجانية في بيان لها بـ 19 أيلول "بالانسحاب الكامل للقوات العرقية الأرمنية وحل الحكومة في ستيباناكيرت".

دور القوى الخارجية في هذا الصراع.. تركيا هي الأبرز

تُعدّ منطقة جنوب القوقاز منطقة مهمة لكافة القوى الإقليمية والدولية؛ لذلك تسعى هذه القوى لتكريس نفوذها هناك عبر دعم أحد الأطراف، ونتج عن ذلك تشابك علاقات وتحالفات معقدة حيث تقيم أرمينيا علاقات قوية مع الجارة إيران وفي الوقت نفسه مع الهند وفرنسا.

وفي الوقت نفسه، تعمل أذربيجان على أساس "أمة واحدة ودولتين" مع تركيا، التي تربطها بها علاقات ثقافية ولغوية وتاريخية عميقة. كما أنها تتلقى شحنات كبيرة من الأسلحة والمعدات العسكرية من إسرائيل، بينما تزوّد الدولة الشرق أوسطية بالغاز.

ومنذ الجولة السابقة للحرب، تُعدّ تركيا الدولة الإقليمية الوحيدة التي اتخذت موقفاً واضحاً واصطفت إلى جانب أذربيجان، إلى درجة إصدار وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، تحذيراً لأرمينيا من أنها "ستدفع ثمن اعتداءاتها على أراضي أذربيجان"، وخلال المعارك السابقة وضعت تركيا كل سبل الدعم العسكري رهن إشارة أذربيجان من صناعات دفاعية وخبرات وتقنيات وقدرات عسكرية، علاوة على ذخائر وطائرات مسيّرة وصواريخ وأنظمة، بالإضافة إلى إرسال المرتزقة السوريين إلى هناك للقتال إلى جانب القوات الأذرية.

روسيا تراقب بحذر

كانت أرمينيا من أهم شركاء روسيا، ويوجد للأخيرة قاعدة عسكرية في أرمينيا هي الأهم، ولكن خلال السنوات الأخيرة بدأت أرمينيا تميل إلى الغرب بشكل واضح؛ إذ قال رئيس وزراء البلاد، نيكول باشينيان، في الأشهر الأخيرة، إن بلاده لم تعد قادرة على الاعتماد على روسيا كشريك أمني.

ومن أبرز علامات سعي أرمينيا للنأي بنفسها عن موسكو، أنها دعت بعثة مراقبة مدنية تابعة للاتحاد الأوروبي إلى الحدود، وزارت زوجة باشينيان كييف لإظهار دعمها، بينما استضافت القوات الأمريكية لإجراء تدريبات، وردّت موسكو على ذلك من خلال استدعاء السفير الأرميني.

هذه التطورات يمكن أن تدفع أرمينيا لاتخاذ قرار حاسم بشأن علاقاتها؛ فإما أن يستغل الروس الضغط الأذري على أرمينيا للتراجع عن نواياها بشأن التقارب مع الغرب، مقابل تقديم الدعم العسكري لها، أو أن تكمل مسار التقارب مع الغرب في حال حصلت أرمينيا على ضمانات غربية بإيقاف الهجمات من قبل أذربيجان.

إيران وإسرائيل وتركيا

تقول مؤسسة كارنيغي، في تحليل لها، أنه وبعد أن سيطرت أذربيجان على جزء من إقليم ناغورني قره باغ في العام 2020، اتّسعت الحدود بين إيران وأذربيجان بنحو 100 كيلومتر، وحظيت إسرائيل بإمكانية الوصول إلى موقع مناسب لمراقبة منشآت تبعد 7 كيلومترات فقط عن إيران. واليوم، تدعم إسرائيل بشكل غير رسمي فتح "ممر زنغزور"، وهو مشروع بين تركيا وأذربيجان يهدف إلى إنشاء ممر بين البلدَين يمرّ عبر الأراضي الأرمنية. وسيؤدي تنفيذ هذا المشروع، من خلال أذربيجان، إلى تنامي نفوذ تركيا بشكل ملحوظ في مناطق شمال الحدود الإيرانية، إن نقطة التقاطع الأساسية بين المصالح التركية والإسرائيلية في جنوب القوقاز تتمثّل في إضعاف إيران.

الخلاصة

تعود أهمية هذا الصراع بأنه لا يتعلق بقتال بين دولتين، وإنما مرشح لأن يكون صراعاً يشمل أطراف إقليمية ودولية عديدة، وهذا ما قد يجعل قره باغ ساحة للصراع والتنافس بين هذه الأطراف، وذلك انطلاقاً من أهمية المنطقة كطريق إمداد للطاقة إلى روسيا وأوروبا، ورغبة القوى الغربية بمحاصرة النفوذ الروسي، لكن ما يقلل من إمكانية توسع هذا الصراع هو عدم رغبة كل من روسيا وتركيا بالصدام؛ كونهما يدعمان طرفي الحرب، وفي ظل أن هناك مخاوف لدى إيران من التقارب بين أذربيجان وإسرائيل وانقطاع حدودها مع أرمينيا، بالإضافة إلى رغبة تركيا بتكريس نفوذها هناك، فيمكن أن يؤدي ذلك لزيادة دعم هذه الأطراف والتأسيس لحرب طويلة الأمد بين طرفي الصراع دون أن يكون هناك تدخل أجنبي مباشر.