دلالات ورسائل التحالف العسكري الجديد في الساحل الأفريقي

عززت الأنظمة الانقلابية في دول النيجر ومالي وبوركينا فاسو، من تعاونها بالإعلان عن تأسيس تحالف عسكري جديد لمواجهة أي عدوان أو تدخل تتعرض له أيّ من الدول الثلاث. فما تأثير ذلك التحالف على الصراع بالغرب الأفريقي؟ وما حقيقة الدور الروسي في تأسيسه؟

دلالات ورسائل التحالف العسكري الجديد في الساحل الأفريقي
الخميس 21 يلول, 2023   03:08
القاهرة - محسن المصري

تغيرات دراماتيكية تشهدها منطقة الساحل الأفريقي منذ انقلاب النيجر أواخر تموز الماضي، الذي قوبل باهتمام دولي غير مسبوق مع التهديد بالتدخّل العسكري لإعادة النظام السابق.

ومع تمسّك قادة الانقلاب بالنيجر برفض الضغوط الدولية والأفريقية التي تقودها فرنسا لإعادة نظام بازوم الموالي لباريس، وإعلانهم طرد السفير الفرنسي من نيامي، فضلاً عن وقف أشكال التعاون الاقتصادي والعسكري مع فرنسا، تلقوا دعم ومساندة سياسية وعسكرية من بوركينا فاسو ومالي؛ حيث رفضت الدولتان تهديدات ايكواس "المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا" للنيجر، وأعلنتا وقوفهما إلى جانب حكام نيامي الجدد.

وأحدث انقلاب النيجر شرخاً في علاقة الدول الثلاث بإيكواس، إذ تعهدت مالي وبوركينا فاسو بتقديم المساعدة للنيجر إذا تعرضت لأي هجوم خارجي، وذلك رداً على التهديد باستخدام القوة لاستعادة الحكم الدستوري في البلاد.

وجاء انقلاب الغابون أواخر آب، ليعزز من موقف قادة الانقلاب في النيجر، ويوجه صفعة جديدة لدعاة التدخل العسكري، وحلفاء فرنسا في أفريقيا خاصة مع تصاعد موجة العداء لباريس داخل أفريقيا، وبالتحديد منطقة الساحل التي شهدت 5 انقلابات عسكرية ضد أنظمة موالية لباريس.

تحالف دول الساحل

وجاء الإعلان عن توقيع اتفاق التعاون العسكري بين دول الساحل الذي تم توقيعه السبت 16 أيلول بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، والذي ينص على مساعدة الدول الثلاث بعضها بعضاً إذا ما تعرّض أي منها لتمرد داخلي أو عدوان خارجي، ليعزز من قوة ونفوذ ما يمكن وصفه تحالف مناهضي فرنسا بأفريقيا، خاصة أنه يجمع 3 دول انقلبت جيوشها ضد أنظمة كانت توصف بالولاء لباريس.

وحسب وسائل إعلام، فقد جاء في ميثاق الاتفاق الذي وقعته الدول الثلاث وأطلقت عليه اسم "تحالف دول الساحل" أن الاتفاق يرمي إلى إنشاء هيكل للدفاع المشترك والدعم المتبادل بين الأطراف الموقعة عليه، كما ينص على أن "أي اعتداء على سيادة ووحدة أراضي طرف متعاقد أو أكثر يعتبر عدواناً على الأطراف الأخرى يستوجب تقديم المساعدة، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة لاستعادة الأمن وضمانه".

ويعتقد مراقبون أن التحالف الجديد قد يغيّر من خارطة التحالفات بالغرب الأفريقي، ويفتح الباب لتشكيل تكتلات جديدة تتوافق مع التغيرات التي تشهدها المنطقة خصوصاً وأفريقيا بشكل عام.

دور روسي

ويرى الباحث الموريتاني في الشؤون الأفريقية، محفوظ ولد السالك، أن "الدول الثلاث المؤسسة للتحالف تشترك في أنها محكومة من طرف أنظمة عسكرية وصلت السلطة عن طريق انقلابات، كما أنها مناهضة لفرنسا، ولا تريد بقاءها على أراضيها، فضلاً عن أنها تواجه ذات التحديات الأمنية ممثلة في الهجمات المستمرة للجماعات المسلحة، بل والتهديد الذي تشكله تلك الجماعات لبقاء الأنظمة الحاكمة".

وقال لوكالتنا: "من هذا المنطلق آثرت هذه البلدان تشكيل إطار يوحدها، تسعى من خلاله لتعزيز التعاون على الصعيدين الاقتصادي والأمني".

وحسب الباحث، فإن "أثار وقوف روسيا خلف هذا التحالف تبدو واضحة، حيث إن نائب وزير خارجيتها زار بوركينا فاسو ومالي، قبل إعلان ميلاد التحالف، والتقى وزير دفاع النيجر في باماكو"، لافتاً إلى أنه "من المعروف أن الدول الثلاث قريبة من روسيا، فمالي توجد بها عناصر من مجموعة فاغنر، وبوركينا فاسو وقعت اتفاقيات عسكرية مع موسكو، والنيجر طلبت نشر عناصر من فاغنر على أراضيها".

وأشار ولد السالك، إلى أن "التحالف الجديد موجه بالأساس لتحالف مجموعة الخمس في الساحل التي انسحبت منها مالي قبل أكثر من سنة، ذلك أن مجموعة الخمس ينظر إليها على أنها مدعومة من فرنسا، كما أنه تحالف في وجه المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "إيكواس" التي تفرض عقوبات اقتصادية على النيجر، ومن قبل فرضتها على مالي وبوركينا فاسو بسب الانقلابات العسكرية، والآن تلوّح بالتدخل العسكري في نيامي".

وحول مدى إمكانية أن يساهم التحالف الجديد في دعم وتشجيع الانقلابات بالمنطقة، أكد الباحث أن "هناك تساهل كبير إقليمياً ودولياً مع الانقلابات، بدأ ذلك في مالي حين أطاح الجيش بالرئيس المدني المنتخب الراحل إبراهيم بوبكر كيتا، والتساهل مع هذا الانقلاب هو الذي جعل انقلاباً آخر يحصل في بضعة أشهر في البلاد ذاتها، ثم توالت الانقلابات في بوركينا فاسو بمعدل انقلابين، وفي غينيا كوناكري، ثم النيجر، والغابون، ولا يستبعد أن تضم القائمة دولاً أخرى جديدة، ما دامت الإجراءات المتخذة لا ترقى لمستوى الجرم المتمثل في الاستيلاء على السلطة بالقوة".

واقع جديد

ويرى الباحث السوداني في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين، أن "التحالف الجديد يأتي في سياق تأطير التعاون الذي سبق وأعلنته المجالس العسكرية الحاكمة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وتحويل تحالفهم إلى واقع".

وقال لوكالتنا: "التحالف الجديد يقضي بالتدخل عسكرياً لحماية أي دولة من الدول الثلاث في حالة مهاجمتها، سواء من الإيكواس أو أي دولة أخرى".

وتوقع تورشين أن "يجذب التحالف الجديد عدداً كبيراً من القوى السياسية والمدنية بالدول الثلاث، كما قد تنخرط فيه دول جديدة تتشابه أوضاعها مع أوضاع الدول الموقعة عليه".

وحسب الباحث، فإن "تأسيس هذا التحالف يجعل من احتمالية التدخل العسكري في النيجر سواء من قبل الايكواس أو فرنسا احتمالية ضعيفة ومستبعدة؛ نظراً لأن إقدام أي جهة على خطوة التدخل العسكري سواء في النيجر أو غيرها من دول التحالف الجديد، يضع المنطقة في حالة حرب مفتوحة تترك آثارها على الجميع ولن يتحملها أحد".

وعن انعكاسات إعلان هذا التحالف على غرب أفريقيا، أكد الباحث إن "الوضع الآن تغيّر، وهذا التحالف سيدفع جميع القوى المتفاعلة في المنطقة سواء الإيكواس أو فرنسا أو أمريكا وحتى القوى الإقليمية الأخرى، لمراجعة قرارتهم وتصوراتهم وسياساتهم تجاه المنطقة بشكل كبير".

ولفت إلى "احتمالية أن يتم توسيع التحالف خلال الفترة المقبلة ليشمل دول وسط أفريقيا، خاصة أن الخطوة تنال رضا الكثير من المجموعات العسكرية في أفريقيا"، مشدداً على أن "هذه الخطوة ستقود منطقة الساحل وعموم أفريقيا لواقع جديد وترسم تصورات سياسية جديدة".

(ي ح)