تنامي خطر ضياع مكتسبات الكرد في جنوب كردستان

وضعت سياسات الحزب الديمقراطي الكردستاني (PDK) مكتسبات الشعب الكردستاني في جنوب كردستان في وجه تسونامي عاتٍ، في ظل تنامي خطر حقيقي يتمثل في ضياع هذه المكتسبات.

تنامي خطر ضياع مكتسبات الكرد في جنوب كردستان
الأربعاء 20 يلول, 2023   22:35
مركز الأخبار ـ أحمد سمير 

توسّل رئيس وزراء حكومة إقليم جنوب كردستان مسرور البرزاني، عبر رسالة، إلى بايدن لإسعافه والتدخّل في الأزمة المتفاقمة مع الحكومة المركزية في بغداد، بشأن المخصصات الميزانية ومبيعات النفط والأراضي التي يطالب بها الجانبان، معرباً عن مخاوفه من احتمال انهيار النموذج الفيدرالي.

وفي رسالة تحمل تاريخ 3 أيلول 2023 كانت موجّهة إلى بايدن وتم تسليمها إلى البيت الأبيض الأحد (10 أيلول 2023)، كتب البرزاني، وفقاً لموقع المونيتور الأميركي: "أكتب إليكم الآن ونحن أمام منعطف حرج آخر من تاريخنا، وهو منعطف أخشى أننا قد نجد صعوبة في التغلب عليه. نحن ننزف اقتصادياً وننزف سياسياً".

توسّل أعداء الكرد لمحاربة الكرد

هذه ليست المرة الأولى التي يستنجد فيها أفراد الأسرة البرزانية بالخارج، ففي عام 1991 استنجدوا بدولة الاحتلال التركي لمحاربة حزب العمال الكردستاني، وفي 1996 استنجدوا بصدام حسين لمحاربة الاتحاد الوطني الكردستاني.

خلفية تاريخية

استنشق الشعب في جنوب كردستان نسائم الحرية بعد أعوام من استبداد وطغيان حكم البعث بقيادة صدام حسين، من خلال انتفاضة رانية في 5 آذار 1991، لتنتقل منها الشرارة إلى السليمانية وهولير ودهوك وباقي المناطق الكردستانية، حتى توّجت بنصر مؤزّر في تحرير المدن الكردستانية بجنوب كردستان، وآخرها كركوك في 20 آذار من العام نفسه من قبضة نظام البعث العراقي. 

أثمرت هذه الانتفاضة عن كيان ومكتسب يتفاخر ويعتز به جميع الكردستانيون، وعلقوا آمالهم عليه. وفي 1992 تم الإعلان عن برلمان جنوب كردستان في واشنطن.

إلا أن أول قرار صدر عن البرلمان، كان توجيه البيشمركة في جنوب كردستان إلى جانب الدولة التركية لمحاربة حركة حرية كردستان، وهذه المرحلة، كانت الانفتاح أمام الاحتلال التركي الفعلي لجنوب كردستان.

قرار الحزب الديمقراطي الكردستاني هذا كان كمَن يطلق النار على رجله ويبقى أعرج، بعدما حاول إنهاك وإضعاف حركة حرية كردستان التي تناضل في وجه المحتلين وأعداء الشعب الكردي.

تقسيم داخلي

في عام 1993، نشب الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني (PDK)، والاتحاد الوطني الكردستاني (YNK)، على تقاسم النفوذ والسيطرة على الموارد والسلطة، وتحوّل الخلاف إلى احتراب أخوي دموي في 1994 بعدما لم يتمكن الطرفان من رأب الصدع.

في 31 آب 1996، استنجد رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود البرزاني، بقاتل الكرد ومرتكب مجازر حلبجة صدام حسين، للتحالف ضد الاتحاد الوطني الكردستاني الذي كان يسيطر وقتها على مدينة هولير.

توصّل الطرفان إلى اتفاق في 17 أيلول 1998 بعد توسّط الولايات المتحدة، ونجم عن هذا الاتفاق ما يشبه ظهور دولتين (هولير والسليمانية)، يهيمن عليهما الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.

الوجود التركي

بدأت تركيا عام 1994 بتكريس وجودها العسكري والاستخباراتي في جنوب كردستان وتعزيزه على مساحة جغرافية تصل إلى حوالي 100 كم، وتعزيز حضورها الاقتصادي في مجال الاستثمارات النفطية وغيرها، بعد فراغ وأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية استفحلت في إقليم جنوب كردستان.

حيث تمتلك دولة الاحتلال التركي اليوم قرابة 80 قاعدة ونقطة عسكرية واستخباراتية في جنوب كردستان، حسب وكالة روج نيوز، إلا أنه لا توجد أي إحصائية رسمية بعدد هذه القواعد والنقاط.  

أما مهام هذه القواعد والنقاط، فلا تقتصر على دعم الأعمال العسكرية ضد حركة حرية كردستان وحسب، إنما تمتد إلى الملف الاقتصادي والشأن الأيديولوجي.

التدخّل الاقتصادي

من الناحية الاقتصادية، ظل العراق وجنوب كردستان رهينة لاستيراد السلع والبضائع التركية وسوقاً وزبوناً جيداً لها، لعدم وجود صناعات محلية، حيث كشفت هيئة الإحصاء التركية في 29 تموز 2023 عن أن العراق جاء في المرتبة الخامسة ضمن أكثر البلدان استيراداً من تركيا، فيما جاء البلد عينه في المرتبة الأولى على مستوى الشرق الأوسط.

وأعلنت هيئة الإحصاء التركية في وقت سابق، أن حجم التبادل التجاري بين العراق وتركيا خلال عام 2022 بلغ 15.2 مليار دولار.

أما بخصوص جنوب كردستان، فتشير بعض الإحصاءات إلى أن نحو (75%) من تلك التجارة مع جنوب كردستان، وهو ما حوّل العراق وجنوب كردستان إلى بلد محتل اقتصادياً من قبل تركيا.

وكشف وزير التجارة والصناعة في حكومة إقليم كردستان، سنان جبلي، عام 2012، أن تركيا تقوم بتأسيس 25 شركة كل شهر على أراضيهم.

وبحلول عام 2013، ارتفعت عدد الشركات التركية إلى 1500 شركة، وانتشرت العلامات التجارية التركية في كل الأرجاء؛ بدءاً من التسوق وصولاً إلى مشاريع الإسكان ومتاجر الأثاث والسلع التجارية والغذائية.

واستقطبت هذه الشركات مجموعة واسعة من قطاعات العمل منها (الزراعية، الخدمات المصرفية والمالية، البناء، التعليم، أنظمة الطاقة الكهربائية، الرعاية الصحية، استخراج النفط/ الغاز والطرق، الاتصالات السلكية واللاسلكية، والنقل، والسياحة، والسفر، والصناعية، والغذائية، والألبسة)، إذ يقارب عدد الشركات التركية 4000 شركة، حسب تقارير لنقابات وغرف التجارة في جنوب كردستان.

ولعل تصريحات رئيس دولة الاحتلال التركي رجب طيب أردوغان عشية الاستفتاء الكردي عام 2017، بأن "كرد العراق سيتضوّرون جوعاً إذا أوقفت أنقرة تدفق الشاحنات والنفط عبر الحدود"، هو أكبر دليل على ضعف جنوب كردستان اقتصادياً.

على سبيل المثال لا الحصر، فإن سلطات جنوب كردستان تستورد الفواكه والخضار بقيمة 70 مليون دولار سنوياً من الخارج، على الرغم من أن أراضي كردستان تتسم بغناها وثرواتها الباطنية وتربتها الخصبة ووفرة مياهها، وقدرتها على تلبية احتياجاتها وتحقيق الاكتفاء الذاتي، إلا أن الكرد هناك يعيشون على فتات المواد المستوردة من الخارج وخاصة تركيا، بعد تهميش القطاع الزراعي وتوجيه أنظار الجميع إلى العمل اعتماداً على الرواتب والربح السريع، فالأغنياء في باشور يزدادون ثراءً والفقراء يزدادون فقراً، وهو أحد أسباب انتشار السرقة والعنف ضد المرأة والهجرة.

كركوك؛ خسارة كبيرة

تعرض الكرد لخيبة أمل وانتكاسة وشعروا بمرارة فقدان كركوك في 16 تشرين الأول 2017، بعد تنظيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الاستفتاء على استقلال جنوب كردستان في 25 أيلول من العام نفسه، دفع الشعب الكردي ثمنه غالياً.

النفط

وفي عام 2014 وبعد اكتمال خط الأنابيب إقليم كردستان ـ تركيا، صدّر الإقليم النفط إلى تركيا ويجري ضخه إلى ميناء جيهان التركي على ساحل البحر المتوسط، وتم الاتفاق على أن يتم تصدير 450 ألف برميل يومياً، وجاءت هذه الخطوة بعد اتفاق سري سيستمر لـ 50 عاماً، جرت دون علم برلمان كردستان وحكومة بغداد.

واعتبرت الحكومة المركزية في بغداد هذا الاتفاق غير شرعي وغير قانوني وانتهاكاً لاتفاقية النفط الموقعة عام 1973، ورفعت دعوى أمام هيئة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية في باريس عام 2014.

وتقول بغداد إن شركة سومو المملوكة للدولة هي الجهة الوحيدة المخولة بإدارة صادرات الخام عبر ميناء جيهان، وبالفعل كسب العراق دعوى التحكيم ضد أنقرة، وعلى إثرها توقفت صادرات النفط في 25 آذار 2023.

وأمرت هيئة التحكيم لغرفة التجارة الدولية تركيا بدفع تعويضات إلى بغداد بقيمة 1.5 مليار دولار، لكن تركيا تريد ابتزاز العراق عبر التفاوض على حجم التعويضات، وتقديم تنازلات لها للخروج من المأزق، من خلال التحجج بأن خطوط الأنابيب تجاه ميناء جيهان تضررت من الزلزال وهذا الموضوع أصبح مستهلكاً.

واقتربت خسائر إقليم جنوب كردستان من وقف تصدير النفط إلى 5 مليارات دولار، فيما يحاول العراق التوصل إلى اتفاق مع الجانب التركي من أجل استئناف التصدير الذي توقف منذ 6 أشهر.

الغزو الأيديولوجي

أما من جهة الغزو الأيديولوجي، فقد مارست تركيا سياسة الصهر القومي عبر غزو العقول؛ من خلال افتتاح مدارس تدرّس أيديولوجيتها التي تميل إلى الإسلام السياسي، وافتتحت أول مدرسة 1992 في مدينة السليمانية تحت اسم مدرسة النور الخاصة (IŞIK)، برعاية فتح الله غولن.

وافتتحت أكثر من 70 مدرسة تحت اسم (مدارس النور الخاصة)، بالإضافة إلى ملاعب وروضات للأطفال، ومدارس ابتدائية، وإعدادية، وثانوية، وكليات، وافتتحت جامعة باسم (جامعة النور)، تم تلقين 31500 طالب كردي اللغة التركية في هذه المدارس، حسب ما أعلنت وزارة التعليم في حكومة إقليم جنوب كردستان في العام 2016.

وتعتبر تركيا هذه المدارس مكاتب نفطية بالنسبة لها، للدلالة على العائدات التي تأتي بها هذه المدارس للخزينة التركية، لقد حصلت منها على مبلغ يفوق 2 مليار دولار طيلة 28 عاماً ماضية، إذ تكلف الدراسة في هذه المدارس الطالب سنوياً 3600 دولار.

وغيّرت اسم هذه المدارس إلى مدارس المعارف التركية بعد الإطاحة بجماعة فتح الله غولن عقب الانقلاب المزعوم 2016، وتشجّع هذه المدارس تدريس الإسلام السياسي، وقد بدأت الطالبات بتغطية رؤوسهن بالحجاب بعد ارتيادهن لهذه المدارس.

وتشوّه مناهجها ميراث وتاريخ الشعب الكردي وتسخر من الثائرين الكرد، أمثال الشيخ محمود البرزنجي، واللباس الكردي الذي يرتديه (لباس آغري).

لقد وضع القطبان الكرديان في جنوب كردستان مصداقيتهما على المحك، دون الاكتراث لمصير ومكتسبات الشعب الكردي الذي أدى إلى حصول شرخ وتقسيم الإقليم إلى إقطاعين، يتولى جيل جديد من كل أسرة حاكمة دور القيادة، وهنا يبرز مدى الضعف.

وبدلاً من التركيز والعمل على الوحدة الكردية وبناء نظام دفاعي مشترك بين كافة القوى الكردية، والتي تكفل حماية مكاسب الكرد، عمّقت سياسة الديمقراطي الكردستاني التحريضية ضد أبناء جلدته، الانقسامات، إذعاناً لسياسات الاحتلال التركي، ونتيجة ذلك، تحوّل ميزان وكفة القوى التي كانت لصالح الأخير، إلى صالح بغداد، بعد الاستفتاء الذي كلّف تنظيمه عواقب وخيمة على الشعب الكردي، بعدما فقد المكاسب التي حققها بالدم في أعقاب غزو مرتزقة داعش عام 2014. والتي شملت كركوك وحقولها النفطية.

(س ر)

ANHA