​​​​​​​الإعلان عن "الممر الاقتصادي الجديد".. الأهداف والسياقات

شهدت الأيام الماضية الإعلان عن مشروع "الممر الاقتصادي الجديد" الذي يربط بين جنوب آسيا وأوروبا عبر الخليج العربي والشرق الأوسط، إذ يعتبر هذا المشروع هو الأهم على مستوى العالم، حيث يقدم طرقاً بديلة ويربط دولاً بأخرى لا توجد علاقات بينها، كما يقصي دولاً عديدة.

​​​​​​​الإعلان عن "الممر الاقتصادي الجديد".. الأهداف والسياقات
السبت 16 يلول, 2023   04:11
مركز الأخبار – يحيى الحبيب

تم الإعلان عن المشروع على هامش قمة مجموعة العشرين التي عقدت في مدينة نيودلهي الهندية يوم السبت (9 أيلول)، من خلال مذكرة تفاهم اتفق عليها القادة بمن فيهم الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي أعلن عن المشروع.

وسيمتد الممر المقترح عبر بحر العرب من الهند إلى الإمارات العربية المتحدة، ثم يعبر المملكة العربية السعودية والأردن وإسرائيل قبل أن يصل إلى أوروبا. وسيشمل المشروع أيضاً كابلاً بحرياً جديداً وبنية تحتية لنقل الطاقة، وفقاً لما ذكرته "فايننشال تايمز".

ويهدف المشروع إلى إنشاء خطوط للسكك الحديدية، وربط الموانئ البحرية، لتعزيز التبادل التجاري وتسهيل مرور البضائع.

كما يهدف الممر الجديد إلى تيسير عملية نقل الكهرباء المتجددة والهيدروجين النظيف عبر كابلات وخطوط أنابيب، من أجل تعزيز أمن الطاقة، ودعم جهود تطوير الطاقة النظيفة، إضافة إلى تنمية الاقتصاد الرقمي عبر الربط والنقل الرقمي للبيانات من خلال كابلات الألياف البصرية.

منافسة للصين

سيبدأ المشروع الذي يشبه طريق التوابل القديم، من مومباي بالهند بحراً إلى ميناء دبي بالإمارات، ومن هناك إلى منطقة الغويفات الإماراتية بالسكك الحديدية، ويمتد المسار إلى السعودية، ويصل إلى جنوب الأردن، ثم يصل إلى مدينة حيفا الساحلية، ومنها إلى ميناء بيرايوس اليوناني بحراً، ومنه إلى أوروبا براً ويختصر هذا المسار في حال تنفيذه طريق التجارة بين الهند وأوروبا بنسبة 40 بالمائة.

على الرغم من التركيز على تأثير هذا المشروع على مبادرة الحزام والطريق الصينية، إلا أنه لن يكون هذا الممر بديلاً عن المشروع الصيني بالمعنى الكلي، لكن هذا الممر يمنح الهند فرصة لأن تكون قوة منافسة للصين التي يعتمد عليها العالم في الكثير من القطاعات؛ إذ يبرر مراقبون تنامي العلاقات الأميركية – الهندية بإمكانات الهند وقدرتها على تخفيف استناد العالم إلى سلاسل التوريد المعتمدة على الصين.

ضربة لإيران

سيمنح الممر الاقتصادي الجديد طريقاً آمناً بديلاً عن مضيق هرمز، الذي يمثل ورقة ضغط قوية بيد إيران تستخدمها ضد دول الخليج والقوى الدولية في حال تزايدت حدة التوتر بين طهران وهذه الدول، كما أن اعتماد حيفا بدلاً عن بيروت دفع البعض من اللبنانيين للقول إن وجود حزب الله هو السبب بإبعاد لبنان عن هذا المشروع.

إقصاءً لتركيا

تبدو تركيا من أكثر المتضررين من هذا المشروع؛ وهذا تبيّن من مهاجمة الرئيس التركي لهذا المشروع والدول المشاركة فيه، وقال أردوغان: "لن يكون هناك ممر من دون تركيا، والخط الأكثر ملاءمة لحركة المرور من الشرق إلى الغرب هو الخط العابر من تركيا".

وينافس الممر الاقتصادي الجديد مشروع طريق "تنمية العراق"، الذي يهدف إلى ربط الخليج بتركيا وأوروبا عبر خط سكة حديد وطريق سريع عبر موانئ في الإمارات وقطر والعراق.

وتم الإعلان لأول مرة عن "طريق التنمية" خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى تركيا، في مارس 2023، حيث كشف عنه في مؤتمر صحفي مشترك للسوداني والرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وكشف أن طريق التنمية يتضمن "خط للسكك الحديدية ينقل البضائع، في المرحلة الأولى بسعة 3.5 مليون طن، لنصل في المرحلة الثانية إلى 7.5 مليون طن، وطريق التنمية (القناة الجافة) سيشتمل على النقل البري وخطوط نقل الطاقة، فضلاً عن ميناء الفاو"، وهناك أعمال قائمة حالياً لتأهيل ميناء الفاو في أقصى جنوب العراق والمجاور لدول الخليج، والذي سيكون محطة أساسية لتسلم البضائع قبل نقلها براً، ويسمح هذا المشروع للعراق باستغلال موقعه الجغرافي والتحول إلى نقطة عبور للبضائع والتجارة بين الخليج وتركيا ثم أوروبا، ناهيك عن إعادة تأهيل البنية التحتية في البلاد، حسب تقرير لوكالة فرانس برس.

ويهدف المشروع لبناء 15 محطة قطار للبضائع والركاب على طول الخط، تنطلق من البصرة جنوباً مروراً ببغداد وصولاً إلى الحدود مع تركيا، وتأمل الحكومة العراقية أن تنقل قطارات عالية السرعة البضائع والمسافرين بسرعة تصل إلى 300 كلم في الساعة، بالإضافة إلى مد خطوط إلى مراكز الصناعة المحلية والطاقة، والتي يمكن أن تشمل أنابيب النفط والغاز.

ويعزز هذا الممر سياسة تركيا المتمثلة في كونها دولة مركزية في مجال الطاقة حيث يسمح لتركيا بنقل النفط والغاز الطبيعي من العراق إلى الأسواق العالمية كما ستكون تركيا بوابة العراق إلى أوروبا، وبالتالي سيشكل البلدان جسراً بين أوروبا وآسيا.

الخلاصة

على الرغم من الزخم الذي أعطي للممر الاقتصادي الجديد إلا أنه يحتاج لأموال وتجهيزات كبيرة كما أنه يحتاج أيضاً إلى سنوات عديدة لإنجاز هذا الممر. إلا أن ذلك لا يقلل من الأهمية الاستراتيجية لهذا التطور وخاصة فيما يتعلق بعودة الدفء إلى العلاقات بين دول الخليج والولايات المتحدة الأميركية بعد أن شهدت حالة من الفتور سعت روسيا والصين لاستغلالها والتقارب بشكل أكبر مع دول الخليج.

أهم النتائج الحالية والفورية لهذا المشروع وهو تكريس التطبيع بين الدول الخليجية وخاصة السعودية وإسرائيل. وهذا ما سعت إليه الإدارة الأميركية خلال الأسابيع الماضية؛ إلا أنه وبحسب ما يتوقع، فإن السعودية لا ترغب بالإعلان بشكل صريح عن الانضمام إلى مسار التطبيع كي لا تقع بموقف محرج كونها تحمل رمزية عربية وإسلامية، لكن في الواقع توضح خلال الأسابيع الماضية أن هناك تطبيع فعلي بين تل أبيب والرياض؛ تمثل بزيارة وفود إسرائيلية اقتصادية وتعليمية إلى السعودية إلى جانب الحديث عن وجود علاقات اقتصادية وأمنية، ليأتي هذا الإعلان عن الممر الاقتصادي ويزيد استحقاقات التعاون المشترك.

كل هذه التطورات سواء إعادة التقارب مع دول الخليج ومحاصرة نفوذ كل من الصين وإيران بالإضافة إلى تحقيق تقدم في مسار التطبيع العربي مع إسرائيل، يريد الرئيس الأميركي جو بايدن استثمارها في حملته الانتخابية القادمة.

(ي ح)

ANHA