انقلابات أفريقيا.. نفوذ روسي أم طعنة أميركية في ظهر باريس؟

مع تنامي ظاهرة الانقلابات في القارة الأفريقية، بدأت أصابع الاتهام تشير لدور روسي وراء الظاهرة التي تمددت كالنار في الهشيم بخمس دول أفريقية. فهل حقاً تقف موسكو المشغولة بالحرب في أوكرانيا وراء كل هذه الانقلابات، أم أن هناك طرف آخر يهمه إضعاف باريس ووراثة مكانتها؟

انقلابات أفريقيا.. نفوذ روسي أم طعنة أميركية في ظهر باريس؟
الجمعة 15 يلول, 2023   03:40
القاهرة - محسن المصري

خلال العشر سنوات الأخيرة، شهدت القارة الأفريقية عشرات الانقلابات، فضلاً عن محاولات الانقلاب، وتحتل منطقة غرب القارة الصدارة التاريخية في هذه الأحداث، بنسبة 44.4% من إجمالي الانقلابات العسكرية، وهو ما دفع إلى تسميتها بـ "حزام الانقلابات؛ حيث شهدت خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ما يقدر بـ 7 انقلابات على الأقلّ.

وشهدت الغابون في 28 آب الماضي انقلاباً عسكرياً أطاح بالرئيس علي بونغو، الذي تحكم أسرته البلاد منذ أكثر من 50 سنة، ويعتبر أحد حلفاء باريس في الساحل الأفريقي، وسبق الغابون بشهر واحد انقلاب بالنيجر في 28 تموز الماضي، كما شهدت مالي انقلابين عسكريين؛ الأول في آب 2020 والثاني في أيار 2021. وفي بوركينا فاسو حدث انقلابان أيضاً عام 2022، وفي غينيا حدث انقلاب عسكري في أيلول 2021. وفي العام نفسه قُتل الرئيس التشادي إدريس ديبي على يد متمردين.

اللافت للنظر في انقلابات أفريقيا أن الدول الخمس التي شهدت انقلابات كانت خاضعة يوماً ما للاحتلال الفرنسي، وأنظمتها السياسية كانت حتى وقت قريب موالية لباريس بشكل كامل، وهو ما جعل فرنسا أكبر الخاسرين من تلك التطورات، خاصة مع اعتمادها بشكل شبه كامل على الموارد الأفريقية في دعم الاقتصاد الفرنسي.

فرنسا وأفريقيا

ويكفي لمعرفة حجم الضرر الفرنسي من الانقلابات بأفريقيا أن نستشهد بمقولة للرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، قال فيها: "فرنسا دون أفريقيا ستنزلق إلى مرتبة دول العالم الثالث"، وهو تصريح يتفق بشكل كبير مع تصريح زعيم فرنسي سابق هو فرانسوا ميتران عام 1957، قبل أن يتقلد منصب الرئاسة قال فيه: "دون أفريقيا، فرنسا لن تملك أي تاريخ في القرن الواحد والعشرين".

تصريحات شيراك ومن قبله ميتران تكشف ما تمثله أفريقيا من أهمية استراتيجية لفرنسا، خاصة أن النيجر التي تعتبر أحد أفقر دول العالم توصف بأنها "البلد الذي يضيء شوارع باريس بينما يعيش أغلب سكانه في الظلام".

وحسب تقارير، فإن استغلال اليورانيوم في النيجر، ينير مصباحاً من أصل كل 3 مصابيح في فرنسا، بينما في النيجر 80 بالمائة من السكان، لا يحصلون على الإنارة الكهربائية، فضلاً عن كونها منتجاً رئيساً للذهب واليورانيوم، وهو ما يبرر الموقف الفرنسي من الانقلاب في نيامي ودعم باريس للرئيس المعزول محمد بازوم، والضغط لإعادته للسلطة حفاظاً على مصالحها التي يهددها الانقلاب؛ خاصة بعد إعلان القادة الجدد طرد السفير الفرنسي وتعليق التعاون مع باريس، وهو الموقف الذي تكرر في أكثر من دولة شهدت انقلاباً عسكرياً، ما يكشف حجم الغضب ضد السياسات الفرنسية في أفريقيا.

ففي آذار الماضي، أعلنت السلطات في بوركينا فاسو وقف العمل بـ "اتفاق المساعدة العسكرية" الموقع عام 1961 مع فرنسا، بعد أسابيع من قرارها طرد القوات الفرنسية من البلاد، وفي 15 آب 2022، أعلنت فرنسا انسحاب آخر جنودها من مالي وسط احتفالات شعبية كبيرة.

التراجع الفرنسي الواضح في أفريقيا يقابله بالتوازي توسع روسي؛ حيث تقدّم موسكو نفسها كشريك في العلاقات مع الدول الأفريقية، ما ساعد على وجود تيار عريض من الشباب الأفارقة ينادون بالتخلص من الهيمنة الفرنسية لصالح العلاقات مع الدولة الشرقية، ويتبنى هؤلاء الشباب خطابات شديدة اللهجة ضد باريس، وينشرون شعارات مناهضة على وسائل التواصل الافتراضي من قبيل: "أفريقيا بدون فرنسا أفضل" و"أفريقيا للأفارقة".

براغماتية أميركية

بعيداً عن التراجع الروسي والتمدد الروسي، يبقى الموقف الأميركي مما تشهده القارة الأفريقية أكثر براغماتية وواقعية بصورة جعلته في مرمى الاتهامات الفرنسية، فعلى الرغم من رفض واشنطن لما حدث في النيجر، إلا أن التحرك العملي والتصريحات الأميركية تؤكد أن هناك تبايناً واضحاً في الموقفين الأميركي والفرنسي، ففي وقت تتصاعد فيه اللهجة الفرنسية ضد الانقلاب، نجد أن الأميركيين أكثر هدوءاً دون تهديد أو تلويح، لدرجة عدم تسمية ما حدث بـ "الانقلاب" حتى اللحظة، علاوة على تفضيل عدم التدخل العسكري، وضرورة العودة للحوار السياسي والدبلوماسي. 

التمايز الأميركي عن فرنسا كان واضحاً في أزمة النيجر تحديداً؛ ففي الوقت الذي كانت باريس تحشد للتدخّل العسكري وفرض حصار على القادة الجدد في نيامي، كانت وكيلة وزارة الخارجية الأميركية، فيكتوريا نولاند، تجتمع مع قادة المجلس العسكري بالنيجر، ثم جاءت خطوة وصول السفيرة الأميركية الجديدة لنيامي، كاثلين فيتزغيبونس، لتعمّق الخلاف بين واشنطن وباريس. 

وحسب تقارير، فإن موقف واشنطن نابع من رغبتها في الحفاظ على مصالحها في أفريقيا والابتعاد عن باريس، التي أصبح وجودها غير مرغوب فيه في القارة بشكل كبير، وبالتالي لا تريد أميركا أن تترك الساحة مفتوحة أمام روسيا لتحتل الفراغ الكبير الذي ستتركه فرنسا، خاصة أن تماهي واشنطن مع التوجّه الفرنسي تجاه النيجر كان سيكلفها خسارة قواعدها العسكرية؛ حيث تمتلك قاعدتين عسكريتين للطائرات من دون طيار في النيجر، واحدة منها تقع في منطقة أغاديز شمال البلاد، تقوم من خلالها بعمليات استطلاع شاملة للمنطقة، وتعتبر مركزاً مهماً للمعلومات، إضافة إلى وجود 1100 جندي أميركي هناك.

كما سعت واشنطن من خلال هذا الموقف للمحافظة على مصالحها الاقتصادية في النيجر، وعلى رأسها اليورانيوم والذهب وغيرها من المواد الخام المهمة جداً، فضلاً عمّا تمثله النيجر من موقع استراتيجي يمثل لأميركا رمانة الميزان في الساحل الأفريقي، حيث يحفظ لها وجوداً عسكرياً لمكافحة الإرهاب عن قرب، ويدرّ عليها مصالح اقتصادية، عبر الانتفاع من مناجم اليورانيوم.

خلافات واشنطن وباريس

الموقف الأميركي من النيجر زاد من الخلاف بين باريس وواشنطن؛ وهو ما عبّر عنه تصريح منسوب لأحد الدبلوماسيين الفرنسيين بقوله: "إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية حليفة لك فلا تحتاج إلى عدو" وهو تعبير يكشف حجم الاستياء الفرنسي من واشنطن.

خلافات واشنطن وباريس حول النيجر ليست سوى حلقة من تاريخ كبير من الخلاف بين الحليفين، وباستحضار التاريخ ربما نجد أن الخلاف هو الأكثر حضوراً بين البلدين، ففي أيلول 2021 استدعت فرنسا سفيريها بأميركا وأستراليا على خلفية إلغاء الأخيرة صفقة غواصات كانت قد وقعتها مع شركة نافال الفرنسية واستبدالها بغواصات أميركية، وذلك بالتزامن مع توقيع استراليا على الاتفاق المسمى بتحالف (AUKUS) الذي يضمها مع الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا.

وحسب تقارير فرنسية، فإن واشنطن لم تكتفِ في ذلك الوقت بالتأثير على استراليا لإلغاء صفقة الغواصات مع باريس؛ بل إنها تجاهلت دعوة فرنسا للانضمام للتحالف الجديد، وهو ما اعتبرته الخارجية الفرنسية طعنة في الظهر وفق بيان رسمي صدر عنها في 17أيلول 2021.

كما استغلت أميركا الحرب الروسية الأوكرانية وأزمة الطاقة التي تعرضت لها أوروبا، وباعت الغاز الطبيعي للاتحاد الأوروبي بأربعة أضعاف ثمنه، ما أثار استياء القادة الأوربيين وفي مقدمتهم فرنسا.

خيبة الأمل الفرنسية من المواقف الأميركية دفعت وزير الخارجية الفرنسي السابق جان إيف لودريان، إلى وصفها بطعنة في الظهر، ولكن هذه الطعنة ربما يوجد لها مبرر في السياسة الأميركية التي لا تنسى مواقف حلفائها، ففي 2003 عارضت فرنسا بقوة الغزو الأميركي - البريطاني للعراق، وقادت الجهود الأوروبية لرفض منح الولايات المتحدة الأميركية شرعية قانونية لشن هذه الحرب، ورغم أن ألمانيا وروسيا كانتا أيضاً من المعارضين للغزو، إلا أن كونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي في عهد الرئيس الأسبق جورج بوش الابن، صرحت بأن الولايات المتحدة الأميركية "ستسامح روسيا، وتتجاهل ألمانيا، وتعاقب فرنسا!"

ويعكس تصريح رايس نظرة وطريقة تعامل واشنطن مع فرنسا تحديداً دون بقية الدول، فعلى الرغم من وجود دول كثيرة رفضت السياسة الأميركية، ولكن فرنسا وحدها هي من تواجه العقاب.

أميركا وانقلابات أفريقيا

وانطلاقاً من فكرة العقاب، كشفت تقارير صحفية أن ما لا يقل عن 10 انقلابات في غرب أفريقيا منذ عام 2008، نفذها ضباط دربتهم الولايات المتحدة، ما أثار تساؤلاً: حول دور واشنطن في دعم هذه الانقلابات حتى لو أدانتها في وسائل الإعلام.

وحسب صحيفة "ذا إنترسبت" الأميركية، فإن ضباطاً دربتهم الولايات المتحدة كانوا قد شاركوا في 6 انقلابات على الأقل في بوركينا فاسو ومالي المجاورتين للنيجر منذ عام 2012.

وأشارت إلى أن هؤلاء الذين تلقّوا تدريبات عسكرية أميركية، نفذوا ما لا يقل عن 10 انقلابات في غرب أفريقيا منذ عام 2008، في بوركينا فاسو في أعوام 2014، 2015، 2022، وفي غامبيا 2014 وغينيا 2021 وفي مالي في أعوام 2012، 2020، 2021، وانقلاب موريتانيا 2008.

كما كشف التقرير أن موسى سالو برمو، قائد قوات العمليات الخاصة في النيجر وأحد قادة انقلاب النيجر، تلقى تدريباً على يد الجيش الأميركي، واجتمع قبل شهر واحد من الانقلاب مع رئيس قيادة العمليات الخاصة بالجيش الأميركي، في القاعدة الجوية 201، وهي قاعدة للطائرات بدون طيار في مدينة أغاديز النيجرية، التي تمثل العمود الفقري للقوات الأميركية في غرب أفريقيا.

ويبقي السؤال؛ هل ما شهدته مناطق النفوذ الفرنسي في أفريقيا من انقلابات عسكرية وطرد للقوات الفرنسية وإلغاء اتفاقيات عسكرية ومدنية مع باريس، هو جزء من سياسة العقاب الأميركي لفرنسا كما وصفتها كونداليزا رايس؟ أم طعنة في الظهر كما وصفها جان لودريان؟ أم أن الأمر تمدد روسي في الدول الأفريقية أم هناك سبب أخر؟

(ي ح)

ANHA