يلماز غوني.. سينما المقهورين والمضطهدين ضد الظلم والاستعباد

تعرّض للقمع والاضطهاد في سجون الفاشية التركية فقط لأنه كردي، ومن خلف جدران السجن كانت السينما وسيلته للتعبير عن رفضه للظلم والقهر الذي يتعرض له شعبه. إنه السينمائي الكردي يلماز غوني.

يلماز غوني.. سينما المقهورين والمضطهدين ضد الظلم والاستعباد
الجمعة 8 يلول, 2023   23:34
مركز الأخبار

السينمائي الكردي الراحل يلماز غوني، واحد من أهم أعمدة السينما التركية والكردية في القرن الماضي، ولد يلماز غوني في اليوم الأول من شهر نيسان عام 1937 في مدينة أضنة التركية، وهي منطقة تقع في منطقة الجنوب الشرقي من تركيا. وقد ذكر في أحد الحوارات الصحفية التي أجريت معه، أن المنطقة التي عاش بها كانت تتميز بكثرة عدد سكانها، كما أنها متميزة بالعنف وقساوة الحياة، فكل واحد من سكان هذه المنطقة يمتلك سلاحاً خاصاً به يقوم بالدفاع عن نفسه دون وجود أي قانون يحكم البلدة. في هذه الظروف القاسية كانت طفولة غوني، الأمر الذي أنشأ بداخله روح الدفاع عن الطبقات الفقيرة والتي لا تحظى بحقوقها في المجتمع.

أسرة يلماز غوني كانت بسيطة شبه فقيرة؛ فوالده كان عاملاً موسمياً، وكان هو وأخوته السبعة مهددين بالجوع والفقر كل يوم، وعلى الرغم من كل هذه الظروف تمكن من بناء حسّه الفني في كتابة القصص والشعر، بل ونمّى حبه للسينما يوماً بعد يوم.

البدايات كانت مع القصة والشعر

كانت البداية الفنية ليلماز غوني من خلال كتابة القصص القصيرة والشعر، وعندما وصل إلى عامه التاسع عشر، قرر الانتقال إلى مدينة اسطنبول، وكانت هذه بدايته الحقيقية؛ فهناك تعرّف على الكثير من الشخصيات السينمائية الهامة، وبدأ يعرض أعماله عليهم فكان حبه للسينما قد ساعده على توصيل أفكاره. وبالفعل، بعد لقائه بعدد كبير من الفنانين تعرف عليهم خلال بداياته، كان أول من أعطاه الفرصة الحقيقية هو المخرج السينمائي عاطف يلماز، والذي قدمه للجماهير لأول مرة كممثل، ومن هنا بدأ غوني مشواره الفني الطويل.

الإعلان عن كرديته

في البداية التحق يلماز بكلية الحقوق في جامعة أنقرة، ودرس فيها ما يقرب الشهرين فقط، وبعد ذلك قرر الانتقال إلى جامعة إسطنبول ليلتحق بكلية الاقتصاد، حيث أفصح يلماز أنه كردي وأعلن دفاعه عن هذا الشعب المضطهد، ما أدى إلى اعتقاله، حتى إنه لم يتمكن من استكمال مسيرته التعليمية، وبدأ اهتمام يلماز ينصب حول الفن الذي وجده السلاح الأكبر والأمضى للدفاع عن القضية، التي طالما شغلت تفكيره، وهي الدفاع عن المظلومين بشكل عام وعن الكرد بشكل خاص.

تعرّض الفنان يلماز غوني للاعتقال أكثر من مرة؛ بسبب آرائه السياسية الجريئة، والتي تدور حول الدفاع عن الكرد وعن الطبقة الفقيرة في المقام الأول، ويأتي بعدها مهاجمته للنظام السياسي الغافل عن إقامة المساواة والعدل. وكان اعتقاله الأول عام 1961 بسبب إعلانه عن كرديته ودفاعه عن هذا الشعب المضطهد، ومن ثم توالى اعتقاله بسبب كتاباته الجريئة. وعلى الرغم من تعرضه للقهر من قبل الدولة، إلا أن كتاباته تُرجمت إلى أكثر من سبع لغات، كما أنه رُشّح لنيل جائزة نوبل للآداب.

السينما وسيلته للتعبير عن آرائه

إلى جانب موهبته في التمثيل والكتابة والتأليف، قرر غوني أن يدخل مجال الإخراج عام 1968 لأنه وجد أن الإخراج سوف يكون وسيلة قوية للتعبير عن آرائه من وجهة نظره الشخصية، وبالفعل، فقد قدم أول فيلم من إخراجه بعنوان “سيد خان”، والذي لم ينل النجاح المتوقع، لكن هذه التجربة أعطت غوني خبرة جيدة في مجال الإخراج. وبعد سنوات تمكن من إخراج العديد من الأفلام أثناء اعتقاله في السجن، حيث كان يزوره أصدقاؤه المقربون وأثناء الزيارة يقوم بإعطائهم شرحاً مفصلاً لوضعيات الكاميرا وأماكن وقوف الممثلين والفكرة المحددة عن المشهد، وبالفعل قدم عدداً من الأعمال نالت إعجاب الجماهير والنقاد أيضاً.

ومن أفلامه: الطريق، والقطيع، والأمل، والهاربون، والكابوس، والفقراء، ورجل قبيح، والذئاب الجائعة، وسيد خان، وغداً هو اليوم الأخير، والدو، والعلقم، وأبناء من هذا الوطن، وزمن التبغ، وملك الملوك، وأنا لا أتأثر بالرصاص.

في عام 1981 وبعد أعوام من السجن والظلم، قرر الفنان يلماز غوني الهروب من السجن أثناء (إجازة المراقبة) وانتقل من تركيا إلى اليونان، ومن اليونان استقر في فرنسا، وقامت الدولة التركية بسحب الجنسية من غوني، كما أصدرت بحقه حكماً بالسجن تصل مدته إلى 22 عاماً بتهمٍ مختلفة ملفقة، وفي تصريح له قال الفنان الراحل إن هروبه من السجن قد تم بمساعدة بعض السلطات التركية التي أرادت خروجه من الدولة.

في الـ 9 من شهر أيلول عام 1984 رحل السينمائي الكردي يلماز غوني عن عالمنا عن عمر يناهز 47 عاماً فقط، بعد معاناته من مرض السرطان، وقد حضر مراسم الجنازة كبار رجال الدولة الفرنسية على رأسهم عقيلة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، وقد تم دفنه في مقبرة العظماء بيرلاشز.

مسيرة يلماز غوني في مجال الفن والسينما المنحازة إلى المقهورين والمضطهدين، أصبحت مصدر إلهام للسينمائيين الكرد في كل أجزاء كردستان، وخاصة في روج آفا ومناطق شمال وشرق سوريا، حيث ظهرت العديد من المؤسسات الفنية التي تسعى إلى انتاج سينما جادة ملتزمة بقضايا الشعوب ومناهضة لكل أشكال الظلم والاضطهاد.

(كروب/ك)

ANHA