جولة خارجية ومبادرة داخلية.. هل اقتربت حرب السودان من مشهد النهاية؟

تطورات متسارعة ومفاجئة تشهدها الساحة السودانية في الأيام الأخيرة، بداية من إعلان قائد الدعم السريع استعداده لوقف الحرب والتفاوض، وإطلاقه مبادرة سياسية تدعو لفيدرالية السودان، ثم الزيارة التي قام بها قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان لجنوب السودان، ومن قبلها القاهرة لأول مرة منذ اندلاع الحرب.. فهل تشهد السودان تسوية سياسية مرتقبة تضع مشهد النهاية للحرب التي أكلت الأخضر واليابس في البلاد؟

جولة خارجية ومبادرة داخلية.. هل اقتربت حرب السودان من مشهد النهاية؟
الخميس 7 يلول, 2023   02:15
مركز الأخبار - محسن المصري

وكان رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، قد وصل الثلاثاء 5 آب لمدينة جوبا عاصمة جنوب السودان، وذلك بعد أيام من أول زيارة خارجية قام بها منذ الحرب إلى العاصمة المصرية القاهرة في 29 آب الماضي منذ اندلاع الاشتباكات التي تشهدها البلاد منذ منتصف نيسان الماضي.

وفي تصريحات لوسائل إعلام مصرية خلال الزيارة، قال البرهان: "نحن حريصون على أن نضع حداً لهذه الحرب، ونسعى لإقامة فترة انتقالية يستطيع بعدها الشعب أن يؤسس دولة من خلال انتخابات حرة نزيهة".

وجاءت تصريحات البرهان، بعد أيام قليلة من طرح قائد قوات الدعم السريع، مبادرة سياسية تتضمن تفاصيل رؤيته للسلام في السودان، وتشمل 10 نقاط أساسية لإنهاء الحرب.

ودعا حميدتي في مبادرته إلى "تأسيس الدولة السودانية الجديدة"، من خلال اعتماد نظام حكم فدرالي وحكومة مدنية تمثل كل أقاليم السودان، إضافة إلى إقرار تأسيس جيش سوداني جديد بغرض بناء مؤسسة عسكرية واحدة تنأى بنفسها عن السياسة، كما دعا إلى ما سمّاه "تصفية الوجود الحزبي والسياسي داخل الدولة".

وتأتي تصريحات البرهان ومبادرة حميدتي بعد أن أدت الحرب المشتعلة بين الطرفين منذ 5 أشهر إلى مقتل نحو 5 آلاف شخص، فضلاً عن نزوح أكثر من 4.6 ملايين شخص، وفق تقارير دولية.

وبحسب مراقبين، فإن الحرب في السودان ربما تقترب من نهايتها، وهناك رسائل واضحة من طرفي الصراع تؤشر إلى ذلك.

دلالات عسكرية وسياسية

ويري الناشط السياسي السوداني، محمد حنين، أن "خروج البرهان من الخرطوم وزيارته للقاهرة وبعدها جوبا، نسف دعاية الدعم السريع الإعلامية التي ظلت ومنذ بدء الحرب تردد وتكرر أن البرهان وقادة الجيش محاصرون ولا يستطيعون حتى الخروج مئة متر خارج أسوار القيادة العامة للجيش".

وقال لوكالتنا: "إن خروج البرهان وزيارته لقواعد عسكرية مثل (سلاح المدرعات، سلاح الإشارة وقاعدة وادي سيدنا العسكرية) له دلالات بأن الجيش قد أحرز تقدماً عسكرياً ملحوظاً إلى الحد الذي جعل القائد الأعلى للجيش يتحرك في كل هذه المناطق التي تبعد جغرافياً عن بعضها البعض، خصوصاً وأن هذه المناطق ظلت تجري حولها معارك شرسة وضارية".

حقيقة الصفقة

وأشار إلى أن "الحديث عن خروج البرهان باتفاق وصفقة، كما يروج لها البعض، هو محض أوهام كما وصفها قائد الجيش نفسه وسط قواته في قاعدة فلامنغو البحرية، حيث قال إن عملية خروجه تمت بتنسيق بين وحدات الجيش، وارتقى في هذه العملية ثلاثة شهداء".

وحول ما يقال عن وجود صفقة مع الدعم السريع لتسهيل خروج البرهان، تساءل الناشط السياسي مستنكراً "كيف يعقل أن يكون خروج البرهان باتفاق مع حميدتي، رغم إعلان قائد قوات الدعم السريع أنه لن ينهي الحرب سوى بالقبض على البرهان نفسه؟!"

ويعتقد حنين أن "خروج البرهان يمكن قراءته على أنه ترتيب لخطوات ما بعد الحرب، لاسيما الزيارة التي قام بها إلى القاهرة، معتبراً أن زيارة مصر لها دلالات سياسية وعسكرية، فذهاب البرهان بصفته رئيساً لمجلس السيادة لا قائداً للجيش فقط، تُقرأ على أنها إظهار لوجود الدولة التي لعب الدعم السريع وظهيره السياسي وداعموه الإقليميون على تغييبها وشلّ حركتها".

ولفت إلى أن "الزيارة لها مدلول عسكري أيضاً، ظهر باصطحاب البرهان لمدير المخابرات العامة ومدير منظومة التصنيع الحربي معه إلى القاهرة؛ في إشارة إلى أن هذه الحرب في نهايتها ويجري الترتيب لوضع ما بعد الحرب".

وأكد حنين أن "مصر لعبت دوراً محورياً في الأزمة، رغم محاولات بعض القوى الإقليمية تغييب دورها، مشيراً إلى أن "مؤتمر دول الجوار الذي استضافته القاهرة، كان السبب الرئيس في إفشال محاولة تدويل أزمة السودان، التى سعى لها المتربصون وبعض القوى السياسية السودانية للأسف".

وتابع: "كما أن رأي القاهرة كان واضحاً منذ البداية بالوقوف مع مؤسسات الدولة الشرعية والحفاظ على استقلالية السودان وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، أضف إلى ذلك أن مصر هي أكثر دول الجوار تضرراً من الحرب في السودان، كما أنها تأوي أكثر من ٥ مليون سوداني وتعاملهم معاملة مواطنيها".

وبحسب الناشط السياسي، فإن "الزيارة مهمة لشكر مصر على وقفتها إلى جانب السودان والتطلع لزيادة دورها ومساهمتها في مرحلة ما بعد الحرب، خاصة أن مصير مصر والسودان طالما كان مشتركاً وواحداً".

وحول توقعاته لمستقبل الأزمة في السودان، أكد الناشط السياسي أن "خروج البرهان قلب المشهد سياسياً رأساً على عقب، وتصريحاته التي تتكرر فيها كلمات مثل ( القوات المتمردة، العصابات وغيرها) يعني أن الخطر العسكري قد زال، وأنهم الآن في مرحلة الخطر الأمني والتمهيد لما بعد الحرب، وهو ما يتضح في تحرك الشرطة لأول مره منذ اندلاع الحرب وتقدم وزيادة وتيرة انتصارات الجيش وظهور دور الدولة في عدد من القرارات".

مستقبل الصراع

من جانبه، يري الأكاديمي السوداني د. عماد بحر الدين، الأستاذ المساعد في قسم العلوم السياسية بالجامعة الاسلامية بولاية منيسوتا الأمريكية، أن "الحرب في السودان أثرت بشكل كبير على اقتصاد دول الجوار وفي مقدمتها مصر التي يهمها وقف الحرب".

وقال لوكالتنا: "من أهم رسائل القيادة السودانية المتمثلة في البرهان من زيارته القاهرة، أن الحرب ستتوقف في القريب العاجل، وستتم محاسبة كل من تعدّى على الممتلكات العامة والخاصة".

وأشار إلى أن "القاهرة أكثر الدول ارتباطاً بالسودان على مدار تاريخها، وهناك دور كبير لمصر في السودان، وعلاقات سياسية وعسكرية كبيرة تجمع البلدين، والكثير من السياسيين السودانيين يؤمنون بأهمية الدور الإقليمي الذى تلعبه مصر في السياسة السودانية".

ويعتقد الأكاديمي السوداني أن "مصر تسعى لحل الأزمة عبر التفاوض، خاصة أنها من أكبر المتضررين من استمرار الصراع، لافتاً إلى أن القيادة المصرية ربمأ أخطأت في تقديراتها بدعم الجيش في بداية الأزمة، وبدأت تدرك ذلك وتسعي لدور أكثر حيادية في التعامل مع الطرفين، وهو ما يمكنها من التأثير في الأزمة وإنهاء الحرب".

ويري بحر الدين أن "الأوضاع ستتجه إلى التفاوض ووقف الحرب قريباً، ولكن سيبقي الدعم السريع كما هو، وربما أصبح في وضع أفضل؛ خاصة أنه يمتلك رؤية سياسية تلقى قبولاً لدى مناطق كثيرة في السودان، لافتاً إلى أن مبادرة حميدتي حول الفيدرالية تمثل مدخلاً كبيراً للحل السياسي في البلاد".

وحول مستقبل حميدتي فيما بعد الحرب، يري الباحث أن "قائد الدعم السريع أصبح يحظى بدعم كبير من مختلف مناطق السودان، وهناك تأييد من زعماء قبائل وكيانات كبيرة لتحركات الدعم السريع، ومبادرة الفيدرالية التي أطلقها. وهناك رغبة كبيرة في التخلص من المركزية وسيطرة إقليم الشمال الذي يمثل أقلية على غالبية السودان".

وأشار إلى أن الدعم السريع يسيطر الآن على معظم المناطق الحيوية في العاصمة الخرطوم، وغالباً لم يخرج البرهان من الخرطوم إلا باتفاق مع قيادات الدعم بموافقة حميدتي، وذلك للتخلص من فلول النظام البائد الذي ساهموا في إشعال الحرب.

وحول احتمالية أن يكون حميدتي رئيساً للسودان في مرحلة لاحقة بعد الحرب، أكد الأكاديمي أن قائد الدعم السريع أعلن مراراً وتكراراً أنه لا يريد رئاسة السودان، ولكن الأمور قد تختلف بعد نهاية الحرب، وقد يكون بالفعل أحد المرشحين للرئاسة حال وجود دعم شعبي كبير له، وهو أمر نراه في ظل انضمام كثير من المناطق وقبائل السودان للدعم السريع".

(م ش)